رغم سنواته الثمانين التي يحملها فوق ظهره عبئا ثقيلا الا انه لايزال مستعدا للمبارزة وللسجون والمعتقلات, يلقي كلمته ويحمد الله انها لم تدخله السجن, ويعتبر ايامه خارج المعتقل نعمة من الله يحمده عليها . كلماته لا تعرف المساحة الرمادية حادة وقاطعة ومياله لتذكير الاعور بانه اعور. انه الحاج مضوي محمد احمد, رئيس الحزب الاتحادي بالداخل, والذي يوصف على نطاق واسع بقائد المعارضة الداخلية. ويقول الحاج مضوي الذي يقاوم تقلبات الازمنة والانظمة ان قدره هو محاربة الديكتاتورية في السودان, مستذكرا حروبه الكلامية ضد الجنرال ابراهيم عبود (1958 ــ 1964) ومرورا بالمشير جعفر نميري (1969 ــ 1985) ووصولا ــ لا انتهاء بعهد الفريق عمر البشير. وفي هذا الحوار الشامل مع (البيان) يقدم الحاج مضوي رؤيته لمستقبل السودان ورأيه في النظام الحاكم وقانون التوالي السياسي الذي سيزمع اصداره وقضايا اخرى كثيرة وهنا نص الحوار : كذبة ابريل في نوفمبر * تتهيأ الحكومة لاصدار قانون عودة الاحزاب ــ فما هو موقف حزبكم من هذا القانون؟ ــ بالنسبة لنا كمعارضة وتحديدا الحزب الاتحادي في الداخل نرى بوضوح واستنادا الى مفاوضات متعددة اجرتها الحكومة مع اعضاء من مكتبنا السياسي, بان هذا النظام يفتقد المصداقية ولم نعد نثق فيه اطلاقا, اقول هذا بعد محادثات شاركت فيها شخصيا مع الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية والدكتور حسن الترابي رئيس البرلمان وعلي عثمان محمد طه النائب الاول لرئيس الجمهورية والدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام والدكتور مجذوب الخليفة والي الخرطوم, والاربعة الآخرون هم قيادات الجبهة الاسلامية, كما ان الحكومة اجهضت مبادرات ووساطات كثيرة للوفاق الوطني, كانت آخرها منذ اسابيع قام بها الدكتور دفع الله الجزولي رئيس وزراء حكومة سوار الذهب الانتقالية, ورجل الاعمال فتح الرحمن البشير الذي قاد عام 77 مبادرة ناجحة للمصالحة بين بعض الاحزاب ونظام نميري, ودفع الله الحاج يوسف وزير التعليم الاسبق والقيادي الاسلامي, ورجل الاعمال فتح الرحمن البشير الذي نجح في مبادرة سابقة للمصالحة بين الاحزاب ونظام نميري عام 1977. والوساطة الاخيرة شملت الى جانب الاحزاب الشمالية جنوبيين وابناء جبال النوبة ولكنها لم تسفر عن اي نتيجة وعندما قبلت الحكومة بمناقشتها اتضح انها كانت تهدف الى كسب الوقت, كما حدث في المرات السابقة: لهذا مايقال عن (التوالي السياسي) واعادة الاحزاب هو (كذبة ابريل) واذا كان هذا شهر اكتوبر فان هذه الحكومة عودتنا ان تكذب في كل يوم ولهذا فان الشهور كلها عندها ابريل, بينما العالم يتسلى لهذه الكذبة مرة واحدة في العام, ولهذا نحن لا نثق في كل ما يقال عن عودة الاحزاب بقانون اسمه (التوالي السياسي) . الازهر والسوربون ولكن هناك مبادرات من الحكومة وتحديدا مع حزبكم للوصول الى اتفاق؟ ــ اجتماعات الدكتور مجذوب الخليفة والى الخرطوم والدكتور غازي صلاح الدين وزير الاعلام الحالي عندما كان امينا عاما للمؤتمر الوطني: حزب الحكومة تمت في منازل الاتحاديين بناء على طلب ممثلي الحكومة لاعطاء الموقف المزيد من الثقة بين الجانبين, وكنا نتواعد على اجتماع جديد ولكن بين الاجتماعين تحدث تصرفات من الحكومة تنسف كل الاجندة السابقة, ومثال ذلك تصريح للدكتور مجذوب بعدم السماح للاتحاديين وحزب الامة الذي يتزعمه الصادق المهدي بممارسة اي نشاط سياسي ومن الغريب ان يصدر هذا التصريح عن قيادي حاز حزبه على 7% فقط من اصوات الناخبين في آخر انتخابات ديمقراطية, بينما شكل الحزبان الحكومة, ومن الغريب ايضا ان يصف الدكتور غازي ومجذوب الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني بانهما دخيلان على الساحة السياسية بينما يعرف العالم والشعب السوداني ان الاول حفيد القائد الاسلامي الذي حارب الحكم التركي وهزم الانجليز والثاني ابن الميرغني رجل الدين الورع والسياسي المحنك الذي حقق استقلال البلاد وهو يشد من ازر ابو الوطنية الزعيم اسماعيل الازهري, ومن الغريب ان يحاول هؤلاء طمس تاريخ الرجال والبلاد لافساح المجال لحزب الدكتور الترابي الذي لا اساس وطني له وليس له تاريخ سياسي يذكر وهو حزب يتشدق بالاسلام بينما الدكتور الترابي تلقى دراسته في فرنسا وليس الازهر الشريف كما هو حال القادة الاسلاميين. الحرية لا تتجزأ تروج السلطة لمقولة السودان يحتاج الى احزاب قوية لتولي السلطة, ومن هنا جاء قانون التوالي السياسي لابعاد الاحزاب الصغيرة عن المسرح السياسي أليس هذا في مصلحة الحزب الاتحادي الديمقراطي؟ ــ الحرية كمبدأ لاتتجزأ, وبالتالي ليس هناك من يقبل الوصاية, والاحزاب معروفة بانها قوية بدليل ان الجبهة الاسلامية لم تقو على ازاحتها من السلطة الا بانقلاب عسكري, وبدليل ان الحزب الاتحادي الديمقراطي كان يحكم منفردا احيانا او بالائتلاف مع حزب الامة لتحقيق المزيد من الاستقرار السياسي, ومهما كانت ادعاءات قادة الجبهة يظل السودان يحكمه هذان الحزبان كما هو حال الحزبين الاساسيين الجمهوري والديمقراطي في امريكا والعمال والمحافظين في بريطانيا وايضا كما يحدث في تبادل السلطة في المانيا بين حزبين, ومع هذه القناعة فان هناك اتجاها بدمج حزبي الاتحادي الديمقراطي والامة خلال المرحلة الديمقراطية الرابعة المقبلة, وهذا الاتجاه برز ويترسخ في اوساط حزب الامة, مع اتاحة الفرصة بالكامل للاحزاب الشيوعية والبعثية والناصرية واحزاب الجنوبيين وحتى حزب المؤتمر الحاكم الحالي بممارسة نشاطهم السياسي بكل حرية. العبرة الدستور الاعتقاد السائد ان قانون التوالى السياسي يعد مخرجا سلميا للحكومة وهناك في اوساط المعارضة الداخلية من يرحب بهذا التطور؟ ــ لايمكن لاحد ان يطمئن لهذه الحكومة مهما اصدرت من وثائق وقوانين وتشريعات لانها في اليوم الذي وقع فيه رئيس الجمهورية على الدستور تم اعتقال عشرات القياديين من الاحزاب والنقابات, وهذا يؤكد معلوماتنا بان الذين صوتوا للدستور لايتعدى 5% او 7% على اكثر تقدير ولهذا استمرت السلطة في استخدام قوتها البوليسية بحجة حماية الدستور من المعارضين, لانه اذا كانت الغالبية مع الحكومة ودستورها بنسبة 99% كما ادعت فماذا تخشى من الاقلية وتحاصرها وتعتقلها, واذا كان هذا يحدث واصوات السلطة كانت عالية باعمال القانون والغاء الاجراءات الاستثنائية واطلاق الحريات, فلن يكون هناك اطمئنان في البلاد عندما نسمع الآن بان قانون التوالي السياسي يعطي هذه الحريات, فاذا كانت الدولة لم تحترم دستورها فكيف لها ان تضع القانون. الهندي استقال ولكن الشريف زين العابدين الهندي الامين العام للحزب الاتحادي يتهيأ بتسجيل الحزب بذات الاسم وممارسة نشاطه؟ ــ مبادرة الشريف زين العابدين الهندي جاءت ك (ترياق) ضد المذكرة التي رفعناها للقصر بهدف اضعاف موقف الاتحاديين خاصة والمعارضة عامة, ولهذا اسماه باسم مبادرة الحزب الاتحادي الديمقراطي بوصفه امينا عاما لهذا الحزب وهذا ليس صحيحا لان الشريف جاء لهذا الموقع بالتعيين وليس الانتخاب, وكنت معترضا على توليه هذا المنصب لانه رجل (خميلة وشعر) لا سياسة وكياسة رغم انه ذكي ولماح, وجاء هذا التعيين بعد تقديم ثلاثة اسماء لمجموعة قيادية تتكون من 16 شخصا برئاسة محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب, والمرشحان الآخران هما محمود زروق شقيق وزير الخارجية الراحل مبارك زروق ومحمود حسين شقيق الشهيد المقدم حسن حسنين الذي قاد انتفاضة شعبان 1975 واعدمه نميري, كما تم تقديم الشريف زين العابدين باعتباره شقيق المرحوم الشريف حسين الذي قاد المعارضة ضد نظام نميري وبسبب الاختلافات في الاراء لم ينجح ترشيح الآخرين وفاز الشريف زين العابدين بامانة الحزب, ومنذ تعيينه تدهورت اوضاع الحزب وكان هذا حال الوزارات التي تولاها وعلى الرغم من ان الميرغني قام (بتغريبه) الا انه لم ينجح في ادارة الحزب وتقدم باستقالته ولكن الميرغني قبلها ورأى عدم اعلانها لاسباب تتعلق بالاستقرار العام ووحدة الحزب. كوم رماد الحكومة لها سند من الجنوبيين الذين تحالفوا معها, الا يشكل هذا خطرا على الغالبية التي يتمتع بها حزبكم؟ ــ اتحدى الحكومة في اعلى من يمثلها ان تعلن الحريات الاساسية اليوم واذا كانت لها مثل هذه الاغلبية فاننا سنحترمها واذا كان هذا غير صحيح فعليها ان تعود من حيث جاءت. اما الادعاء بان الجنوبيين يساندونها فان الاتفاقية التي وقعتها مع بعض الفصائل بدأت تنهار بعد هروب (كاربينو) وانشقاق (فاولينو) وتهديدات آخرين بالعودة الى الغابة, وبالاقتتال الماثل بين هذه الفصائل والذي وصل الى الخرطوم وعمليات الاختطاف بين هؤلاء الفرقاء, ولم يبق من حلفاء الحكومة غير (رياك مشار) الذي تم تعيينه منذ عام حاكما للجنوب ولكنه لم يستطع الذهاب الى هناك, وحكومته تتقاضى مرتباتها ومخصصاتها بالخرطوم ولا يوجد وال او وزير جنوبي هناك, وهذا يؤكد ان اتفاقية السلام مجرد خيال ونسميها اتفاقية (من لايملك مع من لا يستحق) لان الحكام في الشمال لاسند لهم وهو ايضا حال من تحالفوا معهم بالنسبة للجنوب. ان هذه الحكومة تسعى حثيثا لفصل الجنوب وتفكيك السودان, ونحن في قناعتنا كاحزاب واتحاديين, فان تقرير مصير الجنوب تم عام 1947 في مؤتمر جوبا عندما قرر الجنوبيون رغم ضغوط الانجليز وحدة السودان وايضا عندما تسلم اسماعيل الازهري اول رئيس وزراء من بريطانيا ومصر (دولتي الحكم الثنائي) عند استقلال البلاد عام 1956 وثيقة لحدود السودان الجغرافية بما هي عليه حاليا, واي تعريف من هذه الحكومة بشأن هذا الموضوع مجرد (كوم رماد) ستقتلعه رياح الديمقراطية لان ما بني على باطل فهو باطل مهما كان حجم الوثائق التي سلمتها الحكومة الحالية لبعض الجنوبيين. آتون المظاهرات يرى بعض المراقبين ان الشارع السوداني (جامد) ولا يقوى على اسقاط هذه الحكومة؟ ــ الشعب السوداني والشارع السوداني عبرا في اكثر من مناسبة عن موقفهما من هذا النظام, وكذلك قطاعات اخرى منها ضباط حركة رمضان الذين تم اعدامهم في الاشهر الحرم وحركة بورتسودان والعديد من المحاولات الانقلابية, اما المظاهرات فانها لم تتوقف منذ جاء هذا النظام الى السلطة بليل واستشهد عشرات الطلاب وهم يناهضون من اجل الديمقراطية, ولكن الدولة لديها كوادر مدنية مسلحة تنقض على المتظاهرين بشراسة, ولما كانت الاحزاب تعتبر الشعب قاعدتها فانها لا تريد الزج بهم في هذا الآتون مع جهة لا تقدر القانون ولا الحق, ولهذا فان سياسة الاحزاب والمعارضة الداخلية الخروج من تلك المظاهرات بأقل خسائر ما دامت هناك قوى معارضة اخرى في قتال مباشر مع النظام. سلم لي تسلم وما هو الحل في تقديركم والمطلوب من الحكومة لتفادي الانفجار؟ المعارضة الداخلية قدمت مذكرة في 30/6/1996, وانا احد الذين وقعوا عليها ورفعناها الى رئيس الجمهورية عندما ذهبنا الى قصر الرئاسة ولم نجد الفريق عمر وكان يتواجد نائبه الفريق الزبير محمد صالح والذي رفضنا تسليمه المذكرة لانها معنونة لرئيس الجمهورية. وقام باستلامها مدير مكتبه, وكان استقبالنا فاترا ولم يدعونا للجلوس او يكرمنا وقد حمدنا الله انه لم يتم اعتقالنا, وكانت المذكرة واضحة وواقعية, ولو كنت شخصيا مكان الحكومة لقبلتها لانها ترتكز على حقائق ولانقذت البلاد والناس من مشاكل كبيرة حدثت بعد ذلك, خاصة واننا حذرنا من بلايا كثيرة وقع بعضها الان ومنها القتال الدائر في شرق وجنوب السودان وجبال النوبة, ومن هنا يتضح ان المذكرة كانت تجنح الى السلم لان المعارضة لا تريد الاحتكام للسلاح وهو ما حدث بعد ذلك,خاصة بعد ان اعلن الفريق البشير شعار (لقد جئنا للحكم بالبندقية والذي يريد السلطة عليه ان يأتي بالبندقية) . ومن يومها رفعت المعارضة شعار (سلم لي تسلم) . الخرطوم ــ يوسف الشنبلي