تواصل قوات الشرطة والجيش اليمنية تمشيط منطقة صرواح ومناطق قبيلة جهم بمحافظة مأرب, بهدف الوصول الى أشخاص من أفراد القبيلة بعينهم, مهتمين بتفجير أنابيب النفط, وخلال أسبوع بلغ عدد الذين احتجزتهم قوات الجيش واودعتهم السجون أكثر من خمسين شخصا, وقالت مصادر أمنية مطلعة لـ (البيان) ان قوات كبيرة من الجيش انتشرت في القرى, وانها استخدمت أسلوب البقاء في حالة رقابة دائمة بحيث اختلطت قوات الشرطة بالمواطنين, وانتشر رجال الأمن الذي لايعدم أهل المنطقة معرفتهم بسهولة, وتبدو قضية انتشار قوات الشرطة والجيش في محافظة مأرب اليمنية عملية روتينية في الفترات الأخيرة, لكنها هذه المرة أكثر حزما حسب مصادر مطلعة في المنطقة وأجهزة الأمن, ومع التسليم بما تؤكده المصادر الحكومية من عزم الحكومة على فرض هيبتها, وتقديم المتهمين بعمليات التفجيرات الى القضاء فان ذلك لايلغي التذكير بأن كل حملة عسكرية تصل الى المنطقة ترافقها تصريحات مماثلة, وسرعان ما تتحول القضية الى مجرى آخر تسود فيه المساومات والوساطات, وتبرز شعارات التعامل مع الأمر الواقع, و(الظروف الموضوعية) للقبائل, تساندها في ذلك فتح مظاريف التكاليف المادية, والهبات من خزينة الدولة, ولا تتردد الحكومة في الزهو بمقدرتها الفائقة على التعامل مع القبائل وتجسيد (الحكمة اليمانية) وتزيد من ذلك أن تسخر وسائل الاعلام الرسمية للاشادة بالكرم الحاتمي لقبائل مأرب بشهادة السياح المختطفين الذين لايترددون ايضا في الاشادة بالكرم القبلي وانهم قضوا أجمل الأيام في تعلم الرماية وركوب السيارات المكشوفة للقبائل في الصحراء, وفي كل عملية اختطاف تقوم القبائل حسب العرف القبلي بتسليم المختطف بندقية, وخنجر (الجنبية اليمنية) وتسلمه للحكومة والوساطات بالزي القبلي اليمني الأصيل, ومن الطبيعي حسب الظروف الموضوعية ان تقوم الحكومة باضافة تكاليف كل ذلك الهبات التي تمنحها لرجال القبائل ومشائخهم عقب كل عملية اختطاف, فبنظر الحكومة ان ذلك يحسب لصالحها, فثمن ما تدفعه للقبائل عقب عمليات الاختطاف أقل بكثير من تكاليف المشاريع التنموية التي تطالب بها القبائل من صحة, وتعليم, ومياه, وكهرباء, واضافة لكل ذلك فعملية الاختطاف, وما يترتب عليها من وساطات وانتشار الجند, والشرطة السرية, تساعد على استفادة كل هؤلاء بقضاء فترات عمل وبأجور ومكافآت باهظة الثمن, والوجه الآخر لذلك ان بعض السياح المختطفين, يحدث ان يعودوا لزيارة ابناء القبائل الخاطفة ويلتقطون معهم بعض الصور التذكارية, وما تيسر من القطع الأثرية النادرة والمخطوطات, ويقيمون علاقات صداقة متينة تحت نظر ورعاية الحكومة. لقد أدت أكثر من 150 عملية اختطاف للأجانب الى تراكمات سلبية بثلاثة اتجاهات الأول عند ابناء القبائل الذي لم يجدوا التفاعل اللازم من الحكومة, وأصبحت تكاليف عمليات الاختطاف غير مربحة, والثاني عند الحكومة التي عزفت عن تقديم الهبات لحاجتها اليها أكثر من القبائل, والثالث سفارات الدول في صنعاء أصبحت تحمل الحكومة المسؤولية كاملة, وتقابلها بانتقادات شديدة ثم ان وسائل الاعلام ووكالات الأنباء أصبحت أقل اهتماما بظاهرة الاختطافات, وتتناولها بتوجيه انتقادات للحكومة اليمنية دون الاشادة بكرم القبائل, وهذه الأسباب مجتمعة تضاف الى حقيقة أخرى هي ان عدد الأجانب في صنعاء قل بعد حرب صيف ,94 والكثير من الشركات لم تعد الى أعمالها, واختلط الأمر عند القبائل فالكثير منها قام باختطاف أجانب من دول مثل الصين, وبولندا وكوريا وهذه الدول (بضاعة بايرة) في سوق الاختطافات بعكس الدول مثل أمريكا, وألمانيا, وبريطانيا, ولم يدرك رجال القبائل هذه المسألة في وقت مبكر, وأدت هذه الى خسائر فادحة عند القبائل, الى كل ذلك يؤكد مراقبون عن كثب لمجرى عمليات الاختطافات ان أحد الأسباب الرئيسية لبوار سوق الاختطافات, يعود الى قيام شركات نقل سياحية وخدمات تعود ملكيتها الى بعض المشائخ والوجاهات العليا في المجتمع, وهذه قضية الى حماية مباشرة للقوافل السياحية, فلا يستطيع ابناء القبائل اعتراضها بسبب ملكيتها لوجاهات قبلية, مما قد يؤدي في حالة حدوثه خلافات واشكالات بين القبائل مع بعضها. كل ذلك ادى الى انتقال القبائل الى قضية اخرى في التعامل مع الحكومة, فبدأت ظاهرة تفجير انابيب النفط في مايو الماضي وتراكمت حتى وصلت الى 18 تفجيرا لانابيب النفط كان اخرها الاربعاء الماضي في صرواح محافظة مأرب, وعجزت الحكومة من مايو حتى اكتوبر 1998م عن ايجاد اي حلول لهذه الظاهرة, ومع تأكيد الحكومة اليمنية على ان وراء عمليات تفجير انابيب النفط جهات خارجية فان عالمين ببواطن الامور يؤكدون ان قولا كهذا لا يعني ان كل عمليات التفجير بدوافع سياسية, او تقف وراءها جهات خارجية, ولا تستطيع الحكومة تأكيد ما تذهب اليه من اتهامات, يستوي في اتهاماتها المتناقضة لظاهرة الاختطافات. واذ تبرز علامات الاستفهام حول جدوى واسباب الحملة العسكرية الاخيرة التي قامت بها الحكومة لقبائل جهم وما رافقها من اعتقالات, الى ذلك ينظر المتابع الحصيف الى القضية بثلاثة اتجاهات. الاول: ان عملية التفجيرات منذ مايو حتى اكتوبر 98 تخللتها الاحداث الاجتماعية على قرار الحكومة, وكلفت الحكومة الكثير من النفقات قيمة اصلاح انابيب النفط التي تم تفجيرها, ودخلت الحكومة باشكالات مع شركات النفط حول ايقاف الضخ اثناء عمليات الترميم, وحسابات قيمة النفط المتسرب. ويشير مطلعون في شركات النفط الى ان عمليات التفجير جاءت مع انخفاض اسعار النفط, وهو ما قلل الى حد ما من التكاليف وهناك مساومات كبيرة بين شركات النفط والحكومة حول تكاليف بعض التفجيرات (الاصلاحات), وتحملت الشركات جزءاً منها. الثاني: ان اسباب التفجيرات هي استحقاقات القبائل لحصتها من شركات النفط, مقابل مشاريع خدمية توفرها الشركات واجور حراسة لابناء القبائل في المنطقة. وهذه هي اهم نقاط الخلاف, مع الاستكشافات النفطية الجديدة, ظهرت استحقاقات لبعض القبائل, وفي بعض مناطق قبلية جديدة, يوضح ذلك مطلعون بالقول ان العملية الاولى لظهور النفط رافقها اتفاق شركة (هنت) مع قبيلة عبيدة بدفع مبلغ شهري مقابل حراسة ممتلكات الشركة وحماية افرادها, وتم الاتفاق مباشرة بين افراد القبيلة (مشائخها) والشركة النفطية بعلم وموافقة الحكومة. وهذه هي النقطة المفصلية في الخلاف اليوم. فالحكومة لا تستطيع السماح باتفاق الشركات مع القبائل مباشرة وتريد ان تكون هي الوسيط, وتجابهها مشكلة اخرى هي فارق السعر بالمقارنة مع اول اتفاق في العام 82م, وفي ذلك ايضا يشار الى النزاع الناشب بين قبيلتي طهيف, ومراد في محافظة مأرب, قبل اسبوعين, وذهب ضحيته اكثر من 20 قتيلا و50 جريحا, ويشار ايضا الى قضية مقتل الشيخ العلبي في حضرموت, بفارق ان الخلاف الثاني بين القبائل وقوات في احد المعسكرات, لكن الجوهر هو الاستحقاق الشهري من شركات النفط. الثالث: ان عمليات التفجيرات لانابيب النفط في بعض المناطق التي تمر فيها الانابيب, تطالب القبائل فيها بمستحقاتها أسوة بغيرها, ولا يهم بنظرها ان يكون النفط يستخرج في منطقتها او ان تمر الانابيب, ويجب النظر الى البضاعة النفطية بكامل مراحلها وليس في مرحلتها الاولى فقط. وفي الثلاث قضايا يؤكد المراقبون ان الحكومة فلحت في تشتيت شمل القبائل, وايجاد الفرقة بين الافراد والمشائخ, بحيث يقوم بعض الافراد بالتفجيرات نكاية بالمشائح للتوزيع غير العادل للارباح, وهذا ما يساعد الحكومة وفي هذه النقطة تحديدا تتجه الحكومة حاليا لفرض هيبتها والقبض على المتهمين, زاد من ذلك اصدار الحكومة لقانون جرائم الاختطاف والتفجيرات وقطع الطرق, وقوبلت بانتقادات شديدة لعدم تنفيذ القانون الذي اعتبره مراقبون انه تغطية لعجز الحكومة عن مواجهة ومحاكمة افراد القبائل, لكن مطلعون اكدوا لـ(البيان) ان الحملة الاخيرة التي لم تنته بعد وما تزال تقوم بعمليات تمشيط في قبيلة جهم, قد لاقت انتقادات من كبار المشائخ من العيار الثقيل في صنعاء, واتصلوا بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح احتجاجا على ذلك, واكدت المصادر ان هناك رفضا قاطعا لاي وساطات حتى تسليم المتهمين الى القضاء والعدالة. وحتى تجود الايام بما ينتظره اهل اليمن من بناء دولة المؤسسات يؤكد المراقبون ان الحكومة تتعامل في قضية التفجيرات والاختطافات, حسب مقتضى درجات مناطق الاختطاف والتفجير اسوة ببلدان السياح فاذا كان السائح الامريكي يختلف عن السائح البولندي, فقبيلة في مأرب او حولان تختلف عن قبيلة في حضرموت او ابين, وكل تلك درجات يقتضيها النظام الشرق اوسطي الوحدوي. صنعاء - عبد الله سعد