تبددت حالة القلق التي انتابت الشارع السوري مع بداية التصعيد العسكري التركي ضد دمشق ليحل محلها حالة ترقب ومتابعة لجهود الوساطة الرامية الى تسوية الازمة بين الجانبين مع ذلك لايمكن القول ان القلق السوري تلاشى تماما , فالتهديد التركي حاضر في كل مكان في البيت والعمل والمقهى والمجالس ومتابعة تفاعلات الازمة مع تركيا تشغل تفكير الناس الا انهم لايتصرفون في حياتهم اليومية بردات فعل سلبية تجاهها كأن يلجأ البعض الى اتخاذ احتياطات تموينية او يتلكأ في انجاز اعماله ومشاريعه حتى عندما وصلت تهديدات الزعامات التركية الى ذروتها واعلنوا ان بينهم وبين سوريا حالة حرب غير معلنة وان اللجوء لاستخدام القوة العسكرية قد اصبح قاب قوسين, فقد ظل وقع الحياة عاديا على غير ما كان يحدث عندما تكون التهديدات اسرائيلية خلال السنوات والعقود الماضية فقد كانت تظهر انعكاساتها على الشارع مباشرة وتسيطر على حالة ما قبل الحرب ويتصرف الناس وفقا لآلية حرب مرتقبة ومن يستعيد الذاكرة نحو الماضي القريب ويستحضر اجواء التوتر التي كانت تسود بين حين وآخر الوضع بين سوريا واسرائيل حيث كان الاستنفار الشعبي كاملا وتخيم التحركات والتهديدات الاسرائيلية بظلالها القائمة على الشارع السوري ويبدأ الناس بشراء السلع الاساسية من خبز وشاي وسكر ومحروقات ومعلبات الى ان جاءت حرب اكتوبر واعادت الثقة للنفوس. والوضع الطبيعي تقريبا لاتعيشه دمشق وحدها فهو الغالب في جميع انحاء البلاد حتى في المحافظات الحدودية القريبة من تركيا مثل الحسكة وحلب وادلب واللاذقية, فإن حياة الناس عادية على المستوى السلوكي, والحالة هناك لا تختلف كما يؤكد القادمون عن الهدوء الذي تعيشه دمشق وتبدو حلب المدينة الثانية مستقرة وهادئة اكثر من دمشق كون العاصمة مركز الحركة السياسية النشطة. واي زائر لدمشق او للشمال السوري لا يلحظ اية حركة غير عادية اولها علاقة بالازمة مع تركيا فدمشق والمدن الاخرى تستعد هذه الايام للانتخابات البرلمانية وهي في انتظار صدور مرسوم بدء عمليات الترشيح وان كانت الانتخابات تأخرت هذه المرة بضعة اسابيع عن الدورة السابقة التي انتهت مدتها الدستورية منذ شهر تقريبا ويؤكد المطلعون ان تأخير الانتخابات شيء عادي وليس دستوريا حيث لاتزال مدة شهرين يجرى خلالها انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) كما ينص الدستور الا في حالة واحدة وهذه شبه مستبعدة اذا ما نفذت تركيا تهديداتها وساءت الامور فمن المرجح ان يجرى تمديد الفصل التشريعي الاخير الذي انتهى في التاسع من شهر سبتمبر الماضي سنة اخرى لتصبح مدته خمس سنوات. كل ذلك لايعني ان الشارع غير مبال بما يجرى بل على العكس فهذه الحالة تنم عن درجة عالية من الوعي والثقة التي يتمتع بها المواطن السوري وتنعكس من خلالها اسباب معروفة اولها ان السوريين بجميع فئاتهم وتياراتهم يرون بؤرة الصراع مع اسرائيل وهي حتمية سواء بالحرب او بالسلم اما بالنسبة لتركيا فإن الشارع السوري يتفق مع حكومته في امكانية تسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية وليس العسكرية والحقيقة التي ظهرت في الاوساط السورية خلال الازمة الحالية مع تركيا ان المواطن السوري لايكن عداء وغير معبأ ضد تركيا كما هو تجاه اسرائيل وان كان لايخفى اشمئزازه من السياسات التركية. وهناك اسباب موضوعية ساهمت في تبديد القلق الذي ساد الشارع السوري حيث كان حشد التأييد لسوريا كبيرا عربيا واقليميا وايضا على مستوى روسيا وفرنسا فوقوف معظم الدول العربية الى جانب الموقف السوري وقيام الرئيس حسني مبارك بنفسه للتوسط بين دمشق وأنقرة اشاع نوعا من الارتياح في سوريا بالرغم من ان ليبيا هي الوحيدة التي ايدت سوريا عسكريا كما كان للموقف الايراني الداعم لسوريا في مواجهة اسرائيل وتركيا الدور الكبير في تعزيز الثقة والشعور بان سوريا ليست وحدها في حال فرضت عليها الحرب لما تتميز به العلاقات السورية الايرانية من التحالفية من جهة والمصداقية من جهة ثانية وعمق هذا الشعور بمواقف دول الجوار التركي (العراق, اليونان, قبرص, ارمينيا) التي ايدت سوريا واستنكرت بقوة التهديدات التركية واكتملت حلقات التأييد لسوريا بموقف موسكو التي قررت ايفاد وزير الدفاع الروسي لزيارة دمشق حتى اولئك الذين يقولون ان انقرة عازمة على شن عدوان على سوريا وعلى قلتهم فانهم لايتصورون ان العدوان سيكون حربا شاملة بل عمليات خاطفة وموضعية ويؤكدون ان لا احد يستطيع منع تركيا من القيام بهذه الاعمال سوى الولايات المتحدة الامريكية اذا ما ارادت وهناك عامل هام جدا يقف وراء حالة الشارع السوري وله الدور الحاسم في طرد القلق من نفوس الشعب هو بالثقة المطلقة للسوريين برئيسهم حافظ الاسد ومقدرته على ادارة المعارك والتعامل مع المستجدات بما يجنب البلاد الكوارث والازمات والامثلة كثيرة. دمشق ــ يوسف البجيرمي