اجمعت الاوساط القانونية والسياسية المطلعة في اليمن وخارجه على أن اليمن حقق انتصاراً كبيراً في الحكم الصادر من هيئة التحكيم الدولية بشأن النزاع على أرخبيل حنيش وفي المقدمة جزيرة حنيش الكبرى , وان اريتريا قدمت هدية على طبق من ذهب لليمن بإحتلالها لجزيرة حنيش في ديسمبر ,1995 وخلال عامين من المرافعات الكتابية والشفهية امام هيئة التحكيم, ولا يخلو الانتصار اليمني من انتصار آخر حققته اريتريا ايضاً, كما قدم الحكم درساً جديدا لدول المنطقة في حل النزاع الحدودي بين دولتين او أكثر, وبحقن دماء الافراد والتعايش بين الشعوب وحقوق الجوار, وفي قضية حنيش والنزاع اليمني ــ الاريتري ظهرت مؤشرات تعامل القيادات مع القضايا السيادية من جهتين الأولى مع شعوبها ومؤسسات حكوماتها, والثانية في علاقاتها بالدول الكبرى ذات المصلحة المباشرة وغير المباشرة في المنطقة والملاحة في البحر الأحمر, والموقع الاستراتيجي عسكرياً. متناقضات التحكيم خلال الفترة من ديسمبر 1995 حتى اكتوبر 1998 مرت القضية بثلاث مراحل اساسية الأولى من ديسمبر 95 (الاحتلال الاريتري لجزيرة حنيش الكبرى) وحتى مايو 96 (توقيع اتفاق المبادىء بين اليمن واريتريا), والمرحلة الثانية: من مايو 1996 حتى مايو 97 (موعد صدور الحكم تم تأجيله) والمرحلة الثالثة من مايو 97 حتى اكتوبر 1998 (موعد صدور الحكم). وفي المراحل الثلاث ظهرت جملة من المتناقضات أهمها: 1ــ ان التحكيم لم يحدد منطقة النزاع وبقي مفتوحاً. 2ــ ظل اليمن يدعي ان المنطقة المتنازع عليها هي جزيرة حنيش الكبرى فيما ظلت اريتريا تدعي ان منطقة النزاع هي ارخبيل حنيش كاملاً الذي يتكون من عشر جزر وأنها تخضع لملكيتها وليس فقط جزيرة حنيش الكبرى. 3ــ اتسم الخطاب الاعلامي للبعدين بمهاترات لا تخلو من المساس الشخصي بالزعماء في البلدين, والأهم من ذلك هو نقل الخطاب الاعلامي الى دول مجاورة, وخارجية ذات صلة مباشرة بزرع فتيل النزاع منها اسرائيل. 4ــ حدثت زيارات مكوكية حاولت تدويل الصراع, وتدويل الجزر والمنطقة محل النزاع برمتها, وساعد على ذلك الكثير من الساسة والمحللين الذين ربطوا قضية النزاع (بالنظام العالمي الجديد) وبأهمية الاستحواذ على الملاحة ومداخل البحر الأحمر, وربطت القضية بعودة جديدة للاستعمار القديم في المنطقة والتقاسم الفرنسي البريطاني, ودخول الهيمنة الامريكية الجديدة في المنطقة, وبالنظام الشرق أوسطي, وبأهمية الجزر في البحر الأحمر بالعموم, والحقيقة في كل ذلك لم تنته بعد, فما زالت المرحلة الثانية من التحكيم في طورها الأول والمتعلقة بتحديد الحدود البحرية, ليس بين البلدين فقط, بل وتدخل ايضاً بعض دول الجوار, وفي علاقة مباشرة بكل حال, وان لم تكن طرفاً أساسياً في قفص التحكيم للمرحلة الثانية. 5ــ في متناقضات دعوى النزاع للبلدين بين (جزيرة حنيش) و(أرخبيل حنيش) تمم تأجيل صدور الحكم من مايو 97 حتى اكتوبر 98 بسبب سؤال حول احقية الاستثمار والتنقيب في جزيرة حنيش وعوائدها. ويؤكد خبراء عسكريون قبل القانونيين التقتهم (البيان) ان الفترة منذ الاحتلال الاريتري لحنيش الكبرى اتسمت بحالة اللاحرب واللاسلم بين البلدين, ويؤكدون ان احتلال ارتيريا لحنيش الكبرى قابله تعزيزات عسكرية في جبل (زقر) من الجانب اليمني, وأصبحت ساحة جزيرة حنيش على ضربة مرمى من القوات اليمنية, ولذلك من الصعوبة بمكان مقدرة اريتريا على التحكم والسيطرة الكاملة في جزيرة حنيش الكبرى, بما في ذلك من حيث الثروات, والسياحة البحرية. وظهرت المشكلة المشتركة خلال فترة التحكيم عبر قضية الصيادين اليمنيين والاريتريين, فلا يخلو اسبوع واحد دون احتجاز قوارب صيد ومجاميع من الصيادين يمنيين وأريتريين وكانوا هم الضحية في كل حال. الانتصار اليمني يكمن الانتصار اليمني في أن الحقوق التاريخية والقانونية ترسخت له وجسد وحدة اليمن, والشعب, والكيان اليمني, واعاد الحقوق وشرعيتها لفترة تزيد عن 150 سنة مضت. وتؤكد مصادر مطلعة في لجنة العمل اليمنية بشأن التحكيم ان الفريق اليمني بذل جهوداً كبيرة ومضنية في تجميع الوثائق والخرائط والاستدلالات من كل مكان ليثبت الحق التاريخي والقانوني وشمل ذلك, الجانب التاريخي, والملاحي, والفلكي, والسمكي, واللغوي, والجغرافي, كل ما يتعلق بذلك من وثائق وخرائط, وشهدت الفترة ــ حسب مصادر مطلعة ــ استجابة كبيرة من قبل المواطنين اليمنيين الذين زودوا اللجنة بالمراجع والخرائط, كما ساهم في ذلك الكثير من الباحثين الذين ساهموا بجد في اعمال اللجنة واثبات الحقوق. الى ذلك تؤكد مصادر مطلعة رفيعة المستوى ان الدرس الذي استفاد منه اليمن هو النظر الى النقاط الساخنة الحدودية المماثلة, واقامة مراكز الدراسات والابحاث المتخصصة والاستفادة من الكوادر لحسم مثل هذه القضايا. ويشير مطلعون ايضاً الى ان الانتصار اليمني قد قدم درساً في التعامل مع القضايا السيادية فيما بين السلطة والمعارضة, فلا يكفي القول بالحكمة يمانية, والايمان يمان, فقضية السيادة مثل حنيش قد ظلت كل مهاترات وتبادل اتهامات بين السلطة والمعارضة, ما ادى الى اختلالات كبيرة في وعي المواطن اليمني تجاه ذلك, واخضع القضية برمتها للشائعات والتشفي. وساعد على الانتصار اليمني ان الخرائط الايطالية التي تقدمت بها اريتريا في المرافعات قد جيرت لصالح اليمن, وحسبت لصالحها. الانتصار الاريتري يؤكد خبراء اتصلت بهم البيان ان عملية انتصار جديدة للدولة الاريترية المستقلة في العام 1990م, فاحتلال جزيرة حنيش قد اوجد للقيادة الاريترية بعض الزخم عند الشعب الاريتري, وساعد على عمليات نشوب النزاعات والتحرشات الاريترية بالعديد من دول الجوار, بما في ذلك الصراع العسكري الاريتري الاثيوبي, لكن الخبراء ورجال القانون يؤكدون في قضية الحكم ان اريتريا قد وضعت لنفسها اول خط لتحديد حدودها كدولة, واوضح الخبراء ان الدستور الاريتري لا يحدد اي اطراف لحدود الدولة الاريترية, الامر الذي اثار الكثير من التساؤلات حول قيام واستقلال دولة اريتريا, وعدم تحديد حدودها, وظهرت علامات الاستفهام تلك مع كل نزاع حدودي مع السودان, وجيبوتي, واليمن, واثيوبيا. ويعتبر الحكم في قضية النزاع الاريتري اليمني, ومن محكمة دولية (لأهاي) هو اول حكم يحدد جانبا من الحدود الاريترية كدولة, الامر الذي يذهب الخبراء معه الى القول ان قضية الحدود الاريترية الاثيوبية ستكون محل نزاع دائم, ولن تتمكن اريتريا من تقديم استدلالات وثائقية وتاريخية في النزاع مع أثيوبيا, ويشيرون بذلك الى وثائق استقلال اريتريا عن اثيوبيا. الى ذلك ظهرت معلومات تؤكد قيام السلطة الاريترية بطرد الخبراء الاسرائيليين من اريتريا, وهذا يعكس ــ حسب مراقبون ــ عزم اريتريا باعادة حساباتها في الاستحقاقات, وعلاقاتها بدول الجوار والاستخفافات العربية في ذلك. صنعاء ــ عبدالله سعد