الحرب الشاملة ضد العرب في الأفق وطبولها تسمع بوضوح لدى قطاعات كبيرة من الاسرائيليين هذا ما يكشف عنه حواران منفصلان أجرتهما صحيفتا(يدعوت أحرونوت) و (هاآرتس) الاسرائيليتان مع العميد(عومار بارليف) ابن رئيس الأركان ومؤسس الخط الشهير (حاييم بارليف) ذو الميول اليسارية , ومع المؤرخ ( بن صهيون) والد بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء اليميني المتطرف, الحوارات لم يكشفا فقط عن عدم امكانية تحقيق السلام, بل اكد خلاله الاسرائيليان البارزان صراحة أنهما يشعران : بأن الأمور ستؤدي لحرب شاملة ضد العرب على غرار حرب اكتوبر, لأهمية الحوارين وخطورتهما قامت (البيان) برصدهما وتقديمهما بدون رتوش.. ونحن نقرع نواقيس الخطر بشدة. رغم وفاته منذ أربع سنوات لا تزال ظلال الهزيمة في حرب أكتوبر تطارد (حاييم بارليف) رئيس الأركان الاسرائيلي, الأكثر فشلا في التاريخ الاسرائيلي, وتطارد أيضا ابنه العميد (عومار بارليف) الذي يزعم مرارا وتكرارا ان والده قد تعرض لظلم تاريخي يجب اصلاحه وانه كان قائدا ميدانيا من بين القادة الاسرائيليين المتميزين وقد خصص الابن في هذا السياق جهوده لاصدار كتاب وفيلم تسجيلي خلال الأيام المقبلة عن الجنرال (بارليف) وكشف في هذا الاطار حقائق خطيرة فقد اعترف ان بارليف لم يكن داخل منزله قويا مهندما كما يبدو كقائد أمام وسائل الاعلام بل ان الصورة الحقيقية كانت مختلفة بمقدار 180 درجة عن تلك التي شاعت آنذاك لدى الجماهير. وفي الواقع ـ حسب قول (عومار) ــ فقد كان (بارليف) كزعيم وقائد يسبق اتباعه ويبتعد عنهم بمسافة كانت تشكل مشاكل في الأزمات الكبرى. ولشخصية (عومار بارليف) العديد من المتناقضات فرغم كونه قيادي بحركة (السلام الآن) اليسارية وحركة (جيل السلام) المسؤول هو بها عن التعليم لدى الطبقات الفقيرة, فقد خدم الجيش الاسرائيلي لسنوات طويلة كضابط محترف كما انه حاليا شريك في مصنع (فكتوب) لانتاج أجهزة الاستشعار العسكرية الدقيقة. الجيش ليس عملاً وكشف (عومار) عن ان والده لم يوجهه في صغره على الاطلاق نحو طريق الالتحاق بالجيش, بل على العكس (كان أبي وكذلك أمي يؤكدان لي باستمرار ان الجيش ليس عملا دائما ومهنة وانه يتوجب علي ان أبحث عن عمل بعيدا عن الجيش , بينما قالت أرملة (بارليف) : أريد ان أفجر مفاجأة في هذا السياق وهي ان (بارليف) لم يتحمس لعمل ابنه بالجيش الاسرائيلي لأنه هو نفسه كان مترددا في الالتحاق والاستمرار في العمل بالجيش وانه في هذا الاطار لم يبحث عن أصدقاء يدعمونه عندما تم ترشيحه هو (وعيزرا وايزمان) لاختيار أحدهما لرئاسة أركان الجيش الاسرائيلي (!) لهذا لم ينصح ابنه, خلال حرب الاستنزاف, بقبول ترشحيه كضابط عامل بالجيش الاسرائيلي. وقد فوجئنا خلال الحرب بعد ذلك بأن الغالبية العظمى من أصدقاء وجيران (عومار) الذين التحقوا بالجيش الاسرائيلي كضباط سقطوا قتلى أو جرحى في الأيام الأولى من حرب اكتوبر(!) ولم يلتحق (عومار) بالجيش كضابط إلا بعد حرب اكتوبر. ويبدو ان خسائر اسرائيل في حرب اكتوبر ـ ما يقرب من ثلاثة آلاف جندي وضابط ــ كانت السبب في اجابة (عومار) ووالدته بأنهما يخافان من التحاق الحفيد بالجيش الاسرائيلي فقد قال (عومار) : يجب النظر على الصورة الحالية بأكملها ولا نسير بأعين مغمضة وراء هؤلاء (المكفوفين) الذين يقودون اسرائيل حاليا (!!) ولن أقول لابني أذهب كالحمل إلى المذبح فيجب ان نتعلم من أخطائنا. ظل الهزيمة (بارليف) اعترف (ليدعوت أحرونوت) التي نشرت عنوان (مثل عشية حرب اكتوبر) : نحن لا ننطق كلمتي (خط بارليف) معا في المنزل فقد رافقنا ظل الهزيمة وبقي جاثما علينا حتى وفاة أبي, إن أسباب انهيار خط بارليف تتمثل أساسا في ان خطوط الدفاع ــ وفقا لما علمته من الوثائق الرسمية ـ لم تكن عشية الحرب في أوضاع جيدة كما تركها أبي عندما كان رئيسا للأركان, كانت أضعف بكثير, كانت نصف المخابئ خالية وبقيتها كان بها جنود وضباط احتياط ليسوا على مستوى التدريب المطلوب, وكانت الدبابات تبعد عشرات الكيلومترات عن الخط الأمامي, والمواقع الحصينة في سيناء وأيضا في الجولان لم تكن كافية للصمود في حروب شاملة, بل كان المطلوب منظومة دفاعية وأداء عسكريا متكاملا. وردا على سؤال: كيف كان (بارليف) يرى اتفاق السلام مع مصر قالت أرملته: لقد أيد بالطبع اتفاقيات كامب ديفيد, لكن الأمر الذي كان يضايقه جدا هو ان الليكود هو الذي أبرم السلام وليس حزب العمل وان السادات قدم إليهم ولم يأت إلينا. بن صهيون وفي حوار يؤدي بنا في النهاية, بعد قراءته إلى الثقة في تنبؤات (بارليف) الابن المتشائم في ظل الحكومة الاسرائيلية الحالية كشف (بن صهيون نتانياهو) والد بنيامين نتانياهو عن المناخ الحقيقي الذي نشأ وسطه رئيس الوزراء الاسرائيلي كما كشف انه لا أمل في (السلام) حتى لو قبل العرب بالطرح الليكودي له. الصحفي الاسرائيلي الذي حاوره وصفه في البداية بأنه مؤرخ مثقف يبلغ من العمر 88 عاما ورغم هذا يتمتع بصحة جيدة وهو, مثل ابنه, حذر ومتشكك في كل ما حوله ولا يعرفه, وفي الوقت نفسه يشعر من يقابله بأنه رسول الغضب اليهودي لكثرة انفعالاته العاصفة. كان السؤال الأول هو: هل ترى بعد خمسين عاما من قيام اسرائيل ان استمرارها مؤكد؟ وهل أصبحت اسرائيل حقيقة سياسية غير قابلة للتشكيك؟ فقال بن صهيون نتانياهو: لا توجد لأية دولة أو أية أمة استمرار مؤكد فلا أحد يعلم المستقبل, لكن دولة اسرائيل بشكل خاص تعاني من وضع صعب لثلاثة أسباب أولها أنها تقع في منطقة من المتوقع ان تنفجر بشكل مفاجئ وقوي في المستقبل القريب (!) والثاني ان من حول اسرائيل تجرى عمليات تصنيع وشراء لأسلحة الدمار الشامل بشكل مقلق, أما السبب الثالث فهو داخلي فاستمرارها (اسرائيل) يعتمد على نجاحنا في بلورة موقف موحد واضح فيما بيننا وأنا لا أرى هذا الموقف الموحد بيننا فالشعب الاسرائيلي لا يدرك حجم الأخطار التي تتربص به (!) على العكس يخيل لي ان الشعب الاسرائيلي يحاول ان يتجاهل هذه الأخطار. ولكل ما سبق انا غير متفائل.. أنا قلق جدا فالسنوات المقبلة هي التي ستحدد مصيرنا. لماذا تعتقد ان الشرق الأوسط على وشك الانفجار في المستقبل القريب؟ ــ لأن من أخطر الأمور التي شاعت في الجيل الحالي باسرائيل تفشي الاعتقاد اليساري, الذي لا أساس له من الصحة, بأن العرب توقفوا عن تطلعهم لابادتنا فليس لدي أي شك في أن شخص مثل عرفات ــ على سبيل المثال ــ والذي وقع معنا اتفاقا يعمل حاليا من أجل تدمير دولتنا, وفي الواقع تطلع العرب بشكل عام لتدمير اسرائيل وقتلنا كيهود بشكل جماعي يرتبط تنفيذه فقط بالقدرة على التنفيذ بالقوة, ومن الشواهد على صحة ما أقول: رفع (المخربين) العرب إلى مصاف الأبطال القوميين وكذلك تعليم الأطفال العرب ضرورة تدمير الدولة اليهودية, وتصريحات عرفات بشأن نواياه المستقبلية. علينا ان نفهم ان بيننا وبين العرب يوجد تناقض ثقافي عميق, فالصهيونية منذ تأسيسها هي حركة غربية ,تعيش في الشرق لكن دائما نحو الغرب, ولقد كانت اسرائيل دوما النسق الأول للغرب في الشرق وهي لا تزال كذلك حتى اليوم , ولذا يعتبرنا العرب كيانا غريبا. ويخشون ازدياد قوتنا وهم يعتقدون أننا نهدد ثقافتهم ودينهم والبناء الاجتماعي ومؤسسات الحكم لديهم, ولذا هم يصوبون تجاهنا حتى ولو لم نشعر بذلك وحتى في ظل السلام المزعوم لكن هذا ليس هو السبب الرئيسي في كون الشرق الأوسط منطقة (براكين نشطة) , لكن لأن المجتمع العربي مجتمع غير مستقر, فهو حسب وصف لورانس مثل الرمال المتحركة التي للحظة تكون هادئة وفي لحظة تالية يتحول لعاصفة, انه مجتمع تعتريه نزعات عنف قوية تتطلع دائما للنصر والافتخار, مجتمع يعبر عن عقلية قديمة, وعندما تجتمع هذه العقلية القديمة مع السلاح المتطور القادر على الابادة الجماعية تكون هناك ظروف مهيئة لزلازل عالمية, فالخطر ليس موجه ضدنا فقط بل ضد الغرب بأثره. وأنا أتوقع هجمة عربية ـ اسلامية شاملة ضد أوروبا خلال الفترة من 15 إلى 20 عاما المقبلة (!!) الإسلام قوة خطرة للغاية لأنه يريد استعباد الغرب ولدى عدد من الدول والحركات الإسلامية أموال هائلة تمكنهم من شراء تكنولوجيا عسكرية متطورة للغاية, والخطر حاليا أكبر من أي فترة سابقة, ونحن في قلب هذا الصدام الهائل, نحن في وضع خطر واضح جدا. رغبات وسباق هل انت قلق من سباق التسلح غير التقليدي في المنطقة؟ ــ نحن الآن أمام خطر لا نقدر ابعاده كما ينبغي, ففور امتلاك العرب أو الإيرانيين قنابل ذرية سوف يركزون جهودهم لضرب اسرائيل والولايات المتحدة ودول أخرى بها في الوقت المناسب, وسوف تخضع الدول الغربية لرغبات عدد قليل من الارهابيين (!) - ألا تؤمن على الاطلاق بامكانية التوصل في عصرنا الحالي لسلام مع العرب؟ ــ في الواقع الذي يحيطنا فكرة السلام الحقيقي هي فكرة خيالية ليس لها أي أساس من الواقعية, حقا هناك احتمال التوصل لسلام جزئي, سلام يختلط بـ (الارهاب) يتم بشرط ان تكون لدينا قوة الردع الكافية, لكن الافتراض بقيام سلام على غرار السلام بين سويسرا وايطاليا أو بين فرنسا وبلجيكا هو افتراض غير منطقي نتبناه لكي نخدع أنفسنا ولكي نسهل على العالم المعادي لنا اقتيادنا حيث يريد وينتهز فترة ضعف تنتابنا ليهجم علينا. - هل في رأيك إذن انه يتوجب علينا حمل السلاح للأبد؟ ــ قلت لك يجب ان يكون لدينا قوة ردع كافية ومرتبطة بحماية متميزة (للاملاك الاستراتيجية) اليهودية, ودعم قوتنا القومية العامة, فالحل الواقعي الوحيد هو ان نكون أقوياء بالدرجة الكافية. - هل تخشى من عودة مصر في يوم ما إلى دائرة الحرب؟ ــ أنا آمل بالطبع ألا يحدث هذا لصالح مصر ولصالحنا, فقد خسرت مصر الكثير من الحروب التي ادارتها ضدنا, وإذا كررت محاولاتها تلك فلن تجني سوى تفاقم المشاكل الداخلية الخطيرة التي تواجهها, لكن على أرض الواقع مصر ترفض اقامة علاقات سلام حقيقية, فهي لم تغير حتى الآن موقفها الأساسي, فهي حتى الآن لا تريد ان تكون هناك دولة يهودية قوية وتحاول التضييق علينا بكل طريقة ممكنة, لذا فإن السلام مع مصر هو سلام غير كامل. - هل في رأيك علينا ان نستعد لاحتمال اندلاع حرب خلال ثلاث أو خمس سنوات؟ ــ بالتأكيد علينا الاستعداد لهذا الاحتمال , فبسبب اتفاقية أوسلو وبسبب العمليات الخطيرة الأخرى التي تجري من حولنا, نحن نعيش في ظل خطر اندلاع حرب قريبة جدا, ولذا علينا ان نعمل من هذه اللحظة على اعداد السلاح والمحاربين, وعلينا ان نعقد احلافا قوية وشن حملات دعائية مناسبة, علينا ان نكون مستعدين لأقصى حد لصدام عسكري لا نعلم بوضوح متى سينشب. - هل انتصارنا في الحرب المقبلة مضمون في رأيك؟ ــ أحيانا أسأل نفسي علام نحن نستند, والاجابة أننا نعتمد على ما كان, فلأننا نجحنا في الانتصار في عدة حروب في الماضي نحن نعتقد بأننا سننتصر في المستقبل أيضا, وهو أمر غير مضمون, وربما يشكل السبب الرئيسي للفشل. لذا أوجه رأيي أحيانا لاحتمالات الهزيمة, فالإيمان بصدق هدفنا أقل داخلنا عن ذي قبل, فأنا لا أرى في اسرائيل ما كنت أراه في وقت الحروب السابقة, لكن آمل انه في وقت الخطر تعود المشاعر القومية مجددا والشعب المنقسم على نفسه يعود متحدا, ولكن لا أثق في حدوث هذا السيناريو المتفائل. - هل تخشى نفسيا من عدم استطاعتنا الصمود في تلك الحرب المقبلة؟ ــ ما زلت أؤمن بفتياننا لكن لا أثق في زعاماتنا, فعندما أرى هذا الكنيست, وبما يشغل نفسه به, وكيف يتعامل أشعر بالقلق, فقد فشلنا بشكل كبير في مجال التعليم, فقد أخرجنا نماذج غير مثقفة للغاية, ولا تتعمق في الفكر, لكنها تصلح لعقد الصفقات الجيدة, وليس لمهام تاريخية ووضع سياسي خطر, لذلك قلبي مليء بالمخاوف من دفن الصهيونية تحت الأرض بسبب هذا الجيل الذي لا يتناسب مع الدور التاريخي الملقى على عاتقه. القاهرة ــ مكتب البيان