ليست مجرد مصادفة ان يبلغ تصعيد لهجة التهديدات التركية لسوريا ذروته مع الذكرى الخامسة والعشرين لنصر اكتوبر . فزخم الاحتفالات بذكرى النصر الذي يشكل علامة مضيئة ونادرة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني كاد يخبو او يتوه امام عبارات التهديد التركية بشن حرب على سوريا. لهجة الاستعلاء الطاغية على لغة الخطاب التركي تؤكد ان انقرة مطمئنة تماما امام الواقع العربي الذي يغريها بمزيد من التمادي, وما كان لها ان تستمرئ هذا المنطق المغلوط والقائم على التصعيد غير المبرر وخلط المسكوت عنه والخاص بلواء الاسكندرونة المغتصب والمكرور الذي يجري التفاوض بشأنه وبشكل دوري والحالة العربية وصلت الى وضعها الحالي. فهل كانت انقرة تجرؤ على هذا الافتعال لو لم يتعرض العراق لعملية تجريده من كل عناصر القوة واغراق شعبه في دوامة من المعاناة لا يدري احد متى سترفع؟ وهل كانت انقرة ستفكر ولو للحظة في التلويح بالحرب لو ان العلاقات السورية العراقية؟ التمادي في هذه التساؤلات المعروفة اجابتها سلفا سيقودنا الى مثاليات التمني التي استهلكناها شعارات عربية بقدر ما وأدناها واقعا وممارسة. تركيا مطمئنة الى ان الظهير العربي لسوريا لا يحول دون تنفيذ ما تهدد به, اما الظهير الدولي والمتمثل في روسيا والذي كان اعتباره سندا موازنا في مثل هذه المواقف فغارق في مشاكله الداخلية التي تجعله اكثر انكفاءً ناهيك عن الاضطلاع بدور في مثل هذا النوع من المشاكل المثارة. بدورها ارست واشنطن عرفا في البلطجة الدولية وممارسات القبضايات عندما اقدمت على توجيه ضربات للسودان وافغانستان بنفس الزعم الذي تتحجج به انقرة هذه الايام (ضرب مواقع الارهاب) . ولعل لعاب القيادة العسكرية والسياسية في أنقرة يسيل لتكرار شىء شبيه مع سوريا لصرف انظار الرأي العام التركي عن قضايا الداخل بتصدير الازمة الى الخارج. ومع التصدير لكل جهود الوساطة العربية الا انها مازالت محاولات فردية الا ان هذا لا ينفي ضرورة ارساء موقف عربي موحد ازاء هذا النوع من اختبارات الواقع العربي, والتي تكشف عن نقاط ضعف يجب الاقرار بها لمحاولة معالجتها بدلاً من المواقف الرمادية وبيانات (ابراء الذمة) الغامضة على احسن تقدير. وبعيدا عن جلد الذات او نقدها فقد آن الأوان ان نعي بمسؤولياتنا تجاه الأجيال التي اردنا ان نبعث فيها دروس نصر اكتوبر فعاجلتنا تركيا باثارة هذه التهديدات وكأنها ارادت ان تحقق رغبة اسرائيلية باستبدال هذه الذكرى الغالية لدى العرب بشيء آخر ليس سعيداً بالضرورة.