لم تكن الانتخابات التي جرت مؤخرا في ألمانيا انتخابات عادية, ولم يكن فوز الاشتراكي الديمقراطي (جيرهارد شرويدر) ايضا عاديا , رغم ان نتائج الانتخابات الديمقراطية التي أفرزت هزيمة (هيلموت كول) كانت تعبيرا عن رغبة الشعب الألماني في وجه جديد, واحتضان جديد للاشتراكية, الا ان الألمان أنفسهم بصفة خاصة والأوروبيين بصفة عامة لم يخفوا اهتزاز ثقتهم في مستقبل أوروبا بدون السياسي الاسطورة كول, بهذه المشاعر تعيش أوروبا الاتحادية الآن. وقد لا تختلف كثيرا مشاعر الشخص العادي عن أحاسيس رجال السياسة والدبلوماسية, وهو الأمر الذي لا يتطابق دائما, حيث ان لرجال السياسة رؤية تحكمها معايير اخرى تتعلق بالسياسة والمصالح الاقتصادية بعيدة المدى وحسابات مختلفة, غير رؤية الشخص العادي التي تحكمها مشاعر قريبة لمصالحه اليومية مثل ارتفاع قيمة الضرائب, أو تقليص فرص العمل. ولم تكن احتفالية المباركة والتهنئة من الحكومات الاوروبية سواء من قبل الاشتراكيين أو غيرهم الا تماشيا مع البروتوكولات السياسية, فبعد ان انتهت هذه المراسيم, بدأت الاصوات الاوروبية في الساحات الدبلوماسية تختلف عن التصريحات المعلنة لوسائل الاعلام, حتى ان بعض الدبلوماسيين وصفوا الانتخابات بأنها سيناريو سريع الاحداث, جمع بين الدراما والرومانسية السياسية في سلة واحدة, ولقد اتفق الجميع في أوروبا على الندم لأن هيلموت كول سوف يكون غائبا وألمانيا تتسلم رئاسة الاتحاد الاوروبي من النمسا في أول يناير المقبل, فأوروبا كانت تتمنى رؤية كول وهو يضع حجرا آخر في بناء سياسة أوروبا الموحدة التي بذل هو جهده لوضع لبناتها الأولى. ولقد بدأت المقارنات الفورية تعقد بين زعيم النازية (ادولف هتلر) و(هيلموت كول) بفارق فيصلي وهو ان المستشار العملاق كول كان رجل سلام, لم يغفل فعالية القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية في أوروبا برؤية شاملة, وانه استمر على مدار 16 عاما يلعب دورا نجح من خلاله في توصيل أفكار عملية للمواطن الاوروبي بصفة عامة, بأن الحلم الاوروبي الخاص بالوحدة الأوروبية من الممكن تحقيقه. ولقد كان أكثر من غيره من زعماء أوروبا مباشرة ومصداقية, وفي الوقت الذي كانت فيه وسائل الاعلام الاوروبية المختلفة تستعرض المخاوف من وحدة الألمانيتين, كان كول يلتزم بالصمت ويواجه هذا الخوف بأعمال تنفيه وليس بمجرد كلمات تعارضه, ورغم ان كول واجه اعتراضات أمريكية, وبعض المخاوف الاوروبية من جيرانه حينما نجح في توطيد علاقة ألمانيا بفرنسا, واعلانه تلك الرغبة في تكوين جيش ألماني ــ فرنسي, فإن هذه المخاوف الحكومية زرعت على الجانب الآخر الاطمئنان والثقة لدى الشعوب الاوروبية في شخصية كول الذي يسير بهم الى أوروبا قوية يحميها جيش قوي, خاصة وان المواطن الأوروبي يشعر بالظمأ لصيغة أوروبية ـ أوروبية بديلة, أو توازي على الأقل قوة حلف شمال الأطلسي الذي يفرض حمايته وهيمنته على أوروبا والعالم, بما في ذلك ألمانيا ذاتها وعدد آخر من دول أعضاء الاتحاد الاوروبي, حيث أثبتت الابحاث واستطلاعات الرأي ان المواطن الأوروبي يشعر بالملل ويرفض رؤية المعسكرات الامريكية التي انتشرت في أنحاء المدن الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. وبدا واضحا ان الشعوب الاوروبية انتابتها مشاعر شكوك مبكرة في الائتلاف الملون المنتظر الذي يجمع الأحمر بالأخضر, أي الاشتراكيين مع حزب الخضر. لكن الشيء المؤكد وفقا لرصد السياسة الاوروبية هو وجود مخاوف أوروبية من تبني تآلف الاشتراكيين والخضر لسياسة خارجية ضد اسرائيل في الشرق الأوسط, ويحرك اللوبي الصهيوني في أوروبا مثل هذه الهواجس, ويرفع عصا التهديد في وقت مبكر رغم ان شرويدر لم يعلن من قريب أو بعيد ما يؤكد هذه الهواجس, لكنه اسلوب صهيوني متعارف عليه وهو الهجوم مع بناء خطوط للدفاع. فهل من الانصاف تشكيل ضغوط أوروبية على شرويدر وهو لا يزال في طور مباحثات تشكيل حكومته الجديدة؟ أم هناك أسباب أخرى أوروبية ــ أوروبية قد لا نعرفها نحن العرب, خاصة وان اصواتا لها وزن سياسي أوروبي أعلنت انه حتى لو نجح شرويدر في تشكيل التآلف الملون, وتم الاتفاق بينه وبين الخضر على برنامج حكومة لمدة أربع سنوات مقبلة, فإن هذا البرنامج سيكون مجرد كلام على ورق واتفاقات نظرية تخلو من الجدية لصعوبة التطبيق, ولقد تمثلت هذه الدعاية المضادة والتي تعتبر ظاهرة جديدة في أوروبا في اسئلة طرحتها كبريات مراكز الابحاث السياسية والاستراتيجية في لاهاي, أهمها: ــ ما هي رؤية التآلف الملون حال نجاح تشكيله في تطوير الدولة الألمانية؟ ــ وكيف سينظر اليها المجتمع الأوروبي والوحدة الاوروبية؟ ــ وهل شرويدر قادر على مواصلة طريق محور بون ــ باريس الذي بدأه سلفه كول؟ ــ وما هي نظرة الاشتراكيين والخضر للمشاكل الدولية وخاصة الشرق الأوسط؟ ولم تترك الفرصة للرأي الآخر حتى يجتهد في التوصل لاجابة أو حتى المحاولة فيها, كما تقتضي قواعد وأعراف الديمقراطية الأوروبية, بل جاءت الاجابة مختصرة قريبة للهدم أكثر منها للبناء, وهي الخضر ليس لديهم رؤية سياسية جادة وان رغبتهم فقط هي كسب الاصوات والحكم وخداع رجل الشارع, بما في ذلك شخصية شرويدر نفسه التي أصبحت منذ الأيام الأولى هدفا للدعاية المضادة وللهدم, فقد بدأت عمليات التعرض لشخصه وأمانته, والترويج الى انه خائن وزير نساء, وانه شخص لا يعرف بالضبط ماذا يريد, وبدأت وسائل الاعلام تخرج ملفاته القديمة لتذكر الاوروبيين ببداية حياته السياسية الماركسية ووصفها على انها وصمة عار في جبين الغرب الاوروبي الحديث. وتركزت المخاوف الاوروبية وفقدان الثقة في سياسة شرويدر على نمو التعاون العسكري الفرنسي الالماني وتأثيرات التعاون الاقتصادي ايضا على اوروبا, وهذا ما عبرت هولندا صراحة بقول ساستها ان اي تفاهم جديد بين المستشار المنتظر شرويدر ورئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان حول النمو الأمني المشترك, سيكون له أثار سلبية على هولندا الصغيرة, كما فتحت هولندا ملفات المافيا القديمة ابان عهد كول, وتوجت هذا بقولها انه من الناحية الاقتصادية فإن رحيل كول وقدوم شرويدر جاء في الوقت المناسب بالنسبة لفرنسا وحرك الشروط الالمانية القديمة التي اعلنها كول بعد توحيد الالمانيتين, تلك الشروط التي رفضتها فرنسا وعارضتها في حينه وجاء رد فعل الرئىس الراحل فرانسوا ميتران عليها تحذيرا بقوله (في الوقت الذي نرحب فيه بعودة الالمانيتين نؤكد على ان هذه الوحدة لا يجب ان تؤدي لان يكون المارك الألماني هو العملة الاوروبية الاقوى في المنطقة بينما رد عليه كول بعنف مؤكدا: (نعم لليورو ولكن لابد ان يكون في قوة المارك الالماني. ولقد جاء فتح هذه الملفات القديمة من طرف هولندا خوفا من استخدام شرويدر للعملة الموحدة عند بدء العمل بها في حل مشاكل البطالة في بلاده, واستغلالها في مصلحة التوجهات الاشتراكية على حساب الليبرالية الاقتصادية, وهي مخاوف شديدة التعقيد والملابسات وتخفي وراءها اسرارا اوروبية اخرى غير المعلنة. وبالرغم ان شرويدر لا يمر يوما واحدا منذ نجاحه في الانتخابات الا ويؤكد من خلال سياسته على استمراره في تنفيذ السياسة الخارجية التي بدأها هيلموت كول, الا انه لم ينجح حتى الآن في بث الاطمئنان في نفوس شركائه الاوروبيين, ولاتزال حملات التشكيك مستمرة. امستردام ــ سعيد السبكي