اصدرت هيئة التحكيم الدولية في لندن بشأن النزاع اليمني الارتيري حول أرخبيل حنيش (الجزر جنوب البحر الاحمر) واعلنت اليمن ظهر أمس جزءاً من نص منطوق الحكم في 9اكتوبر 98والذي ابلغت المحكمة فيه اليمن وارتيريا, وقضى الحكم حسب رئيس الحكومة اليمنية (بسيادة اليمن وحقها في السيادة على الجزر المتنازع عليها) وفيما قطع التلفاز الفضائي برامجه ليبث الاناشيد ورسالة رئيس الحكومة اليمنية د. عبد الكريم الارياني الى الرئىس اليمني يزف فيها التهنئة للرئيس والشعب ويشيد بالحكمة في حقن الدماء اليمنية الارتيرية, والاحتكام الى الحوار السلمي وحل قضايا النزاع من خلال التحكيم والطرق السلمية, واعلنت اذاعة ارتيريا القبول الارتيري للحكم, وذكرت بالنص الوارد في اتفاقية المبادىء والتحكيم بين البلدين بأهمية قبول الحكم الذي تصدره هيئة التحكيم الدولية, وعمليا أكد رجال قانون لــ (البيان) في اول رد فعل ان القبول بالحكم من قبل البلدين قضية محسومة سلفاً, فقد ظل البلدان يؤكدان القبول بالحكم مهما كان, ثم ان هناك عميلة اشراف من قبل بعض الدول الكبرى وفي مقدمتها فرنسا, واضاف رجال قانون مطلعون ان نصوص ومضمون قرار الحكم كاملة لم تعلن بعد, ولم يستبعد مطلعون ان هناك اتفاقات سياسية سبقت قرار التحكيم من جهة, لكنها لم تؤثر بحال من الاحوال على قرار المحكمة, لكنها تضمنت في ملاحق هي جزء لا يتجزاء من الحكم. وتكمن أهمية ارخبيل حنيش أنه اقرب الجزر البحرية الى مضيق باب المندب, وهو اهم موقع استراتيجي يتحكم في طرق الملاحه في البحر الاحمر من مضيق باب المندب, وارخبيل حنيش يتكون من عشر جزر يمنية هي اقرب مجموعة الى الممرات البحرية في البحر الاحمر للسفن القادمة او المتجهة مباشرة من باب المندب, وهو ارخبيل يشرف ويتحكم بشكل مباشر على الخطوط الملاحية البحرية, ويضم الارخبيل عشر جزر بركانية واعلى ارتفاع لجبالها يبلغ (1335 قدماً) وتقع جزر الارخبيل على خط عرض 44 وخط طول 45/42 شرقا اما جزيرة حنيش الكبرى فهي اكبر جزر الارخبيل, وتبلغ مساحتها حوالي 90 كم2,و هي جزيرة صخرية وتمتد بها سلسلة جبلية, وحولها الكثير من الشعاب المرجانية التي تعيق الملاحة البحرية حولها عدى بعض الثغرات, وارتفاع اعلى قمة جبل فيها تبلغ 415 مترا, وتبعد عن الساحل اليمني حوالي 28 ميلاً بحريا, وعن الساحل الارتيري 39 ميلا بحريا, وهي موقع استراتيجي هام يمكن منه مراقبة الملاحة البحرية وحركة السفن. الابعاد الداخلية لصدور الحكم لم تشهد القيادة اليمنية اي موقف اكثر حرجا على الصعيد الداخلي والخارجي من قضية احتلال جزيرة حنيش من قبل ارتيريا في 15 ديسمبر 95 وزاد من ذلك ان احتلال الجزيرة والتحكيم جاء بعد حرب صيف 1994 اليمنية, وخلال الاحتفالات اليمنية بذكرى اعادة الوحدة اليمنية 22 مايو 95, والتقت القيادة اليمنية برئاسة الرئىس صالح بكافة احزاب المعارضة اليمنية, ولم تفلح باقناع الاحزاب المعارضة والبرلمان, والفعاليات واستخدمت القضية كورقة رابحة بين الاحزاب والبرلمان لانتقاد القيادة. وعشية صدور الحكم لم يخلو بيان حزب تجمع الاصلاح من مطالبة القيادة السياسية بالحزم في استعادة جزيرة حنيش, ويوم امس مع صدور الحكم حرصت احزاب المعارضة على التأني ولم تصدر أي رد فعل حتى تحصل على النص الكامل لقرار حكم الهيئة الدولية للتحكيم, فيما اعتبرته الحكومة انتصارا كبيرا للسياسة الخارجية ولحكمة القيادة السياسية, في معالجة القضايا السيادية. وعلى الصعيد الاقليمي والعربي والدولي حظيت قضية احتلال جزيرة حنيش بمستويات رفيعة من الاهتمام, ويؤكد مراقبون ان مشكلة الارخبيل قد اثرت على العلاقات مع دول الجوار وتحديدا اليمن والمملكة العربية السعودية, وتبادل الجميع اتهامات اقتصرت على الاقل في الاتهامات الاعلامية, واكدت الكثير من الجهات والدول ان القرار الارتيري لم يكن بعيدا عن القرار الاسرائىلي وبايعاز مباشر من اسرائىل, على ان العام الثاني للتحكيم تراجعت الكثير من بؤر الصراع بين الدولتين, فالولايات المتحدة الامريكية, لاقت احتلال الجزيرة ببرود, لكنها اعلنت تأييدها لقرار التحكيم, والاحتكام الى الحوار السلمي والتحكيم لحل النزاع, فالولايات المتحدة الامريكية اعتبرت الاعتداء الارتيري والنزاع عموما هو بين دولتين, وهذا ما ازعج القيادة اليمنية التي اتهمت اسرائىل, ثم رحبت امريكا بجهود الوساطة السلمية لحل النزاع التي قامت بها فرنسا, واعلن ذلك الناطق باسم الخارجية الامريكية في 27/1/1996م واعلنت امريكا ان الاعتداء الارتيري كان مفاجأة لامريكا, واشادت بموقف اليمن باللجوء الى التحكيم لكنها رفضت على لسان مساعد وزير الخارجية الامريكي ادانة الاعتداء الارتيري, وفي 11/4/1996م جرت مناورات عسكرية بين وحدات من القوات الامريكية وقوات ارتيرية في جنوب غرب البحر الاحمر, من جهتها رفضت روسيا اجراء اي تغيير على جزيرة حنيش, ودعت الى حل النزاع بالطرق السلمية, اما فرنسا فقد اعتبرت ان نشوب النزاع قد يمتد الى ساحة اخرى, وقامت فرنسا بجهود الوساطة: والاشراف على التحكيم, الى ذلك يؤكد مطلعون ان آلية التنفيذ للحكم ستكون باشراف فرنسا, وفق اتفاق مسبق. وقد اعتمدت اليمن في مرافعاتها المكتوبة والشفهية الى حقائق ووثائق تاريخية تؤكد ان الارخبيل يمني تاريخيا وقانونيا, اما ارتيريا فقد اعتمدت على نسف الاتفاقيات العثمانية واليمنية التاريخية بالاعتماد على عدم ولاية الامام يحيى حميد الدين على كامل اليمن بعد خروج الاتراك من اليمن 1917م, وعلى صعيد علاقة البلدين فقد تأثرت دولة ارتيريا كثيرا حسب مراقبون ورجال اقتصاد ـ وذلك من النواحي السياسية والاقتصادية وخلال العام 1997 تؤكد مصادر رفيعة المستوى ومطلعة ان الرئىس صالح رفض الكثير من الوساطات لاعادة العلاقات اليمنية الارتيرية الى مجراها الطبيعي, واشترط لذلك حسم قضية جزيرة حنيش اولا, وتشير المصادر الى ان من تلك الوساطات المصرية والليبية التي اشترط صالح البدء بها بعد تحديد السيادة على جزيرة حنيش, وخلال تلك الفترة ايضا قامت الكثير من الجهود الارتيرية لاعادة العلاقات الى مجراها الطبيعي بين البلدين, لكن اليمن حرصت على قبول الوفود والرسائل الارتيرية على اساس انها علاقة بين التنظيمين السياسيين وليس بين حكومتين ودولتين. وتؤكد مصادر خبراء ومطلعة لــ (البيان) ان النزاع الاثيوبي ـ الارتيري قد احدث شرخاً عميقا في السياسة الارتيرية, وزادت حاجتها للعلاقة مع اليمن واهمية اليمن كمنفذ اقتصادي, وبحري, الى ذلك يشار الى علاقة اليمن باثيوبيا وتوقيع البلدان 22 اتفاقية تعاون اضافة الى تعزيز اواصر العلاقات اليمنية ـ الجيبوتية, مما أدى الى وضع ارتيريا بموقف شبه حصار. ويؤكد خبراء ومصادر مطلعة قانونية وسياسية, ان الحكم بحق سيادة الجمهورية على جزيرة حنيش الكبرى والجزر المتنازع عليها يمثل اهمية استراتيجية كبيرة لليمن ويشيرون بذلك الى ثلاث حقائق تترتب على منطوق الحكم وهي: اولا: ان اي نزاع أو محاولة استعادة الجزر يأتي بعد نيل شرعية دولية, وقانونية لليمن على الجزر. ثانيا: ان تحديد الحدود البحرية اليمنية ستنطلق من احقية سيادة اليمن على الجزر, وذلك يعزز موقفها التفاوضي في الملاحة الدولية بالبحر الاحمر, ويعزز علاقاتها بالدول ذات المصلحة في المنطقة وفي مقدمتها امريكا وفرنسا وبريطانيا. والحقيقة الثالثة: هي استبعاد كامل لاي تدويل للجزر اليمنية وتدويل الملاحة في البحر الاحمر بالانتقال الى تدويل الجزر المسيطرة على ممرات الملاحة. والى كل ذلك يؤكد مراقبون وخبراء ان الحكم الذي صدر عن هيئة التحكيم الدولية هو بداية تحريك تكتل اقليمي في المنطقة لايستبعد ان تكون اليمن وارتيريا الاطراف الاساسية فيه, وفي كل الاحوال فان الحكم لا يعتبر نكسة للنظام الارتيري اكثر منه بداية استقرار وانطلاق لبناء دولته الفتية. صنعاء ــ عبد الله سعد