غامت حدود (التكتيكي) و(الاستراتيجي) لدى الجانب الفلسطيني, فغدت مفاوضاته مع الاسرائيليين في مهب الريح الأمريكية وتعليق الآمال مجددا على عوامل مساعدة ما زالت في مصاف الخيال بلا أي انعكاس على أرض الواقع . ورغم مثول رسالة كريستوفر الضامنة لتنفيذ اتفاق الخليل في الذاكرة الفلسطينية, ومحوها بالصلف الليكودي, تعر السلطة الفلسطينية على وضع كل ما تبقى من خياراتها في السلطة الأمريكية تحت وهم احراج اسرائيل وفضح تعنتها أمريكيا ودوليا. مقدمة التنازلات كانت تخفيض سقف تحرير الأرض إلى 13% من الضفة الغربية بناء على نصح واشنطن, بالتزامن مع اعلان التمسك بأوسلو بعد كسر سقفه الأرضي حتى ومن ثم الانجرار لحسابات الإدارة الأمريكية في صراعها الداخلي مع تحالف اليمين المسيحي واللوبي اليهودي لتحقيق انتصار خارجي للرئيس المكلوم جنسيا. فكان على ياسر عرفات تهيئة الأجواء لقبول (تكتيكي) بأقل من 13% وأتى تصريحه الخجول ابان قمة عدم الانحياز في دوربان باستعداده لقبول (المحمية الطبيعية) المبهمة, مقدمة لتهيئة المناخ السياسي الداخلي لقبول تام باستبدال (الأرض مقابل السلام) بالأرض مقابل أمن اسرائيل وما يتضمنه هذا الأمن من مفهوم مطاط قد يطال كافة الأرض الفلسطينية تحت شعار منع إيران والعراق من التسلل إلى حدود الكيان الاسرائيلي. كل ذلك.. والرهان الفلسطيني ما زال على واشنطن كضامنة والنضال معها لتكون هذه الضمانة خطية, رغم ما حملته أوراق العم سام من خيبات متكررة. التحذيرات المصرية للقيادة الفلسطينية في غير مناسبة من مزيد من التنازلات تجعل اسرائيل في موقع وموقف أقوى في ظل أية تطورات (دراماتيكية) محتملة في المنطقة لم تحجب الخطة الأمريكية عن الذهنية السياسية للسلطة بالكرم في المرحلة الانتقالية والبخل في النهائية ومعادلها المعكوس بالنسبة لاسرائيل. وتمت الخديعة في الخلط بين (الاستراتيجي) و(التكتيكي) , حيث لا يقوم الأول إلا على تراكمات الثاني: إذ ما الذي سيتبقى للسلطة لتبخل به في المفاوضات النهائية بعد تسليم مقاليد المؤقتة. لن يتبقى من الضفة وغزة مساحة كافية لاستيعاب حق اللاجئين في العودة. وسيترك التهويد والتوسع الاستيطاني المستمر للسلطة أبو ديس فقط لتعلنها عاصمة, وستظل المياه والحدود ألياف مشنقة تنصبها اسرائيل على مهل خلال المرحلة الانتقالية للدولة الفلسطينية الوليدة التي ستعجز عن الحياة إلا إذا ارتضت تحولها لحصان طروادة تخترق به الفكرة الصهيونية الساحات العربية, علاوة على تذويب الكيان السياسي الفلسطيني في مخططات الهيمنة الاقتصادية (الاسرائيلية) .