علمت (البيان) من مصادر عليمة في عمان ان المرحلة المقبلة في الاردن ستشهد اعادة توزيع عادلة للاردنيين بشتى اصولهم, على المواقع الرفيعة المستوى والعادية في القطاعين العام والخاص . وتسود الاردن معادلة نفسية منذ عام 1970, تقوم على اساس ان الاردنيين يسيطرون على المواقع الوزارية وعلى معظم مقاعد مجلس النواب, ومواقع السفراء, بالاضافة الى ان الانتساب الى المؤسسة العسكرية يكاد يكون مقصورا فقط على الاردنيين, في حين ان الاردنيين من اصل فلسطيني يسيطرون على القطاع الخاص الذي يضم شركات ومؤسسات ومصارف ومشاريع متوسطة وصغيرة, بعيدا عن العمل الحكومي بكافة مواقعه, ومازالت هذه المعادلة النفسية سائدة بين الاردنيين عموما, على اساس شعور كل عرق سكاني بأنه محروم من العمل والتواجد في المجال الآخر. ويقول مراقبون سياسيون في عمان ان هذه المعادلة التي يؤمن بها الاردنيون عموما, ليست معادلة صادقة تماما, فعلى صعيد شكوى الاردنيين من اصل فلسطيني انهم محرومون من تبوؤ مواقع قيادية وسياسية, تبدو هذه الشكوى نفسية وليست واقعية تماما, وفي هذا السياق فإن الدكتور جواد العناني رئيس الديوان الملكي الهاشمي, هو من مدينة الخليل الفلسطينية اساسا, بالاضافة الى ان نائب رئيس الوزراء طاهر كنعان هو من اصل فلسطيني كذلك, يقابله وجود اردنيين من اصل فلسطيني في مواقع هامة في الديوان الملكي وفي كادر السفراء, بالاضافة الى ان عددا كبيرا من نواب العاصمة الاردنية في مجلس النواب هم من اصول فلسطينية. اما على صعيد شكوى الاردنيين ذاتهم, وبكونهم محرومين من دخول القطاع الخاص, الذي يعتبرونه حكرا على الاردنيين من اصل فلسطيني, بالاضافة الى اعتقادهم ان رؤوس الاموال تتركز بأيدي الفلسطينيين, فقد يبدو هذا غير واقعي كذلك, لعدة اسباب اهمها ميل الاردنيين التقليدي للعمل في المؤسسة الرسمية, وهو ميل موروث منذ عشرات السنين, بالاضافة الى ان معظم الاردنيين من اصل فلسطيني عاشوا تجربة الاغتراب في دول الخليج والعالم مما ساعدهم على تكوين رؤوس اموال صغيرة ومتوسطة وكبيرة ظهرت في عمان على شكل مشاريع تجارية وصناعية. وبرغم ما سبق, ووجود تداخل بين السكان وكافة القطاعات, الا ان مصادر رسمية في عمان, ترى ضرورة انهاء حالة التقاسم السائدة بين القطاعين, العام والخاص, وبين المجموعتين السكانيتين الرئيسيتين, والتي لخصها رئيس وزراء اردني سابق حين خاطب رجل اعمال اردنيا من اصل فلسطيني بقوله, (لكم التجارة ولنا الولاية) .. ويبدو شعار رئيس الوزراء هذا معولا يهدم البنيان الوطني في الاردن بنظر النخبة والعوام الذين يدعون الى مزج حقيقي بشأن المعاناة والمنافع على حد سواء. ويرى محللون ان اجيالا عديدة من الاردنيين من اصل فلسطيني ولدوا في الاردن بعد صدامات ايلول عام 1970م, وولاؤهم المطلق هو للدولة الاردنية بعيدا عن المنظمات الفدائية وتناقضاتها وصراعاتها وحتى استهدافها للنظام الملكي الاردني, وعلى اساس هذا الولاء تبدو الحاجة ملحة لاعادة المزج بين الاردنيين بعيدا عن فكرة (التقاسم الوظيفي) التي سادت منذ عام 1970 وحتى وقت قريب. وفي ذات الوقت فإن المحللين ذاتهم يرون ضرورة خروج القطاع الخاص في الاردن عن عزلته بشأن تركيزه في الوظائف والمنافع على الاردنيين من اصل فلسطيني, وفتح الباب امام الجميع للعمل. ويرى سياسيون اردنيون ان المشاكل الاقتصادية وتفشي البطالة والفقر هي الاسباب الحقيقية وراء مشاعر الناس بوجود قطاعين عام وخاص, متنافرين يتوزع بينهما السكان. وفي هذا الاطار فإن تزايد الشكاوى من المصاعب الاقتصادية, واعتقاد كل مجموعة سكانية ان المجموعة الاخرى هي التي التهمت حقوقها يدفع حاليا القصر الملكي نحو اتجاه جديد يقوم على اساس نظري واساس عملي, اما الاساس النظري فيأتي تحت عنوان تحقيق الوحدة الوطنية عبر توزيع الخسائر والارباح السياسية والاقتصادية بشكل عادل بين جميع السكان, في حين ان الاساس العملي وآلية التنفيذ تقوم على اساس خطوتين مقبلتين: اولاهما زيادة عدد الاردنيين من اصل فلسطيني في مواقع القرار السياسي والدبلوماسي بالاضافة الى الادخال التدريجي مجددا الى المؤسسة العسكرية, وثانيهما الضغط على القطاع الخاص الذي يتحكم به الاردنيون من اصل فلسطيني للخروج عن عزلة الصرف, وحثه على اقامة المشاريع والمؤسسات في مناطق اردنية احادية الاصل والتواجد, وتطبيق سياسة تعينات عادلة, عبر المزج في اصول الحاصلين على الوظائف, ما بين الاردنيين بشتى اصولهم, وعبر هذا الاسلوب فإن التقاسم الوظيفي ينتهي تماما, وتذهب النظرية التي اطلقها رئيس الوزراء السابق (لكم التجارة ولنا الولاية), ادراج الرياح بحيث تصبح التجارة والولاية للاردنيين جميعا دون تمييز بين هذا وذاك. وفي هذا السياق فإن مصادر (البيان) في العاصمة الاردنية ترى ان المخاطر التي برزت نظريا في الاردن بعد مرض العاهل الاردني الملك حسين الذي يتلقى علاجاً ضد السرطان في الولايات المتحدة الامريكية منذ الرابع عشر من شهر يوليو الماضي, جعلت تفكير القصر الملكي ازاء مستقبل الاردن يأخذ حيزاً استثنائياً وخاصاً, ولعل رواج اعتقاد بين عدد كبير من الناس, بأن الاردن بعد الملك حسين, لن يستمر وسوف ينهار وستحدث صراعات داخلية وحرب أهلية بين السكان بسبب تنوع أصولهم وعلى قاعدة من المصاعب الاقتصادية, وهي النظرية التي روج لها الاعلام الاسرائيلي, جعل الموضوع الداخلي يأخذ أولوية خاصة لدى مؤسسة العرش الاردنية لكن رئيس ديوان ملكي سابق في الاردن كان قد قال لـ (البيان) في جلسة خاصة: الاردن ليس مجرد قطعة شوكولاته سوف تذوب عند ارتفاع درجات الحرارة. ويرى سياسيون ان المشاعر والاستنتاجات التي سادت الاردن بعد مرض الملك حسين كانت دليلاً على هشاشة ولاء الناس بشكل عام تجاه مفهوم الدولة والمؤسسة, ودليلاً على ضعف ايمانهم بالمستقبل, وبأن هناك مركباً واحداً في الاردن, واي خطر يحيق بهذا المركب سيترك أثراً على جميع الاردنيين بشتى منابتهم. غير ان عقلية الفرز على قاعدة الاصول التي سادت لفترة قصيرة بعد مرض الملك حسين, كشفت مبكراً عن خطر يحيق بالاردن, يتعلق بالوحدة الداخلية, ووجود فريقين لكل منهما مخاوفه من الآخر, ولعل بروز هذه المخاوف اثبت ان الملك حسين هو عامل توحيد وشخصية تحظى باجماع بين جميع الأردنيين, الا ان المخاوف التي برزت كانت تتحدث بإسلوب غير علمي وغير موضوعي عن المستقبل. ووسط هذه الأجواء تبرز نخبة قليلة في الأردن تؤمن بأن الاردن الحديث كان نتاجاً لتنوع اصول السكان, وتنوع قدراتهم ومعارفهم, بمعنى ان الأردن الحديث كان نتيجة جميلة لتزاوج شرعي بين خبرات الاردنيين والاردنيين من اصل فلسطيني. وليس زواجاً مؤقتاً كما يريده فقهاء المذاهب السياسية الانعزالية. ولعل الأيام القليلة المقبلة ستذهب بالاردن نحو مزيد من الطمأنينة تأكيداً للوحدة الداخلية على قاعدة ان السكان هم أولاً وأخيراً (عرب مسلمون) تحكم روابطهم وعلاقاتهم موروثات دينية وتاريخية. عمان ــ ماهر ابوطير