بات واضحا ان الزعيم التركي حول وجود رئيس حزب العمال الكردي عبدالله وجلان في سوريا وان هناك قواعد له على الأرض السورية لتدريب رجاله فإنه زعم ساقط لان تركيا سبق وأثارت هذا الموضوع في أوقات سابقة وكان الجواب السوري في هذا المجال واضحا لجهة نفي هذه المزاعم . على هذا فإن عودة تركيا إلى اثارة هذه المزاعم واطلاق التهديدات على لسان رأس السلطة التركية الذي قال: (صبرنا نفذ وسنرد في الوقت المناسب) . يثير جملة تساؤلات حول أبعاد التآمر التركي الاسرائيلي على سوريا خصوصا في هذه المرحلة بالذات من خلال ارتفاع وتيرته باعتباره قائما منذ زمن بعيد. والصورة بالنسبة للهجمة التركية على سوريا أقرب إلى حكاية الذئب والحمل ذلك ان تركيا ضمت سنجق الاسكندرون السوري إلى أراضيها وتطالب سوريا بأن تلغي هذا السنجق من الجغرافيا السورية وهو أمر يدخل في نطاق المستحيلات. وتركيا تخالف الاتفاقية الدولية لتوزيع مياه الأنهار المشتركة بين دولتين أو أكثر وذلك بقطع مياه نهر الفرات عن سوريا وعن العراق بالاضافة إلى رفض عقد اجتماع للاتفاق على توزيع مياه النهر بين تركيا وسوريا والعراق وفق الاتفاقية الدولية. وتركيا تفسح في المجال للعدو الصهيوني بالتجسس من أراضيها على سوريا بالاضافة إلى التنسيق الكامل بين جهاز المخابرات التركي وجهاز الموساد الاسرائيلي في دائرة التآمر على سوريا وبقية الدول المتآخمة لتركيا من العراق إلى إيران. من هنا يبدو ان حجم هذه الحملة ومستواها ينطلق من حالة ليست بعيدة عن التعاون الاستراتيجي الاسرائيلي التركي وهو تعاون يستند أصلا إلى تكريس عدم الاستقرار في المنطقة لانه يخدم المصالح الاسرائيلية والتركية. ومنذ عام 1923 اعتبرت تركيا نفسها دولة حديثة علمانية أخذت بنظريات التطور الغربي في محاولة لتكون دولة أوروبية إلا أن تحالفها مع اسرائيل التي قامت على أسس دينية ويحكمها الآن التيار الديني المتشدد يؤكد عدم مصداقية ما تدعيه من انها دولة علمانية فلو كانت في جوهرها كذلك لما تعاونت مع دولة تأسست على الأساطير والطروحات التوراتية. وظل الأتراك يكررون بأن العرب خذلوهم في الحرب العالمية الأولى وحاربوا إلى جانب الانجليز والفرنسيين ضدها عندما أعلن الشريف حسين عام 1916 الثورة على الأتراك حين وعدته هاتين الدولتين بدولة عربية مستقلة وبعد مجيء أتاتورك كافأت فرنسا تركيا بمنحها لواء اسكندرون وشريط حدودي لا يزال مسلوخا عن وطنه الام حتى الآن وعندما أعلن عن قيام اسرائيل كانت تركيا الدولة الاسلامية الوحيدة التي أقامت علاقات معها وتوسعت في مجالات عديدة. وعندما استقلت سوريا لم تبد الحكومات التركية المتعاقبة أي مشاعر ودية أو تتعامل بنوايا سليمة بل على العكس كانت دائما تقف إلى الجانب المعادي للعرب فكانت عضوا في حلف بغداد وبعدها انضمت إلى الحلف الأطلسي الناتو ولا تزال حتى الآن فهي بهذه الحالة ليست بحاجة لاقامة حلف عسكري مع اسرائيل. المياه وبدأت تركيا بالتعدي على المياه السورية منذ مطلع الخمسينات فقد قطعت مياه نهري قويق وابو الذهب عن مدينة حلب اضافة إلى أنهار صغيرة كانت تروي مناطق زراعية شرق حلب. وظلت تركيا منذ أيام الوحدة السورية المصرية عام 1958 وهي تنظر بعين الغضب إلى العلاقات الطيبة بين كل من سوريا ومصر مع اليونان وقبرص علما ان تركيا واليونان عضوان في حلف الأطلسي ولا يعقل أن تكون سوريا مع تركيا في نزاعها مع اليونان وهي تحتل أراضيها وتقطع عنها المياه وتهددها بأهم مصدر مائي وشريان حيوي في نهر الفرات الذي يوفر حوالي 70% من احتياجات سوريا المائىة. لقد أدخلت تركيا إلى حلبة النزاع مع سوريا كل ما من شأنه أن يعهد لتفجير الصراع بدءا من المياه واتهامها بايواء الثوار الأكراد وادعائها بتوقيع اتفاق عسكري مع اليونان وكان آخرها توقيع اتفاقيات ثنائية للتعاون العسكري والأمني واجراء تدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين التركي والاسرائيلي ووجود قوات وخبراء عسكريين اسرائيليين على محاذاة الحدود السورية ومما يزيد من خطورة الموقف عدم استجابة أنقرة للمساعي السورية وجهود جامعة الدول العربية لتهدئة التوتر بين البلدين واللجوء إلى الحوار الا ان تركيا ماضية في اصرارها على توتير العلاقات مع سوريا إلى أعلى درجاتها. وتدرك القيادة السورية مغزى الاستفزازات التركية ومخاطرها وترقب بدقة وحذر بكل ما يدور من حولها وتتحرك بجميع الاتجاهات لدرء الخطر القادم من الشمال. وإذا كان هذا الخطر يبدو للوهلة الأولى موجها ضد سوريا فإنه بالمحصلة يستهدف جميع العرب لفرض الهيمنة الاسرائيلية والتركية على المنطقة تتجاوز الشرق الأوسط إلى الشرق أوسطية شمعون بيريز. لقد أصبح واضحا لكل متتبع لسلسلة التهديدات الصادرة عن أنقرة انها تهديدات تركية ــ اسرائيلية مشتركة ومن يتعمق أكثر في قراءة الأحداث سوف تتبدى له ملامح الخطر والتآمر الاسرائيلي على تركيا نفسها مستقبلا فهل تدرك الحكومة التركية وتفكك الفخ الذي تنصبه اسرائيل لها وإذا ما استمرت تركيا في زيادة تعاونها مع اسرائيل وتوثيق علاقاتها بشكل يهدد الأمن العربي فإن تركيا لن تكون بمنأى عن الأخطار وان الدور سيأتيها لاحقا وهي المرشحة أكثر من أية دولة في المنطقة بعدم احتمال المخاطر خاصة إذا كانت اسرائيلية فاسرائيل والحركة الصهيونية تطمح ولو على المدى البعيد إلى احياء دولة الخزر والكثيرون من الأتراك لم ينسوا أصولهم اليهودية عبر القرون الماضية كما ان الأتراك الحقيقيون لا يمكن أن يصدقوا ان اسرائيل صديقتهم الأولى والمسجد الأقصى والقدس الشريف يرزحان تحت الاحتلال الاسرائيلي والاجراءات التركية وتصرفاتها الجائرة بمياه نهر الفرات تشكل أهم أسباب توتر العلاقات فمياه النهر في شح مستمر والمياه الملوثة المتسربة من تركيا في تزايد حاملة الأملاح والمواد الضارة إلى الأراضي السورية وكذلك حجز القسم الأكبر من مياه الفرات عن سوريا وبالتالي عن العراق لم يعد مجرد احتمالات فهو قادم لا محالة إذا واصلت تركيا في اجراءاتها واستمرت في تحديها وعدم اكتراثها بالاحتجاجات السورية. ولو لم يكن الأمر بهذه الخطورة لما طلبت سوريا رسميا مؤخرا من جامعة الدول العربية إدراج موضوع مياه الفرات والاجراءات التي تتخذها الحكومة التركية على جدول أعمال دورة مجلس جامعة الدول العربية التي تعقد على مستوى وزراء خارجية الدول العربية. وقد تضمنت المذكرة السورية ضرورة عرض موضوع نهري دجلة والفرات نظرا لخطورة الاجراءات التي تتخذها الحكومة التركية على نهر الفرات وتوقيعها على اتفاقية اقامة سد (بيرة جك) وتمريرها كمية من المياه الملوثة إلى نهر الفرات اضافة إلى اقامة سدود على مجرى النهر دون التشاور مع الدول المتشاطئة كما تقضي قواعد القانون الدولية. إن سوريا عازمة على معالجة مشكلة المياه مع تركيا لان اجراءات أنقرة لم تعد تحتمل لما لها من أخطار مدمرة على المشاريع الزراعية والكهربائية التي تعتمد على مياه الفرات والتي تمثل ما يزيد على السبعين بالمئة من احتياجات سورية لأغراض الزراعة والشرب وتوليد الطاقة الكهربائية. وبالرغم من وجود مشكلة المياه وتوزيعها بين تركيا وسورية والعراق قد بدأت معالجتها والبحث عن حلول لها إلا أن أخطر مراحل المشكلة بدأت مع أوائل الثمانينات عندما باشرت تركيا بتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف باسم (غاب) واقامة أكثر من عشرين سدا على نهري دجلة والفرات وهو من أضخم المشاريع التي تقوم تركيا حتى الآن ويضم هذا المشروع 21 سدا منها 17 سدا على نهر الفرات مع اقامة 17 محطة كهربائية. وحسب التقديرات الرسمية فإن احتياجات المشاريع التركية هذه عند اكتمالها بحلول عام 2000 ونظرا لضخامتها وخاصة سد أتاتورك الذي يعد أكبر رابع سد ترابي في العالم فإن القسم الأكبر من مياه نهر الفرات ستحبس لصالح المشاريع التركية وستكون آثارها وخيمة لاقتصاديات سوريا والعراق كبلدين زراعيين بالدرجة الأولى. توافق سوري عراقي في بداية الشهر الجاري دعت سوريا والعراق أنقرة إلى حضور اجتماعات اللجنة الفنية في بغداد إلا انها لم تلب الدعوة واقتصرت الاجتماعات على الجانبين العربيين. وتتفق كل من سوريا والعراق في هذه المسألة وتسعيان على ايجاد حل لها من خلال جامعة الدول العربية كخطوة أولى وذكر ان لقاءات ثنائية فنية ستتم للتنسيق في مواجهة الاجراءات التركية الجائرة بدعم من جامعة الدول العربية التي تقف بحزم إلى جانب سوريا والعراق في هذا الموضوع المصيري. وفي أعقاب بدء الأعمال الأولية لمشروع جنوب الأناضول تم تشكيل لجنة فنية من الدول الثلاث (سوريا, العراق, تركيا) بدأت اجتماعات شبه دورية منذ عام 1982. وخلال الاجتماعات التي عقدتها هذه اللجنة لم يتوصل المشاركون إلى أية نتيجة لتحديد كمية كل دولة من مياه دجلة والفرات وكان واضحا حسب المصادر السورية ان تركيا كانت في كل مرة تماطل وتطرح أفكارا لمناقشتها في الاجتماعات المقبلة وتشكلت قناعة تامة لدى الجانب السوري والعراقي بأن تركيا لا تريد اقتسام المياه وان كل طروحاتها وتصرفاتها هي بهدف كسب الوقت ربما تنتهي من بناء المشاريع على دجلة والفرات. تركيا وافقت ثم تراجعت إلا ان بارقة الأمل الوحيدة على طريق المحادثات مع تركيا كانت عام 1990 وسرعان ما اختفت بسبب الموقف التركي فلأول مرة تقدم تركيا اقتراحا يعد ايجابيا قياسا إلى مواقفها وتعاملها السلبي أثناء الاجتماعات السابقة حيث قدمت تركيا في ذلك الاجتماع اقتراحات لتنظيم تدفق مياه الفرات عبر سوريا بمعدل سنوي قدره 15 مليار متر مكعب ما يعادل تمرير 500 متر مكعب في الثانية وتزيد الكمية في فصل الصيف إلى 700 متر مكعب وفي الشتاء بحوالي 200 متر مكعب في الثانية حيث تكون حصة سوريا 42% من اجمالي المياه من الكمية المتدفقة والنسبة الباقية الـ 58% إلى العراق. وقبل هذا الاقتراح التركي على مضض على أمل أن يكون مقدمة للوصول إلى اتفاق كامل ونهائي لاقتسام مياه النهر لكن سرعان ما نقضت هذا الاتفاق المجحف وكانت سوريا والعراق تطالب الجانب التركي بتدفق 22 مليار متر مكعب سنويا من نهر الفرات بما يعادل 700 متر مكعب في الثانية. وعادت الحكومة التركية إلى عرقلة عقد اللقاءات الثلاثية مع تصريحات لكبار المسؤولين فيها مفادها ان مياه النهرين تركية ولا حق لأحد في المطالبة بكميات غير التي تحددها تركيا واعلانها الصريح ان الفرات ودجلة ليسا دوليين أي انهما تركيان. استحالة تنازل سوريا وتؤكد سوريا انها لا تبني سياستها وموقفها على ردود الأفعال والأقوال والتصريحات لكن عندما يكون هناك أفعال تمس حقوقها الضامنة لها قواعد وقوانين الأنهار الدولية فإنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تتنازل عن حقوقها ولن تقبل الانتقاص من حقوق الاستفادة من نهر الفرات بتوزيع عادل بين الدول الثلاث وعدم الاضرار بمصالح أية دولة في الوقت الذي تحرص فيه سوريا على وجود علاقات جيدة مع تركيا لكن ليس على حساب حقوقها المائية. وترى سوريا وتدعو كلما تأزمت العلاقات مع تركيا إلى اقتسام المياه وان الحل الوحيد لهذه المشكلة ودرء أخطارها هو توقيع اتفاق بين حكومة سوريا والعراق وتركيا حسب القوانين الدولية. والاتفاقيات المعمول بها بين الدول المتشاطئة على أنهار عابرة حتى يكون الفرات عامل استقرار وليس عامل توتر. وليس من قبيل المبالغة أن مشكلة نهر الفرات إذا لم تجد الحل العادل والمناسب فإنها ستهدد استقرار المنطقة وتمزق العلاقات القائمة بين دولها.