ليس (حزب العمال الكردستاني) إلا رأس جبل الخلافات, الذي يختفي ستة أسباعه تحت محيط العلاقات التركية السورية, حيث تضرب الخلافات التركية ــ السورية بجذورها بعيدا, إلى ما قبل قرابة خمسة قرون . بعد (معركة مرج دابق) , شمال سوريا, سنة 1516, التي انتهت بانتصار السلطان العثماني سليم الأول على السلطان المملوكي, قنصوه الغوري, رزحت سوريا تحت الاحتلال العثماني, منذئذ ولمدة أربعة قرون متصلة ولم يقطع ذلك الاحتلال, إلا حملة ابراهيم باشا المصرية, التي اجتاحت الولايات السورية, ووصلت إلى مشارف تركيا نفسها, داحرة أمامها القوات العثمانية, حيث حققت الحملة المصرية نصرا سهلا وسريعا على قوات السلطة العثمانية, مما مكن تلك الحملة من احتلال الولايات السورية كلها (تضم الآن: سوريا, لبنان, فلسطين, الأردن). وظلت القوات المصرية تهدد مقر السلطة العثمانية على مدى السنوات الثماني التي احتلت فيها تلك القوات الولايات السورية (1832 ـ 1840). لم يغفر العثمانيون للسوريين مناصرتهم الحملة المصرية, وخذلانهم القوات العثمانية, وفات العثمانيين ان شعبا رزح تحت احتلال شرس ما يزيد على ثلاثة قرون يستحيل عليه ان يناصر هذا الاحتلال, ناهيك عن ان الأخير أطال أمد التخلف ــ بمختلف صنوفه ـ الجاثم على صدر سوريا. من جهة أخرى عصف النصر المصري السهل السريع بهالة هيبة الرعب من حول القوات العثمانية. لذا ما ان تضافرت الدول الأوروبية, ونجحت في دحر حملة ابراهيم حتى أعادت السلطنة العثمانية إلى حكم سوريا, حيث فوجئت هذه السلطنة بالشعب السوري على غير ما عهدته, إذ شب عن الطوق, وازدادت ثقته بنفسه , وطفق يطالب بحقوقه, التي كان حصل على بعضها على يد حملة ابراهيم باشا التي عهدت إلى أهل البلاد بحكم أنفسهم بأنفسهم, عبر مجالس جديدة على السوريين, بل ان ابراهيم باشا واظب على استشارة وجهاء البلاد في أمورها. لقد سبق للحكم العثماني الجائر ان تسبب في اندلاع الكثير من الهبَّات والانتفاضات الفلاحية السورية ضد العسف العثماني, بيد انه بعد حملة ابراهيم أخذت تتبلور تدريجيا حركة وطنية سورية, بادئة بالتعريف عن نفسها, فكريا قبل ان تتطور إلى التعبير السياسي المباشر, حين تأسست في بيروت سنة 1875 أول جمعية عربية سرية, جعلت من مناهضة الحكم العثماني هدفا لها, بعدها أخذت الجمعيات المماثلة في الانتشار في أرجاء شتى من سوريا. على ان الحركة الوطنية السورية استقوت بجماعة (الاتحاد التركي) التي قفزت إلى الحكم في استانبول سنة 1908 فطور الوطنيون السوريون شعارهم الرئيسي (الاصلاح) إلى (النضال من أجل الحكم الذاتي) بعد ان تم تضليلهم بالشعارات الديمقراطية البراقة التي رفعها الحكم الجديد في استانبول, الذي لم يكن أقل تعصبا قوميا عن سلفه, فارتدت الحركة الوطنية السورية محبطة إلى العمل السري حيث تشكلت جمعيات سرية جعلت من الاستقلال عن العثمانيين هدفا لها, وتعزز أمل الحركة الوطنية السورية في الاستقلال بمجرد اعلان الحرب العالمية الأولى سنة 1914, ودخول العثمانيين فيها إلى جانب الألمان. بعد حين أرسل شريف مكة, الحسين بن علي , ابنه فيصل إلى سوريا بهدف استطلاع رأي قادة الحركة الوطنية فيها حول السبيل الذي يجب اتباعه, فكان اجماعهم المعروف على ضرورة اعلان الثورة على العثمانيين, ما دفع الشريف حسين إلى الاعلان, من مكة عن قيام (الثورة العربية الكبرى) , في 10/6/1916 وبعد سنتين وثلاثة أشهر احتلت (كتائب الثورة العربية) مدينة دمشق, وفي أذيال تلك الكتائب جاء جند الحلفاء, يتقدمهم القائد العام البريطاني, الجنرال اللنبي, وسرعان ما تشكلت حكومة عربية مستقلة, في دمشق ترأسها الأمير فيصل بن الحسين في 5/10/1918. لكن الأحداث تسارعت على عكس ما تشتهي الطموحات القومية العربية, وفي اتجاه يفضي إلى تحقيق أطماع الاستعماريين الفرنسيين, التي سبق توثيقها في (اتفاق سايكس ـ بيكو) الاستعماري سيء الصيت, ووجه الجنرال الفرنسي غورو انذاره إلى الأمير فيصل في 14/7/1920 فاستجاب فيصل , وحل الجيش العربي, لكن قوات غورو زحفت إلى دمشق, متذرعة بأن تفاصيل قبول الانذار الفرنسي لم تصل في الساعة التي سبق لغورو ان حددها وكانت (معركة ميسلون) الشهيرة, في ضواحي دمشق بعد عشرة أيام من انذار غورو, ودخلت القوات الفرنسية دمشق في اليوم التالي, وسقطت الحكومة العربية فيها, ورزحت سوريا منذئذ ولزهاء ست وعشرين سنة متصلة تحت نير الاحتلال والانتداب الفرنسيين, تمكنا خلال تلك السنوات من زرع سبب مزمن للخلاف السوري ـ التركي. مسمار الأسكندرونة حين انقشع غبار الحرب العالمية الأولى سنة 1918, تكشف للسوريين ان الاستعماريين الفرنسيين والانجليز قد ضللوهم وغدروا بهم فانقلب العداء التركي ــ السوري إلى تعاطف موجه ضد الاستعماريين المومأ إليهم, على ان العهد لم يطل بهذا التعاطف, ذلك ان الحلفاء عقدوا الهدنة مع الأتراك سنة 1918 قبل ان يتم جلاء الأخيرين عن لواء الاسكندرونة, وسرعان ما بادرت فرنسا إلى مهادنة الاتراك في 30/5/1920 وتخلت لهم عن أراض تركية وعربية. وبعد ان سقط الحكم العربي في سوريا, عقد الفرنسيون (اتفاق أنقرة) مع الأتراك سنة 1920 منح بموجبه لواء الاسكندرونة حكما خاصا, وامتيازات في اللغة والتعليم والادارة, مهدت السبيل لانسلاخه عن سوريا, ومع نهايات سنة 1936, ألحت تركيا على ضرورة بحث مسألة حدودها مع سوريا في اطار (عصبة الأمم) التي قررت ـ بدورها ــ ارسال مراقبين محايدين إلى لواء الاسكندرونة, أما الحكومة السورية فظلت تئن تحت نير الانتداب الفرنسي, مما اضطرها للتواكل, مكتفية بالاتكاء على حق سوريا التاريخي في لواء الاسكندرونة, خاصة وان أربعة قرون من الاحتلال العثماني عجزت عن مسح الطابع العربي عن هذا اللواء. فجأة لاحت في الأفق سحب الحرب العالمية الثانية, مع اشتداد الخطر النازي في ألمانيا, وألحت فرنسا على عقد معاهدة تحالف مع تركيا, التي وظفت هذا الالحاح الفرنسي, فشددت حملتها الدعائية ضد سوريا, بصدد لواء الاسكندرونة بالذات, وردت سوريا بتشكيل جماعات الدفاع عن هذا اللواء, فيما نقلت حكومة ليون بلوم الفرنسية قضية اللواء من ميدانها الحقوقي إلى الميدان السياسي, على ما يذكر السياسي والمؤرخ السوري المعروف نجيب الأرمنازي, فتقدم الأتراك بمشروع يقضي باقامة اتحاد كونفدرالي بين سوريا ولبنان ولواء الاسكندرونة, وبدون تعيين عاصمة لهذا الاتحاد, الذي تحكمه لجنة تنفيذية, متساوية الأعضاء, مع ضمان تركيا وفرنسا لحياد اللواء, والمعاهدة المؤسسة للاتحاد. إلى ان انتهى الأمر, مطلع 1937 بانشاء وحدة منفصلة عن لواء الاسكندرونة, تتمتع باستقلال شؤونها الداخلية, فيما تتبع عملتها وشؤونها الخارجية لحكومة دمشق, ضمن حدود وقيود وتصبح التركية لغة رسمية, ويدير اللواء مندوب فرنسي يختاره (مجلس عصبة الأمم) , الذي سرعان ما أقر النظام والقانون الأساسي للواء (29/5/1937), وتعهدت فرنسا وتركيا بالمحافظة على استقلال اللواء ونظامه الجديد, والتعاون بدفع أي هجوم خارجي عليه, الأمر الذي شجع الأتراك أكثر فأكثر على المضي قدما للاستحواذ تماما على اللواء برمته , مستفيدين من الوضع الدولي المواتي, ومن ضعف سوريا تحت الانتداب الفرنسي, آنذاك, حتى انتهى الأمر بنجاح الأتراك في ضم اللواء إليهم, حيث أطلقوا عليه اسم (هاتاي) . وفي مطلع 1939 وجد وزير الخارجية التركي سراج أوجلو أن الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية بضم اللواء, حيث صمتت فرنسا سعيا لصداقة تركيا, وفعلا عقدت الدولتان فيما بينهما معاهدة تحالف في 23/6/1939 قضت بانسحاب القوات الفرنسية من لواء الاسكندرونة, بعد شهر واحد, وتسليمه للأتراك, بعد ان كان الانتداب الفرنسي عصف بالحكم الوطني في دمشق بأيام قليلة, وأصدر رئيس الجمهورية الفرنسية مرسوما, تنازلت بموجبه فرنسا عن لواء الاسكندرونة لتركيا, قبل أيام قليلة من اندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية, في سبتمبر 1939, ولم تفلح اقتراحات سوريا بتقسيم اللواء, كما سبق ان تأكد مدى عقم بيانات الشجب والاستنكار التي دأبت دمشق على اصدارها. هنا خانت فرنسا الأمانة, بمنحها لواء اؤتمنت عليه إلى قطر لا يستحقه, وبذا تنازلت الأولى عن لحم غيرها لتحقيق أطماعها الذاتية. من جهة أخرى نجحت فرنسا ـ بتنازلها ذاك ـ بزرع مسمار سيظل نازفا في جسم العلاقات التركية السورية, بما طمأن فرنسا على استمرار المشاكل بين الجارتين تركيا وسوريا إلى ما شاء الله. العامل العسكري في الخامس من ابريل 1946 نالت سوريا استقلالها على أنها سرعان ما وقعت فريسة الانقلابات العسكرية المتوالية, بسبب الفساد الحكومي, الذي ألقت عليه هزيمة الجيش السوري في حرب فلسطين سنة 1948 حزمة كاشفة من الأضواء, فكان انقلاب حسني الزعيم في 30/3/1949, أسقطه انقلاب آخر قاده في 14/8 من العام نفسه, سامي الحناوي الذي انقلبت عليه في 19/12/49 مجموعة من ضباط الجيش , يتقدمهم أديب الشيشكلي الذي أطاح به في 26/2/54 انقلاب عسكري قاده ائتلاف وطني تقدمي في الجيش, مما أسلم سوريا إلى ذلك الائتلاف فانزعج الجار التركي, الذي طفق يتهم سوريا بترك الحبل على الغارب للنفوذ الشيوعي فيها, حتى تصاعد الأمر إلى حافة الحرب, خلال عام 1957, ولم يتوقف التهديد إلا بعد ان دخلت سوريا في وحدة مع مصر, وولدت (الجمهورية العربية المتحدة) في 22/2/1958 وحين سقطت هذه التجربة الوحدوية في 28/2/1961, النظام التركي سارع إلى الاعتراف بالنظام الانفصالي في سوريا. المياه ضربت تركيا عرض الحائط بالشرعية الدولية, وما أرسته من ضرورة اتفاق الدول المتشاطئة على توزيع مياه الأنهار التي تمر بها, فأقامت تركيا السدود بدءا من مطلع السبعينات على نهر الفرات, مما هبط بمنسوب مياه هذا النهر في سوريا والعراق, وأخذ في تعطيشهما, وبرغم التراجع النسبي لتركيا في هذا الصدد بعد اتفاق الشقيقين اللدودين, سوريا والعراق, أواسط السبعينات إلا ان تركيا عادت وتوسعت في اقامة السدود على منابع الفرات, مما هدد بضرب التنمية الاقتصادية في سوريا والعراق, عبر شحة المياه وشل مولدات الكهرباء أساسا, وزاد اصرار تركيا في الاستحواذ على مياه الفرات بعد ان لوحت اسرائيل بالاعتماد على المياه التركية , ضمن مشروع (الشرق الأوسط الجديد) الذي أعلنه رئيس وزراء اسرائيل السابق شيمون بيريز مما يهدد بصب الماء على تراكمات الثارات والمحن بين الأتراك والعرب لتشتعل نار حرب جديدة تلتهم الأخضر واليابس. وبعد فإن تخلي دمشق عن حزب العمال الكردستاني لن يحل المشكلة بل ينهي أحد ذيولها, فيما يبقي أسباب التوتر التي تهدد بالانفجار بين وقت وآخر. كاتب وسياسي فلسطيني مقيم بالقاهرة*