تضع مراكز الرصد في العالم التي تعتمد عليها سلطات القرار عدة سيناريوهات للمواجهة السورية التركية التي توشك في خلق بؤرة توتر ساخنة جديدة في منطقة مليذة بمكونات الانفجار وهي كالتالي : 1 ـ يشن سلاح الطيران التركي المعزز في خبراته بالتجارب الاسرائيلية العسكرية مع سوريا سلسلة غارات جوية على المطارات السورية وشبكة دفاعها الجوي لشل قدرة دمشق على الرد, ثم القيام بقصف لما تدعي تركيا انه قواعد تدريب لمقاتلي حزب العمال الكردستاني وذلك سواء داخل الاراضي السورية او سهل البقاع اللبناني خاصة في منطقة قرية حلوه في البقاع الغربي حيث كان الحزب قد اقام في سنة 1980 معسكرا تابعا له قبل ان يقفل المعسكر رسميا في مايو 1992 لتحل به وحدات من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة, مع العلم ان المخابرات التركية تدعي ان قوات حواتمة تغطي بوجودها على استمرار نشاطات حزب العمال الكردستاني. ويفترض هذا السيناريو ان دمشق ستكون مضطرة الى عدم الزج بكامل قواتها في المواجهة على اساس انه يجب عليها الاحتفاظ بجزء من سلاحها الجوي والبري لمواجهة اي تحرك عسكري اسرائيلي ضدها. 2 ــ بموازاة مع الهجوم الجوي الذي قد ترافقه عمليات محدودة في سهل البقاع اللبناني معضدة باستطلاعات الجيش الاسرائيلي وشبكات تشويشية على الدفاعات السورية, يقوم الجيش التركي البري بالتوغل داخل الاراضي السورية على جزء كبير من الحدود المشتركة التي يبلغ طولها 620 كلم (منها قسم مزروع بالالغام يمتد على طول 450 كلم) لاحتلال شريط من الارض بعمق يتراوح بين 25 و30 كلم لينشىء ما سيسميه بمنطقة عازلة على شاكلة الشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان ويفترض هذا السيناريو ان يتم ايقاف اطلاق النار بعد حوالي اسبوع من العمليات العسكرية بقرار من مجلس الامن بعد ان يكون قد تم اضعاف سوريا وارجاع استعداداتها العسكرية لمواجهة عسكرية محتملة مع اسرائيل عدة سنوات الى الوراء. 3 ــ هناك داخل هذا السيناريو عدة فرضيات, منها ان تقدم مصر حليف سوريا على التدخل عسكريا لمساندة دمشق وذلك بارسال جزء من سلاحها الجوي الى منطقة المواجهات وتمدها بالاسلحة والذخائر, وان تستنفر قواتها المسلحة لردع اسرائيل عن التدخل الى جانب تركيا وتستبعد مصادر الرصد احتمال تدخل القوات العراقية لمساندة سوريا. التدخل المصري المحتمل الي جانب سوريا, يحمل في طياته مخاطر وامكانيات في آن واحد للتحالف التركي الاسرائيلي, فهو قد يمكن من اسقاط مصر وسوريا في فخ عسكري يضمن لاسرائيل التخلص من القدرات العسكرية المصرية السورية المتزايدة حتى وان كان السبيل الى ذلك حربا شاملة جديدة في الشرق الاوسط, وهو ما سيسمح في حالة انتصار تحالف انقرة تل ابيب بالقيام باعادة شاملة في رسم خرائط المنطقة العربية. غير ان الوصول الى هذا الهدف ليس مفروشا بالورود ولا هو مضمون, ذلك ان هناك اولا علامات استفهام كثيرة عن قدرة الجيش التركي على خوض حرب نظامية شاملة وهو الذي لم يفعل ذلك منذ حربه مع اليونان في عقد العشرينات, في حين ان الجيش السوري خاض منذ نكبة فلسطين حربين شاملتين ضد اسرائيل وحروبا اصغر عديدة, كما ان سوريا بنت قوة عسكرية ضخمة منذ انتهاء حرب اكتوبر 1973 سعيا وراء تحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل ومن شأن تدخل عسكري مصري ولو محدود الى جانب دمشق ان يحول ما يصوره البعض كنزهة عسكرية في سوريا الى نكبة للجيش التركي رغم تفوقه العددي. 4 ــ داخل هذا السيناريو المعقد لا يتجاهل المخططون الدور الايراني المحتمل, فطهران حليفة دمشق والمنافس اقليميا لتركيا, لا يمكن ان تتحمل عواقب نصر تركي يقوي اسرائيل ويقطع روابط ايران شرقا ويفتح الابواب على مصراعيها مستقبلا لتقسيم اقطار الشرق العربي الى دويلات تجدد الامل في احياء الامبراطورية العثمانية. ايران تملك قوة عسكرية تكاد تكون متساوية من حيث العدة والمدد للقوات التركية وهي متميزة عليها في خبرة الحروب الشاملة والطويلة المدى خاصة منذ حرب السنوات الثماني ضد العراق, كما ان لديها زخما معنويا لايتوفر عليه الجيش التركي الذي يعيش مخاض صراع داخلي منذ سنوات بين العلمانيين الذين يؤمنون ان مستقبل تركيا هو مع اوروبا وبين ما يصطلح على تسميته بالتيار الاسلامي. تعرف الاستخبارات الاسرائيلية والتركية والامريكية ان طهران وضعت مع سوريا منذ سنوات خطة طوارىء لاسناد سوريا عسكريا في حالة مواجهة عسكرية واسعة النطاق مع اسرائيل سواء على جبهة الجولان او في لبنان, وتتضمن هذه الخطة اقامة جسر جوي نحو سوريا لنقل القوات المقاتلة والاسلحة بالاضافة الى الزج باعداد كبيرة من طائرات سلاح الجو الايراني لمساندة نظيره السوري, ويقدر ان الخطط الايرانية تذهب الى حد الزج بحوالي 100 الف من رجالها لمساندة سوريا, اضافة الى ذلك فان تحريك ايران لجزء من قواتها البرية باتجاه الحدود التركية من شأنه اجبار انقرة على معادلة الوضع العسكري وذلك على حساب جهدها العسكري ضد سوريا. وفي حالة مشاركة اسرائيلية مكشوفة في الحرب التركية ضد دمشق فان التدخل الايراني يصبح شبه حتمي. 5 ــ هناك ايضا نقطة استفهام كبيرة تطرح خاصة في الاوساط العسكرية القيادية التركية وهي رد فعل باقي الدول العربية على حرب شبه شاملة بين تركيا وسوريا ذلك ان سندا جويا عربيا من جانب دول تملك اسلحة جوية قوية وحديثة يمكن ان يكبد انقره هزيمة اذا لم يأت هذا الاسناد متأخرا اي قبل ان تتمكن تركيا بمساندة اسرائيلية سواء لوجستيكية او مادية فعلية من تحييد قدرة الدفاع الجوي السوري. 6 ــ السيناريو المخالف للبدائل الحربية هو ان تنجح الوساطات ويتم التوصل الى تسوية دبلوماسية تحفظ في آن واحد ماء الوجه في دمشق وانقره فتعلن دمشق عن اجراءات لمنع اي نشاط لحزب العمال الكردستاني انطلاقا من اراضيها او من لبنان. ويلتزم كل من البلدين باعلان مبادىء ونوايا يخفف من مخاوف دمشق من التحالف العسكري الاسرائيلي التركي, ويفتح الطريق امام حل الخلاف على تقاسم مياه نهر الفرات الذي لا تسمح تركيا حاليا الا بمرور 700 متر مكعب من مياهه في الثانية الى المجرى الذي يعبر الاراضي السورية قبل ان يتجه الى العراق. هذا الحل سيوفر على تركيا خوض حرب مكلفة ومجهولة العواقب, واستعداء العالم العربي في وقت ادركت فيه انقرة رغم استمرار معاندة الكثير من قادتها ان اوروبا ترفض ان يكون بلدهم جزء من الاتحاد الاوروبي وان مستقبل تركيا مرهون بدرجة نجاحها في التعاون مع الدول الواقعة جنوبها. ستمكن هذه التسوية السياسية غير المكلفة الساسة الاتراك من ارسال رسالة الى كل الاطراف التي تساند بشكل او آخر تطلعات الاكراد الانفصالية, ومفادها ان انقرة مستعدة لركوب كل المخاطر لمنع اطراف اخرى من مساندة حزب العمال الكردستاني. هذه الرسالة ستروق كذلك الكثيرين في الوطن العربي خاصة هؤلاء الذين يخشون من الخطط الامريكية البريطانية لتقسيم العراق. الحل السياسي الذين يميلون الى القول ان الحل السياسي مع سوريا سيكون الغالب في نهاية المطاف يبررون ذلك بأن التمرد الكردي ضد انقرة الذي بدأ في سنة 1984 والذي خلف حتى الآن حوالي 32 الف قتيل لا يشكل تهديدا عسكريا حقيقيا لانقرة فجيشها يستطيع التعايش مع هذه الوضعية لسنين طويلة, فالتهديد الحقيقي يأتي من التأييد السياسي والمادي الذي يقدم لهذا التمرد من اليونان بامتدادها الاوروبي خاصة والغربي عامة. يوم الاثنين 28 سبتمبر 1998 حمل نائب رئيس الوزراء التركي بولندا اجاويد في فان (شرق تركيا (على بعض الدول الاوروبية (التي تسعى الى تقسيم تركيا) مؤكدا ان (الذين سيحاولون ذلك سيصابون بخيبة) واضاف اجاويد اني اتوجه الى بعض الدول الاوروبية التي تدعى انها حليفتنا يريدون ان يفرضوا علينا مجددا معاهدة سيفر التي وضعت في سلة مهملات التاريخ) . وكانت معاهدة سيفر التي وقعتها في اغسطس 1920 الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى والامبراطورية العثمانية التي كانت حليفة المانيا تنص على اقامة دولة كردية في جنوب شرق تركيا في حين تحصل اليونان على ساحل بحر ايجة وتوضع اسطنبول تحت اشراف الحلفاء الغربيين. لكن مع انتهاء (حرب التحرير) في تركيا بين 1920 و1922 تمكن مصطفى كمال اتاتورك الذي اسس لاحقا الجمهورية التركية, من خلال معاهدة لوزان الموقعة عام, 1923 من تعديل بعض بنود معاهدة سيفر. ولا تنص معاهدة لوزان على اقامة دولة كردية. ولم يأت اجاويد على ذكر الدول التي يتهمها بالاسم لكن من المعروف انه يعتبر ان الدول الحليفة في تلك الفترة ولا سيما بريطانيا لديها نية في اقامة دولة كردية في شمال العراق الخارج عن سلطة بغداد منذ العام 1991. قبل ذلك يوم الخميس 24 سبتمبر 1998 اتهم اجاويد الولايات المتحدة وبريطانيا بانتهاج سياسة (الخبث) فيما يتعلق بالعراق بعد اعلان التوصل الى اتفاق الاسبوع السابق في واشنطن بين زعيمي الفصيلين الكرديين الرئيسيين في العراق. وقال بصراحة (لسنا مرتاحين لهذا الاتفاق) تحدث الاتفاق الذي اعلن الزعيمان الكرديان العراقيان التوصل اليه في واشنطن عن (فدرالية كردية) في العراق مضيفا ان (سلبيات ستنبثق عن ذلك) من دون مزيد من الايضاحات. وقال (من جهة تتحدث (الولايات المتحدة وبريطانيا) عن حماية وحدة الاراضي العراقية ومن جهة اخرى تتخذ خطوات لتفكيك العراق) . في الوقت نفسه تقريبا انتقد ناطق رسمي تركي الاتفاق مؤكدا انه ابرم دون مشاركة تركيا واضاف بالتالي يجب عدم توقع موافقة تركيا على جميع المطالب التي ستقدم اليها عند تطبيقه. وقد اتفق الجانبان على تسوية خلافاتهما خلال (فترة انتقالية) تنبثق عنها انتخابات مبدئيا في يونيو 1999 لتشكيل (برلمان اقليمي) . وتخشى انقرة من ان يؤدي الاتفاق بين الاكراد في العراق الى اقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق المتاخم لتركيا بحماية واشنطن ولندن. وتعارض انقرة انشاء دولة كردية في هذه المنطقة التي لا تخضع لسيطرة بغداد منذ 1991 وتخشى ان تكو ن مثالا للاكراد المقيمين على اراضيها الذين يقدر عددهم مابين ثمانية و12 مليون كردي. التوسع الاقليمي بديل للحلم الاوروبي المتشائمون تجاه فرص الحل السياسي يقولون ان انقرة انزلقت في المخطط الاسرائيلي تجاه سوريا ودول عربية اخرى, وانها استبدلت حلمها الاوروبي بحلم التوسع الاقليمي في الشرق الاوسط بالتحالف مع تل ابيب, وهي تتطلع الى السيطرة على اجزاء من سوريا وعلى شمال العراق وخصوصا منطقة الموصل وكركوم الغنية بالنفط التي اجبرتها بريطانيا سنة 1926 على الجلاء منها, رغم ان هذه المنطقة شكلت جزءاً من (الميثاق الوطني) الذي وطده اتاتورك عام 1919 راسما حدود الجمهورية التي كان يطمح الى اقامتها. ويضيف هؤلاء ان هذا التخطيط يتلاءم على الاقل مرحليا مع اهداف امريكا لتقسيم العراق واضعاف سوريا التي تشكل شوكة في جانب الخطط الامريكية لتسوية سياسية في الشرق العربي بالمواصفات الاسرائيلية, بالاضافة طبعا الى انه سيريح تركيا من مطالب دمشق باستعادة لواء الاسكندرونة السوري, وتحقيق تقاسم عادل لنهر الفرات. صحفي مصري مقيم في الرباط من اسرة (العلم) المغربية*