بلا مقدمات فوجىء الجميع بالتصعيد التركي الخطير ضد سوريا والذي تمثل في حشد القوات التركية على الحدود السورية والانذارات والتحذيرات واستعراض القوة الذي لاينتهي, بحجة ان سوريا تقوم بمساندة حزب العمال الكردستاني لانه يسبب القلاقل للحكومة التركية. هذا التصعيد الذي اصبح شبح الحرب يخيم معه مرة اخرى على المنطقة التي لم تذق في يوم من الايام طعم الاستقرار (الملف السياسي) التقى السفير احمد بن حلى الامين العام المساعد للشؤون العربية بجامعة الدول العربية في محاولة لالقاء الضوء على الاسباب الحقيقية لهذا التصعيد, وعلاقته بالتحالف الامريكي التركي الاسرائيلي, وموقف جامعة الدول العربية منه اضافة الى احتمالات قيام تركيا بعمل عسكري ضد سوريا. - في تصوركم هل التصعيد التركي الحالي ضد سوريا يعود الى مزاعم المساندة السورية لحزب العمال الكردستاني.. ام ان هناك اسبابا اخرى؟ ــ لا أعتقد ان موضوع حزب العمال الكردستاني والمساندة السورية له هي التي ادت الى هذا التصعيد الخطير.. وخاصة ان هذا الموضوع مطروح على الساحة منذ حوالي 14 عاما, ولكنه لم يتطور ابدا ويطرح بهذه الحدة وهذا الاستفزاز الا هذه المرة, وفي اعقاب تكوين الحلف العسكري التركي الاسرائيلي, واذا كانت تركيا لديها بعض المآخذ على السلوك السوري فيما يتعلق بدعمه لحزب العمال الكردستاني فقد اعلنت سوريا مرارا وتكرارا انها مستعدة لفتح حوار مباشر مع تركيا في كل ما من شأنه ان يؤدي الى وجود علاقات طبيعية وجيدة بين البلدين ولكن الملاحظ ان تركيا لم تستجب الى المطلب السوري على طول الخط, المشكلة الرئيسية ليست في حزب العمال الكردستاني ولكن في قضية المياه والتي اصبحت تمس العلاقات العربية التركية في مجملها وهذه القضية يتم طرحها بشكل دائم على جدول اعمال الجامعة العربية بهدف التوصل الى حل لها في اطار الحوار الاخوي والمصلحة المشتركة التي تربط الدول العربية بتركيا, وقد حرصت الجامعة العربية في كل قراراتها على ان تدعو الى شيئين فيما يتعلق بموضوع المياه الاول: دعوة الحكومة التركية الى الدخول في مفاوضات ثلاثية مع كل من سوريا والعراق للتوصل الى اتفاق نهائي لتقسيم عادل للمياه يضمن حقوق البلدان الثلاثة ووفقا لاحكام القانون الدولي, والآخر الدعوة الى ضرورة الاتفاق المسبق بين تركيا وكل من سوريا والعراق حول استخدام نهري دجلة والفرات وفق ما تفرضه احكام القانون الدولي والمعاهدات والبروتوكولات الموقعة بينهم, لان هناك ضررا بالغا تعاني منه كل من سوريا والعراق سواء في وقف تحويل المياه او قيام تركيا بضخ مياه ملوثة اليهما. ورغم هذه الجهود التي تبذلها الجامعة وحرص الدول العربية على وجود علاقات طيبة مع تركيا فإنها لم تحاول ايجاد حل لمشكلة المياه وتنذرع بموضوع حزب العمال الكردستاني لايجاد حالة من التوتر في المنطقة لخدمة أطراف اخرى. مخاطر التحالف الاسرائيلي التركي هذا يدعونا الى التساؤل هل هذا التصعيد يعتبر أولى الثمار التي نتجت عن التحالف التركي ــ الاسرائيلي؟ كنت من اوائل الذين تحدثوا عن مخاطر التحالف الاسرائيلي التركي وحذرت في عام ,96 وبمجرد الاعلان عن قيام هذا التحالف من أبعاده الخطيرة جدا على المنطقة لأنه يختص بموضوعات عسكرية وتكنولوجيا عسكرية متقدمة وقلت وقتها ان اسرائيل اتفقت مع تركيا على أن تزودها بالتقنيات العسكرية الامريكية الحديثة جدا التي لا يمكن لها ان تحصل عليها مباشرة من الجانب الامريكي لان الكونجرس سيعترض على ذلك, في مقابل ان تكون تركيا مفتاحا لاسرائيل على الدول الاسلامية في آسيا الوسطى التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي قبل تفككه, هذا التحالف مهما حاولت تركيا ان تخفف منه وتغطي عليه, له أبعاده الخطيرة على المنطقة وعلى استقرارها وأعتقد أنه يشتمل على الكثير من البنود والاتفاقيات السرية التي لم يكشف عنها بعد. دور محوري في المنطقة هل هذا يعني أن تركيا لا تعبأ كثيرا بمصالحها الكثيرة التي تربطها بالدول العربية في سبيل ارضاء المصالح الاسرائيلية؟ لكي نتحدث عن هذه النقطة لابد ان نعود بالذاكرة الى الوراء بعض الشيء.. فلا شك أن تركيا لعبت دورا أساسيا بالنسبة للصراع بين الشرق والغرب أبان فترة الحرب الباردة وكانت بمثابة الجدار الذي يحول دون وصول روسيا الى المياه الدافئة على البحر المتوسط وكانت خلال هذه الفترة تستفيد من وجود علاقات متميزة لها مع الولايات المتحدة الامريكية.. وتركيا هي الدولة الوحيدة غير الأوروبية التي استفادت من مشروع مارشال عام ,47 وقد فقدت تركيا هذا الدور عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. وهذا جعلها تبحث عن دور اقليمي محوري لها في المنطقة.. ووجدت في اسرائيل ضالتها المنشودة وأرادت من خلال تحالفها معها أن تبعث برسالة الى الولايات المتحدة مفادها انها مازالت دولة محورية ويعتمد عليها في حماية المصالح الغربية في المنطقة, ليس هذا فحسب ولكن تقوم تركيا ايضا باللعب بورقة الصراع الحضاري والثقافي المنتظر بين الاسلام والغرب وتحاول دائما ان تثبت للغرب أنه يمكن أن يكون لها دور في ضرب اي تنامي للدور الاسلامي وهذا يوضح ما تقوم به من اجراءات ضد الاحزاب الاسلامية التركية, الغريب ان تركيا تفعل ذلك وتنسى تاريخها المشترك مع الدول العربية والذي يمتد لاكثر من 12 قرنا كاملة, وتنسى التراث الحضاري المشترك بينها وبين الوطن العربي فهناك نحو300 الف مخطوط عربي في تركيا, فقد كان المفروض أن ينشأ عن هذه العلاقات التاريخية والحضارية علاقات عربية تركية مستقرة ولكن نفاجأ بهذا التصعيد وهذا التنصل التركي من محيطه الاقليمي والعربي.. وفي اعتقادي يجب على تركيا ان تحسبها جيدا وأن تقيم بشكل موضوعي الثوابت الاساسية والروابط التاريخية مع الوطن العربي وأن تضع في اعتبارها ان مصالحها مع الدول العربية وليس مع اسرائيل فيكفي ان نقول هنا ان حجم التجارة التركية مع الدول العربية يتجاوز خمسة مليارات دولار سنويا.. في حين أنه مع اسرائيل لا يتعدى 600 مليون دولار فقط.. وأعود فأوكد ان المصالح الحقيقية لتركيا تتحقق بوجودها بالقرب من الجانب العربي وليس مع اسرائيل وهذا الأمر يجب ان تعيه القيادات التركية جيدا. تهدئة الأوضاع المتوترة - ما هو المطلوب من الولايات المتحدة الامريكية بالنسبة للتصعيد التركي الحالي وخاصة أنها مرتبطة بعلاقات جيدة معها ويجمعهما حلف الناتو؟ ــ من مصلحة الولايات المتحدة الامريكية تهدئة الاوضاع المتوترة وبذل ما في وسعها من تحقيق هذا الغرض لانها الدولة الراعية لعملية السلام والتي تعاني حاليا من سياسة نتانياهو المستفزة, فالمنطقة ليست في حاجة لاي توتر او تصعيد, والمطلوب من الولايات المتحدة الامريكية ان تكثف جهودها على مسارين الأول ان تقوم بالضغط على اسرائيل التي تحاول اشعال النار برغم أنها تحاول دائما الظهور بمظهر الحمل الوديع الذي لا يضر, والثاني في اتجاه تركيا بأن تضغط على القيادات العسكرية هناك للتخفيف من حدة التوتر الموجودة حاليا لان هذا لن يخدم عملية التسوية, وهذه القيادات لا اعتقد انها درست كل الابعاد المترتبة على الاقدام بمغامرة الاعتداء على سوريا ويجب ان يدركوا جيدا انه اذا كانت تركيا تستفيد في الوقت الراهن من الوضع الاستثنائي في شمال العراق والتي اجتاحته تركيا بقواتها وخلقت حدودا جديدة, فليس هناك مقارنة بين ذلك وبين الاقدام على مغامرة التصعيد النهائي ضد سوريا. - ونأتي الى الدور الذي يمكن ان تلعبه جامعة الدول العربية في احتواء هذه الازمة؟ ـ الجامعة العربية على اتصال بالحكومة التركية عن طريق الرسائل التي يوجهها الامين العام الدكتور عصمت عبدالمجيد من حين لآخر وعن طريق سفير تركيا في القاهرة والذي يستقبله الامين العام بواقع مرتين كل شهر ويتحدث معه بشكل اخوي حول جميع القضايا التي تؤدي الى تعكير جو العلاقات العربية التركية ودائما يحرص الامين العام على ابلاغ الاتراك ضرورة ان يقوموا بتسوية الموضوعات المعلقة بينهم وبين الجانب العربي وحتى لا تثار المشكلات بينهم لان ذلك ليس من مصلحة تركيا وعموما لقد اصدرنا بيانا دعونا فيه لضبط النفس و محاولة حل المشكلات عن طريق التفاوض السلمي ونقوم حاليا باجراء الاتصالات ودعم التحرك الدبلوماسي الذي يقوم به الرئيس المصري حسني مبارك باعتباره رئيسا للقمة العربية من اجل ازالة هذا التوتر الذي نجم عن التصريحات والتهديدات التركية وقيامها بحشد القوات على الحدود السورية... ونتطلع ان تبذل جهود عربية اخرى مع تركيا لحل هذه الازمة بالوسائل السلمية. مطلوب وقفة عربية - هل هناك علاقة بين الواقع الصعب الذي تمر به الامة العربية حاليا وبين التصعيد التركي؟ ـ لا شك ان الوضع الصعب الذي تمر به الامة العربية الآن هو الذي جعل تركيا تقدم على القيام بمثل هذه الاستفزازات دون مراعاة لكل مايربطها بالوطن العربي او لردود الفعل العربي التي يمكن ان تنتج من حال اقدام تركيا على القيام بعمل عسكري ضد سوريا لقد آن الآوان لوقفة عربية ولمراجعة مسؤولة على مستوى قومي للموقف العربي في ابعاده العربية / العربية وفي ابعاده العربية مع دول الجوار وابعاده العربية الدولية. انه لمن المحزن ان تأتي تركيا في هذا التوقيت التي كنا نرجو ان تساند العرب في قضاياهم وخاصة فيما يتعلق بقضية القدس الذي يتعرض لأخطر مرحلة خاصة بعد قرار الكونجرس بنقل السفارة الامريكية الى المدينة المقدسة العام المقبل... في هذا التوقيت تأتي تركيا لتخلق بؤرة توتر جديدة في المنطقة تمس الامن القومي العربي سواء عن طريق اكتساحها لشمال العراق او تهديدها الحالي لسوريا. - اخيرا... في اعتقادكم هل تقدم تركيا على شن هجوم عسكري ضد سوريا؟ ـ اعتقد ان تركيا ستقدم على خطأ فادح اذا سولت لها نفسها ضرب سوريا بأي شكل من الاشكال او في اي موقع من المواقع لان سوريا ليست العراق الذي يعاني من حصار مستمر منذ سنوات وله اوضاع استثنائية كما اعتقد ان رد الفعل العربي سيكون متضامنا الى اقصى درجة مع الموقف السوري ودعمه في كافة المجالات ولهذا اتمنى الا تندفع تركيا الى هذا المنزلق الخطير الذي لن يستفيد منه الا اسرائيل وليس تركيا او الشعب التركي. القاهرة ــ مكتب (البيان) اجرى الحوار: صالح الفتياني