فوجئت سوريا مثلما فوجئ العرب بالتصعيد التركي ضدها, فبدون اي سبب مباشر تنافس كبار المسؤولين الاتراك العسكر والساسة على اطلاق تصريحات وتهديدات ضد سوريا . ويبدو ان رئيس وزراء تركيا (مسعود يلماظ) قد اخذ الضوء الاخضر لمثل هذا التصعيد اثناء زيارته الاخيرة لاسرائيل. فقد مهد لهذا التصعيد الاخير باطلاق تصريحات في الاردن ومنطقة الحكم الذاتي الفلسطيني والقدس ضد سوريا دون اي مبرر. وكان يظن انها مجرد تصريحات اعلامية لارضاء اسرائيل, لكن الرجل ما ان عاد الى بلاده وابلغ القيادة العسكرية والسياسية بنتائج زيارته, حتى انفجرت تهديدات ضد سوريا, دون ان يكون هناك اي تطورات في المنطقة او مستجدات تبرر مثل هذا التصعيد الخطير!! دعوة للحوار كانت سوريا ولاتزال, ومنذ ان برزت خلافات حول اقتسام مياه نهر الفرات, ومنذ ان بدأت تركيا تتهم سوريا بدعم حزب العمال الكردي, تدعو جارتها تركيا الى حل الخلافات العالقة بالحوار بهدف حصر نقاط الخلاف والبحث عن حلول عملية لتجاوزها, وذهبت سوريا الى ابعد من ذلك عندما دعت الى استئناف عمل اللجان المشتركة المختصة بمناقشة القضايا الثنائية الامنية وغيرها, وبخاصة ان لدى البلدين تجربة ناجحة على هذا الصعيد في الثمانينات, حيث كانت الاتصالات الثنائية تجرى على مستويات رفيعة وبصورة دورية ومنتظمة قبل ان تقطعها تركيا فجأة وبلا اسباب معلنة سوى الذريعة نفسها: الفرات وحزب العمال الكردستاني!! وقد استغرب مسؤول سوري ان يتزامن التصعيد التركي مع تصعيد التعاون العسكري مع اسرائيل في تحالف كشف رئيس الحكومة الاسرائيلية مؤخرا اغراضه واهدافه الحقيقية, في اعادة الشرق الاوسط الى سياسة الاحلاف والمحاور التي رفضتها شعوب المنطقة. تهديد خطير لأمن الدول العربية والاسلامية وتسعى تركيا في نزاعها مع سوريا الى تحييد هذا النزاع للاستفراد بسوريا, كي تتمكن من املاء شروطها المتطابقة مع الشروط الاسرائيلية ان لم تكن هي نفسها: ومن الغريب ان يتوقع المسؤولون الاتراك ان تبقى سوريا لوحدها وهي تتلقى التهديد والوعيد سواء من اسرائيل او من تركيا او من اي بلد اخر يسعى الى زعزعة استقرار المنطقة, وقد وصل الاستخفاف بتركيا الى قيام رئيسها والكثير من مسؤوليها بزيارات الى دول عربية واسلامية صديقة لسوريا لاقناعها بان الموضوع شأن تركي ـ سوري بحت, وان التحالف التركي ـ السوري ليس موجها ضد اي دولة في المنطقة بما فيها سوريا!! لقد بدت الصورة واضحة الان فتركيا تسعى الى افتعال نزاع مع سوريا يخدم الاهداف الاسرائيلية, وهي في سعيها الحثيث الى تصعيد وتوتير العلاقات التركية ـ السورية لا تقيم وزنا واعتبارا للامتين العربية والاسلامية وكأنها جاهلة او تتجاهل التاريخ العربي!! وعلى الرغم من محاولات تركيا المستمرة لجر سوريا الى ساحة صراع لا احد يعرف نتائجه وذيوله المدمرة, فان سوريا لم تثرها هذه التهديدات والتصريحات ولم تنزلق الى ما يخطط له الحلف التركي ـ الاسرائيلي, ولاتزال تسعى الى تطويق الخلافات الثنائية وعدم تصعيدها الى ما يخدم الهدف الاسرائيلي, لانها ترى ان هذه الخلافات تحدث بين اي جارين ويمكن حلها بالوسائل السياسية والدبلوماسية, ولاتزال تحاول مع العرب اقناع تركيا ان الحلف او التحالف مع اسرائيل هو تهديد خطير لان الدول العربية والاسلامية. ذرائع لا تستند الى وقائع واذا كانت تركيا تتهم سوريا بانها تدعم حزب العمال الكردي الذي يقوم برأيها بأعمال ارهابية داخل تركيا فان حماية الحدود التركية ليس شأناً سورياً بل هو شأن تركي, ثم ما هي مصلحة سوريا في دعم مجموعات معارضة لتركيا؟! هل لدى سوريا اطماع في تركيا حتى تقدم مثل هذا الدعم؟! ان سوريا وكما اعلنت مرارا تسعى الى امن واستقرار المنطقة, ومن يسعى الى مثل هذا الهدف ويدعو اسرائيل الى اقامة سلام دائم وشامل وعادل في المنطقة لا يتدخل بالشؤون الداخلية لاي بلد من بلدان المنطقة, فكيف اذا كان هذا البلد جار مسلم تربطها به علاقات تاريخية متشعبة تمتد اكثر من خمسة قرون!! ثم وهذا الاهم فان هناك دولا كثيرة تدعم الاكراد بالمال والعتاد, وتستضيفهم على اراضيها ويمارسون معارضتهم ضد تركيا فيها, فلماذا لم تحرك تركيا ساكنا وتطلق التهديدات والتلويح بالقوة ضد هذه الدول اذا كان الشأن الكردي هو السبب الحقيقي للخلاف والنزاع التركي ـ السوري؟!! وها هي الولايات المتحدة ترعى مصالحة اسم فصيلين كرديين مما رسم علامات تعجب واشارات استفهام وتساؤلات عن الاهداف الحقيقية لهذه المصالحة, وهل هي تمهيد لاقامة دولة كردية على حدود تركيا؟!! لم تحرك تركيا ساكنا ضد الولايات المتحدة وتوبيخها على مثل هذا العمل, مما يؤكد انها مجرى ذرائع لا تستند الى وقائع بديل ان التصعيد والتلويح باستخدام القوة ضد سوريا جاء بعد الحلف العسكري التركي ـ الاسرائيلي فهو الاساس والمستند منذ التوقيع على هذا الحلف لاي تحرك تركي في المنطقة, وهو قطعا لن يكون تحركا لخدمة الامن والاستقرار!! كما ان الخلاف بين سوريا وتركيا ليس جذريا حول مياه الفرات فهذه المسألة كانت على الدوام مثار خلاف في السنوات الماضية, وجرى اتفاق حول تمرير حصة سوريا والعراق من الفرات, وتدعو سوريا تركيا الى عقد اتفاقية بموجب القانون الدولي لاقتسام مياه الفرات, فهل يستدعي هذا الخلاف الى مثل هذا التصعيد المفاجئ الا اذا كانت اسرائيل هي اللاعب الخفي, وكلنا يعرف اطماعها في النيل والفرات!! لا خلاف جذري الا بسبب الحلف العسكري ان الخلاف الاساسي والجذري بين سوريا والعرب, وبين تركيا هو الحلف العسكري التركي ـ الاسرائيلي, وكانت سوريا هي اول من ادرك مخاطر هذا الحلف على الدول العربية والاسلامية, واول من دعا تركيا الى العودة عن هذا الحلف, والاهتمام بتطوير علاقاتها مع الشعبين العربي والاسلامي, وهل هذا الامر هو الذي اثار حفيظة اسرائيل اولا وحفيظة تركيا ثانيا لأنهما صوّرا الحلف مجرد تعاون امني اقليمي لرفاة واستقرار المنطقة وليس لزعزعتها واعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة. صحفي سوري*