شهد اللقاء المفتوح الذي عقده جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان في سيح الطيبات بولاية صحم, وهو اول لقاء مفتوح مع شيوخ وأعيان ووجهاء ومواطني منطقة الباطنة ومحافظة مسندم طرح عدد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي ناقشها السلطان قابوس مع مواطنيه خلال الجولة السنوية التي يقوم بها في الولايات والتي بدأت يوم 29 سبتمبر الماضي. وفي كلمة السلطان قابوس التي بدأ اللقاء بها ركز على ما يتصل بأهمية وضرورة تشجيع الابناء على العمل في مختلف المهن والأعمال دون تأفف او تقاعس, بل الاقبال على الاعمال المتاحة للحد من العمالة الوافدة غير الضرورية. وفي حين اعرب السلطان قابوس عن ارتياحه لما بذلته الحكومة والقطاع الخاص في مجال العمل الا انه اكد تطلعه للمزيد من الجهود وقال (اثمرت هذه الجهود حقيقة الى حد مريح ولا اقول الى حد مرض ولكن الحد المريح مرض.. نحن نريد ان تتكاتف الجهود اكثر حيث وصلنا الى حد مريح, الى بداية حسنة ولكن لا بد من الاستمرار والحث على ان العمل عبادة وعلى ابنائنا من الشباب الا يتقاعسوا في الانخراط في اي مهنة او عمل يدر عليه دخل مهما كان ذلك الدخل) . واشار السلطان قابوس الى قطاع المقاولات باعتباره قطاعاً هاما فيه الكثير من فرص العمل وقال:(هذا القطاع هو القطاع الذي لا يزال يستحوذ على الكثير عن العمالة الوافدة والتي يمكن ان تستوعب الكثير من اليد العاملة الوطنية) . وفي مسعى من السلطان قابوس لتشجيع الشباب العماني على الاقبال على العمل في قطاع المقاولات فقد عمد في حديثه الى تذكير الشيوخ والاعيان والوجهاء بأن العمانيين كانوا دائاً يعتمدون على انفسهم في انجاز اعمالهم سواء كانت اعمال بناء المنازل او الزراعة او ركوب البحر والصيد او غيرها وقال (العماني منذ الازل.. منذ ان وجد على هذه الارض وهو يعمل حقيقة.. يعمل في الحقل يعمل في البحر في كل المجالات) وتساءل..(لماذا هذا التقاعس) هذا ليس بالشيء الطيب ابداً ليس بالشيء الطيب وكلما نشطنا جميعاً وعملنا في المجالات المختلفة كلما حققنا الخير لانفسنا ولبلادنا) . تأثير قوي من المؤكد ان حديث السلطان قابوس حول العمالة يعكس اهتماماً واسع النطاق بما يتعلق بعملية التعمين ومحاولة دفعها للامام خاصة في المجالات التي يمكن فيها قطع خطوات ملموسة وبالنظر لما يتمتع به السلطان قابوس من مكانة خاصة لدى مواطنيه, فإن حديثه حول قضية العمل وتوجيه هذا الحديث الى الشيوخ والاعيان والوجهاء والى كل المواطنين من خلالهم يجد صدى كبيراً ومباشراً الى حد كبير وعلى نحو يتجاوز حتى فاعليته وتأثيره اية وسائل أخرى. وفي حين تباشر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والتدريب المهني عدة برامج في مجال تأهيل وتدريب العمالة الوطنية العمانية وزيادة عدد المهن المقصور العمل فيها على المواطنين العمانيين وآخر المهن في هذا المجال مهنة سائقي باصات المدارس وسيارات نقل الركاب, فإن عدد العمالة الوطنية في القطاع الخاص بلغ خلال الشهور السبعة الاولى من هذا العام 40830 عاملاً في حين بلغ عدد العمالة الوافدة في نفس القطاع في نهاية يوليو الماضي 498129 عاملاً. جدير بالذكر ان عدد العمالةالوافدة في قطاع المقاولات والتشييد والبناء بلغ 170204 عمال وهو ما يشكل ما يزيد على 34% من عدد العمالة الأجنبية في السلطنة ويفسر ذلك اهتمام السلطان قابوس بهذا القطاع القادر على استيعاب اعداد كبيرة من العمالة الوطنية. من جانب آخر اشارت الاحصاءات الى ان 305208 عمال من اجمالي العمال الاجانب لم يكملوا دراستهم الابتدائية ويشكل ذلك اكثر من 60% من العمالة الوافدة, ويعني ذلك أن هذا العدد الكبير من العمالة يقوم بأعمال لا تتطلب اية مهارات خاصة ومن ثم يمكن احلالها بالعمالة الوطنية باستثناء مهنة خدم المنازل. واشار السلطان قابوس الى نقطة أخرى لها علاقة بالعمالة الوافدة وهي الاموال التي تحول الى الخارج عن طريق الايدي العاملة غير الضرورية وقال (هناك ايد عاملة ضرورية .. كل العالم لايستغني عن ان تكون لديه عمالة من اقطار أخرى أو أجناس أخرى وحتى العماني نفسه يخرج الى بلدان أخرى ويعمل فهذه امور متبادلة بين الاقطار والشعوب وهذا ليس بعيب لكن ان تبقى العمالة بالحد الذي هو في الحقيقة غير ضروري ابدا ونحن في غنى عن البعض فلماذا هذا؟) . وفي ضوء ذلك فانه من المنتظر ان تنشط بشكل اكبر حملات التفتيش عن العمالة الوافدة وهي الحملات التي بدأت بعد انتهاء المهلة التي اعطيت للعمالة الوافدة لتسوية اوضاعها أو مغادرة البلاد وهو ما يتم بهدوء. التجارة المستترة والعولمة القضية الأخرى الهامة التي تناولها السلطان قابوس في حديثه الى الشيوخ والأعيان في لقائه بسيح الطيبات هي المتصلة بالقضايا المستترة والتي تتمثل في قيام عمال اجانب بادارة تجارة كفلائهم العمانيين لحسابهم الخاص مقابل عائد محدد, وقال السلطان قابوس بن سعيد ان التجارة المستترة (عبء على المواطن وعبء على البلد وقد تكون كما يقولون في المدى القصير البعض يكسب من ورائها ولكن في المدى الطويل تسبب في الحقيقة خسارة على البلد وهذا ليس بالشيء الطيب) وقد حث السلطان قابوس العمانيين على العناية بتجارتهم وعدم ترك الحبل على الغارب للوافد تجنبا للعديد من السلبيات. وفي إشارة سريعة ولكن ذات دلالة تحدث العاهل العماني عن الظروف الاقتصادية التي يشهدها العالم في هذه المرحلة والتأثر والتأثير المتبادل بين اسواق الاوراق المالية في مختلف مناطق العالم في ظل العولمة التي تعني ان العالم اصبح كتلة واحدة (وعلينا ان نكون دائما يقظين للجوانب السلبية وهذا بلا شك من واجبات الاجهزة المعنية في هذا البلد تقييم الامور وتعمل ما هو واجب عليها في هذا الشأن) .. وطمأن السلطان قابوس مواطنيه بقوله: (اطمئنكم ان الجهات المعنية هي دائما ترصد وتراقب هذه الامور) من جانب آخر اكد السلطان قابوس على أهمية القطاع الصناعي باعتباره (هو المستقبل) ومن ثم ضروة تشجيعه وفتح الاسواق أمامه. سياحة ولكن وفيما يتصل بالسياحة تحدث السلطان قابوس عن أهمية السياحة وتنوع وتعدد مراكز ومناطق الجذب السياحي ليس فقط في محافظة ظفار وفصل الخريف ولكن ايضا خلال الشتاء في مسقط والباطنة وغيرها, واكد السلطان قابوس على اهمية وضرورة تنشيط السياحة الداخلية ودراسة (ان تكون هناك سياحة خاصة بالقطاع الشبابي وتكون ميسرة لهم حتى لاتكون عبئًا ايضا على جيوبهم وسوف تكون هناك اماكن تجريبية وسوف نرى النتائج) واشار في حديثه لشيوخ واعيان الباطنة ومسندم الى ان السلطنة كعادتها بالنسبة لاستراتيجية تنشيط السياحة لاتريد سياحة مطلقة أو سياحة مفتوحة ولكنها تريد أن تكون السياحة منتقاة, بمعنى أن تكون سياحة مجموعات, وسياحة مؤتمرات وسياحات أخرى رياضية وتاريخية ودينية وغيرها. وقال السلطان قابوس: (ان قطاع السياحة في البلاد بدأ يتنامى ان هذا شيء طيب ... نحن بدون شك لا نشجع السياحة المطلقة .. وانا شخصيا رأيت بعض البلدان فيما مضى كيف كانت وكيف أصبحت من الناحية الاجتماعية .. لا شك ان هناك آثارا لكن السياحة بمفهومها المدروس وبمفهومها الاقتصادي لاشك انها طيبة) وكشف السلطان قابوس عن وجود تخطيط لانشاء قرى سياحية ومناطق سياحية خاصة فيما يتصل بتشجيع السياحة الداخلية. جدير بالذكر ان السلطان قابوس اشار الى انه سيتم انشاء جامعتين أهليتين أو ثلاث من اجل استيعاب مزيد من الشباب للدراسة داخل السلطنة بدلا من الدراسة في الخارج لتجنب سلبيات ذلك, كما دعا الى أهمية الاستجابة للمتغيرات الجارية من حولنا لمواكبة حركة التطور حتى (لانتقوقع ونبقى في عالمنا الماضي) ومن ثم دعا السلطان قابوس الى المواءمة بين افضل ما في الماضي اخلاقيا واجتماعيا وتراثيا مع الأخذ بما تطرحه حركة التطور والتقدم في العالم من حولنا ويعتبر هذا التوجه توجها مستمرا يحرص عليه السلطان قابوس منذ توليه الحكم في عام 1970. اهتمام خاص بكل مواطن وفي حين تحدث السلطان قابوس الى الشيوخ والأعيان والوجهاء والمواطنين الذين تجمعوا في المخيم السلطاني حيث اصطفوا على ارائك حول السلطان قابوس وامامه, ظلت اريكة خالية امام السلطان قابوس مباشرة يتوافد اليها المواطنون من اجل الحديث الى السلطان قابوس بشكل مباشر وانعكست هذه الحوارات وتلك الاحاديث في شكل ابتسامات واشارت خلال حديث السلطان قابوس وتلقيه بعض الرسائل التي يحملها بعض المواطنين, وعادة ما يتم بحث هذه الرسائل ودراستها والتعامل معها باهتمام شديد. ويواصل السلطان قابوس جولته السنوية في ولايات سلطنة عمان وهي الجولة التي تمثل مناسبة لعقد العديد من اللقاءات المباشرة بين السلطان قابوس ومواطنيه حيث يتم تناول العديد من القضايا وعلى نحو يسمح ليس فقط بتفقد احوال المواطنين ومعايشتهم في اماكنهم وعلى الطبيعة ولكن ايضا اتاحة الفرصة لتعريف المواطنين بشكل اكبر واوسع بجهود الحكومة واولوياتها وبرامجها وفتح المجال امام المواطنين للاسهام على نحو أعمق وأكثر فاعلية في ادارة وتوجيه عملية التنمية عبر مايطرحونه من اراء وافكار حول القضايا والموضوعات التي تطرح للمناقشة أو يتم تبادل الرأي حولها. مسقط ــ د. عبدالحميد الموافي