اكد الدكتور وليد عربيد استاذ الجغرافيا السياسية في معهد الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في باريس والاستاذ في جامعة باريس الخامسة وأحد الخبراء العرب البارزين في الشؤون التركية ان تركيا تحاول حجب الانظار عن وضعها الداخلي بالبحث عن دور خارج حدودها, وتتطلع الى ان يكون لها دور اقليمي ودولي . واشار الى ان تركيا عمقت تحالفها مع اسرائيل لمعطيات تدخل في صلب سياستها الدولية ومنها الانضمام الى الاتحاد الاوروبي وتحديث اسلحتها الحربية والتأكيد على هويتها الغربية وخصوصا الفكري العسكري فيها اضافة الى ان اليمين المتطرف التركي يحاول انقاذ اليمين المتطرف الاسرائيلي. وقال الدكتور عربيد في حديث لــ (الملف السياسي) ان فرنسا تتحمل قسطا مما يحصل اليوم على الحدود التركية السورية, وازاء التطورات الجارية فان فرنسا والاتحاد الاوروبي سيعملان على تجميد نيران الأزمة لان شرارتها قد تمتد الى الجسم الاوروبي وتطال مصالحه. وفيما يلي نص الحوار: - ما رأيك بالتهديدات التي تطلقها تركيا بعزمها على القيام بتحرك عسكري ضد سوريا؟ -- في ظل التناقضات تحاول تركيا حجب الانظار عن وضعها الداخلي بالبحث عن دور خارج حدودها وتتوجه تركيا لان يكون لها دور اقليمي ودولي لامتصاص النقمات الداخلية من تضخيم اقتصادي والحرب مع الأكراد تكلفها كثيرا. - ما هي رؤية الولايات المتحدة للدور التركي؟ -- الامريكيون هم الذين لديهم نظرة تجاه الدور التركي الجديد في المنطقة وهو ان تكون انقرة أداة اميركية متحالفة مع اسرائيل للضغط على الدول التي مازالت مستعصية على امريكا في الوقت الحاضر. هناك ثلاثة مراكز استراتيجية في المنطقة هي: تركيا وايران ومصر, وكل منها تستند الى قاعدة شعبية وبعد استراتيجي, وتركيا وايران قوتان رئيسيتان اقليميان. والواقع ان صراع المركزين على جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية لم يعد سرا, والصراع كبير بغية السيطرة على جمهوريات تركمنستان, اذربيجان واوزبكستان, وخاصة ان مخزون بحر قزوين من النفط يفوق بكثير ما كان متوقعا. وتعتبر ايران من جهتها بان التحالف التركي ـ الاسرائيلي موجه ضدها بالدرجة الاولى لانه تحت مظلة امريكا وتخشى من ضربة امريكية. - هل تعتقد بان التحالف الاسرائيلي ـ التركي هو تحالف على المدى القصير ام غير ذلك؟ -- الواقع ان العلاقة التركية ـ الاسرائيلية لها ابعاد استراتيجية عسكرية وتقنية, وهو تحالف على المدى القصير كما تفضلت لان التناقض لن يلبث ان يظهر بين القوتين. التحالف ليس بين شعبين بل بين مؤسستين عسكريتين: المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ملتزمة التزاما كاملا بالشعب اليهودي الاسرائيلي, بينما المؤسسة العسكرية التركية تعاني من تناقضات القوى السياسية التي تفرض نفسها والجيش التركي هو حامي النظام العلماني وليس حامي الديمقراطية والدليل على ذلك هو حل حزب الرفاة وهو قرار مناقض للدستور. - مصر وتركيا وايران تشكل ما يطلق على تسميته بــ (المثلث الديمجرافي الضخم) , تحصل بينها تفاعلات وتجاذبات, ما هو دور هذا المثلث في الأزمة التركية ـ السورية الحالية على الصعيد الاستراتيجي؟ -- لهذا المثلث دوره واهميته, فمصر المرتبطة بعمقها المزدوج الليبي والسوداني ذات وزن خاص تاريخي واستراتيجي معا وهي مفصل اساسي بين افريقيا وآسيا. وايران التي قد يصبح عدد سكانها حوالي مائة وخمسين مليون نسمة عام 2018 تتوسط ايضا بحرين غير انهما (بحران من البترول) في اسيا الوسطى والخليج العربي. اما تركيا فهي تعانق البحرين الاسود وامتداده المتوسطي وتتوسط ايضا اوروبا والشرق, القوقازي والعربي. - ما هو دور العراق المحاصر حاليا في الازمة التركية ـ السورية ونحن نعلم بأن الجيش التركي توغل في هذه الايام الى الاراضي العراقية.. وهل تتخوف تركيا من التقارب العراقي ـ السوري المتنامي؟ -- ليس من مصلحة تركيا ان تتقدم الدائرة الاسرائيلية ـ الأردنية ـ الفلسطينية في اتجاه العراق على الرغم من الصدام الحاد القائم بين تركيا وسوريا. بل ان انقرة ترى ان من مصلحتها ابعاد الدائرتين معا على المدى العراقي, وذلك لاستبعاد اي طروحات بشأن العراق قد تعزز قيام كيان كردي في شمال العراق ولو في اطار فيدرالي. بالاضافة الى استبعاد تعاطف سوري ــ عراقي. اما ايران فهي لا ترغب ابدا في تواصل الدائرة الاسرائيلية ـ الاردنية مع العراق ولاسباب تعود الى العامل الكردي, كما الى موقفها الثوري تجاه الغرب واسرائيل. ويقابل ذلك رفض تركي واسرائيلي وامريكي للدائرة الأخرى تجاه الشرق. - هل تعتقد ان الازمة التركية ـ السورية تختلف عن الصراع السوري ـ الاسرائيلي سواء في الجوهر او على الصعيد الاستراتيجي وتريد اسرائيل ان تروّج بانها ليست طرفا في هذه الازمة؟ -- ان الموقف التركي من سوريا يرتبط بجوانب تاريخية لا تتصل بالصراع العربي ـ الاسرائيلي, فهناك احساس في الوعي السياسي التركي بان سوريا هي اول دولة عربية انفصلت عن الامبراطورية العثمانية, كما ان مشكلة المياه سبب اخر للمجابهة القائمة بأشكال مختلفة بين الدولتين, وربما كان اهداء فرنسا لواء اسكندرونة لتركيا غير صادر عن ودّ ما للاتراك بقدر ما يهدف الى تعمق الشرخ بين الدولتين المتجاورتين. - لماذا في نظرك باءت محاولات تركيا للانضمام الى المجموعة الاوروبية بالفشل؟ -- يعود هذا الفشل لاسباب عديدة منها الخوف الذي تبديه الدول الاوروبية من ان تجتاح اليد العاملة التركية اسواق العمل في هذه الدول لاسيما ان اوروبا تعاني في الوقت الحاضر من ازمات اجتماعية نتيجة لحالة البطالة المتزايدة. كما ان هناك مسألة المنتجات والبضائع المصنّعة في تركيا والتي تعتبر زهيدة الثمن بالنسبة للمنتجات الاوروبية والسماح باستيراد هذه المنتجات بسبب مشاكل داخلية في المجموعة الاوروبية. - ومن الناحية الجيوسياسية.. هل ثمة اسباب اخرى لرفض الاتحاد الاوروبي ضمّ تركيا اليه؟ -- بالتأكيد ان عدم قبول تركيا الانضمام الى الاتحاد الاوروبي يرتبط بعاملين لهما اهمية كونهما يدخلان في صلب اللعبة الدولية: العامل الاول هو الصراع التاريخي بين اليونان وتركيا, اما العامل الثاني فهو ان تركيا دولة اسلامية سيبلغ عدد سكانها عام 2025 قرابة 75 مليون نسمة, حتى ان دولة اتاتورك الحاملة لواء العلمانية والديمقراطية, بتزايدها السكاني وتاريخها العريق في اوروبا, تسبب احراجا للمجموعة بكاملها. - هل تعتقد بان تركيا تسعى الى عودة الحلم العثماني؟ -- يفكر عدد كبير من الاتراك حاليا بان عودة الحلم العثماني لن تكون بالجيوش الانكشارية بل بالسلاح الاقتصادي لان الاقتصاد هو عامل استراتيجي فعال يدخل في التوازنات الدولية. لذلك اتجهت تركيا الى دعم قدراتها الصناعية والزراعية محاولة بذلك ان تثبت مواقعها وتأمين دورها المستقبلي, كونها تعرف ان الاقتصاد وبالتحديد (السلاح الغذائي) هو عامل اساسي في مستقبل شعوب المنطقة. - لماذا (تسّخن) تركيا اليوم علاقاتها مع سوريا؟ -- مما لاشك فيه ان استعمال (الكماشة الاستراتيجية) وتضييقها على سوريا بالتحديد يأتي بعد تصريحات للمسؤولين الاتراك وخصوصا الرئيس سليمان ديميريل الذي شعر مؤخرا بان انقرة استبعدت عن صيغة الوفاق يبن الحزبين الكرديين الذين تصالحا تحت الرعاية الامريكية في واشنطن, هذا من جهة, ومن جهة اخرى, تأتي الحشود العسكرية لتركيا اليوم محاولة انقاذ حليفها الاسرائيلي وبالتحديد رئيس الحكومة الاسرائيلية نتانياهو, اذ ان واشنطن وبالتحديد الرئيس كلينتون سيحاول الرد بتفعيل عملية السلام خصوصا على المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني. ونحن نعلم ان اليمين الاسرائيلي عمل على تضييق الخناق الداخلي على الرئيس الامريكي في قضية (مونيكا جيت). هذان العاملان يضاف اليهما, انشغال حليف سوريا الاستراتيجي ايران في المسألة الافغانية. لذلك فان التقاطع الخارج مع الداخل, حيث ان الداخل التركي ليس متعافيا ضمن الصراعات السياسية. يضاف الى ذلك ان الحكم الحالي لمسعود يلماظ لم يستطع الى حد الان التخفيف من التضخم الاقتصادي الحاصل في الاسواق المالية والاقتصادية التركية. يبقى ان انقرة كلما ترى نفسها في ضائقة سياسية اقليمية او داخلية, تلجأ الى تسخين علاقتها مع الدول العربية, وبالتحديد سوريا في الوقت الحاضر. - الاّ ترى ان اسرائيل هي المستفيدة الوحيدة من التحرك التركي وضغوطاته العسكرية على سوريا؟ -- يجب برأيي العودة الى صلب التحالف التركي ــ الاسرائيلي الذي هو من الناحية النظرية غير قابل للعيش. لماذا؟ لان تركيا دولة تتمتع بدور اقليمي ذو بعد استراتيجي وثقل بشري يضاف الى ذلك, بأنها الوريثة الشرعية للامبراطورية العثمانية بينما الدولة العبرية, من الناحية النظرية, لا تعتبر دولة ذو بعد اقليمي بل هي كانت وستبقى حاملة طائرات برّية للبحرية الامريكية سابقا في تطويق الاتحاد السوفييتي (سابقا) وحماية آبار النفط. لذلك من الناحية الاستراتيجية, التحالف هو غير قابل للعيش والمستفيد الوحيد على المدى القصير هو اسرائيل بينما الخاسر على المدى الطويل هو تركيا بالذات. وتركيا عمّقت تحالفها مع اسرائيل معطيات تدخل في صلب سياستها الدولية ومنها الانضمام الى الاتحاد الاوروبي.. الى تحديث اسلحتها الحربية وبالتحديد الطيران والسلاح الصاروخي, الى التأكيد ايضا على هويتها الغربية وخصوصا الفكر العسكري فيها لان مؤسستها العسكرية هي مؤسسة عسكرية تعمل بالتقنيات كما هي الحال في اسرائيل. لذلك سارعت انقرة الى مد يد التعاون العسكري بالذات مع تل ابيب لتؤكد نظريتها. وهنا لابد من القول ان المؤسسة العسكرية التركية التي لعبت دورا هاما في تحديث النظام السياسي التركي بالحفاظ على خط مصطفى كمال اتاتورك, نراها اليوم تحاول عبر تسخين علاقاتها مع جيرانها العرب ان تبتعد عن تفكير مؤسسها بإقامة دولة عصرية حديثة. فالسؤال المطروح اليوم هو: هل الجيش يدافع عن العلمنة او تحديث النظام السياسي ام ان هناك مجموعة من الجنرالات العسكرية يقول بعض الخبراء بانهم يمثلون اليمين القومي المتعصّب. فهل يكون الجواب على السؤال الهاجس ان اليمين المتطرف التركي يحاول انقاذ اليمين المتطرف الاسرائيلي. هذا ما أتركه للمستقبل. - ما هو تقديرك للموقف الاوروبي من هذا النزاع المحتمل بين تركيا وسوريا, وخصوصا ان الزيارة الاخيرة لحافظ الاسد اكدت الشراكة الفرنسية ـ السورية.. ماذا سيكون عليه موقف فرنسا وبالتالي اوروبا؟ -- اولا لابد من النظر الى ان تركيا ترتبط بعلاقات تاريخية مع فرنسا تعود الى ايام فرانسوا الاول وسليمان القانوني ولابد من القول هنا ان فرنسا تتحمل قسطا مما يحصل اليوم على الحدود التركية السورية, خصوصا ان مسألة لواء الاسكندرونة تعود الى الذاكرة بين فترة واخرى. وهنا ايضا يجب العودة الى ان العراق هو ايضا لديه مسألة تاريخية مع تركيا وهي مسألة محافظة الموصل فلذلك ان الاتحاد الاوروبي يراقب عن كثب ما يحصل من (تسخين) للأزمة كونها من الممكن ان تنعكس آثارها عليه خصوصا ان اليونان هي الدولة الاوروبية بحالة عداء شبه دائم مع جارتها في مسألة الهيمنة على الجزر البحرية وان تركيا التي اقفل باب الاتحاد بوجهها تعتبر نفسها اليوم بانها الحليف الرئيسي للولايات المتحدة الامريكية وليست للاتحاد الاوروبي. ومن هنا يمكن القول ان الدولة العبرية لعبت دور الدبلوماسي لتقريب وجهات النظر بين تركيا والاتحاد الاوروبي لإقفال الباب على انضمام جزيرة قبرص الى اوروبا. وانطلاقا من هذا السياق فان فرنسا والاتحاد الاوروبي سيعملان على تخميد نيران الأزمة لان شرارة نيران الازمة من الممكن ان تمتد الى الجسم الاوروبي وتطال مصالحه. - ما هي توقعاتك للأزمة التركية السورية الحالية.. وخصوصا في حالة اندلاع الحرب.. هل تتحمل منطقة الشرق الاوسط هذه الحرب بالاضافة الى التوتر الحاصل في مسألة جمود عملية السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني؟ -- ان الحليف الرئيسي لتركيا هو الولايات المتحدة اذ دعت الى تخفيف حدّة التصريحات التركية بهذا الخصوص كون واشنطن تراقب ما يجرى اليوم على الحدود الافغانية الايرانية. لذلك برأيي, ستعمل على تبريد هذه الازمة لانها لن تأتي لصالح حليفتها ونتائجها السلبية على التقاطع الداخلي في تركيا. ففي حالة اندلاع الحرب لا تتحمل الخزينة التركية تكاليف اضافية حيث ان حربها مع الاكراد يتطلب سنويا ستة مليارات دولار. وهذه التكاليف تؤمنها تركيا اليوم في القطاع السياحي المزدهر. ففي حال نشوب اي حرب, ستفقد تركيا هذه الايرادات كما ان اسطنبول اليوم هي عاصمة (كردية) بوجود اكثر من مليون مواطن كردي من الممكن ان يبرز من هؤلاء اصدقاء متعاطفين مع حزب العمال الكردستاني المعارض والمتمرد. وقد عملت الحكومات التركية المتتالية على تطويق ازمة التضخم الاقتصادي وهذا يعني ان الازمة ستزيد من نسبة هذا التضخم وبالتالي يصّب في مصلحة زيادة شعبية التيارات الاسلامية الاصولية. وفي كلمة اخيرة ربما تكون المياه سلاح تدميري بيد تركيا ضد جيرانها العرب بحالة نشوب حرب ستعمل انقرة على فتح السدود كما يشير الخبراء الدوليين ان شمال سوريا منطقة سهلية ستطالها فيضانات. باريس ــ (البيان)اجرى الحوار ــ شاكر نوري