ما الذي يهدف اليه النظام الحاكم في تركيا من وراء تصعيد التوتر ضد سوريا الى حافة الانفجار, والتهديد الصريح بحرب شاملة حشد من اجلها عشرات الالوف من الجنود, واكثر من 150 طائرة, و73 بطارية صواريخ ارض ــ ارض.. وارفق هذا باعلان من جانب قائد القوات المسلحة التركية يقول فيه ان بلاده في حالة حرب فعلية وان كانت غير معلنة مع سوريا, وان قواته جاهزة وتنتظر الامر لتبدأ الهجوم؟. وعندما نقول النظام الحاكم في تركيا فنحن لا نقصد الحكومة التي يرأسها مسعود يلماظ, ولا حتى رئيس الجمهورية سليمان ديمريل. وانما ما نقصده بالتحديد هم جنرالات مجلس الامن القومي الذين بيدهم الحل والعقد, والذين يحكمون بالفعل من وراء ستار شفاف, بعد ان نصبوا انفسهم بالقوة المسلحة أوصياء على تركة كمال اتاتورك, المكلفين بالحفاظ عليها, وضمان عدم الخروج على مبادئها.. وفي اطار هذه المهمة (المقدسة) أطاحوا منذ نحو عامين بحكومة اربكان الائتلافية بقيادة حزب الرفاة الاسلامي, ولم يكتفوا بذلك بل حلوا الحزب وطاردوا اربكان نفسه بالاتهامات والتهديد بالسجن والاعتقال.. وحرموه من مجرد الدفاع عن نفسه ضد حملات الاعلام الموجهة التي لم تتحرك نقيصة الا وألصقتها به, وبحزبه وشركائه في الحكومة الائتلافية.. ومع ان الحملة التي شنتها اجهزة الاعلام ضد اربكان لم تذكر السبب الحقيقي لاستبعاده, الا انه تبين بعد ذلك, وتأكد الان, ان جنرالات مجلس الامن القومي كانوا قد بدأوا منذ اوائل عام 1995 سلسلة من الاتصالات السرية مع اسرائيل, من وراء ظهر الحكومة الشرعية, غير انهم فيما يبدو اكتشفوا انهم لا يستطيعون الاستمرار في تلك الاتصالات, والوصول بها الى الغاية المرجوة منها الا اذا تخلصوا اولا من حكومة اربكان ذات التوجهات الاسلامية.. فقرروا الإطاحة بها.. ومنذ ذلك الحين اي منذ اسندت السلطة الرسمية الى مسعود يلماظ, وقد واكب ذلك صعود حكومة الليكود برئاسة بنيامين نتانياهو في اسرائيل, تطورت العلاقات بين الحكومتين الى آفاق لم تعهدها من قبل على شكل خطوات سريعة متلاحقة كل منها يمثل قفزة في طريق مرسوم.. ولعلنا لا نحتاج الى ذكاء كثير لكي ندرك ان الولايات المتحدة الامريكية بحكم علاقتها المشتركة مع الدولتين هي التي رسمت الطريق وحددت معالمه, وقفزاته, في اطار استراتيجيتها لوضع خريطة جديدة للمنطقة تقوم على اساس محور انقرة ــ تل ابيب.. وهكذا, ووفقا للخطة الموضوعة, تم في خلال عام 1997 إبرام عدة اتفاقيات ذات طابع عسكري, تضمنت قيام اسرائيل بترميم وتجديد طائرات ودبابات القوات التركية (كلها امريكية الصنع), وشراء تركيا لأسلحة اسرائيلية متطورة, ومشاركة تركيا في تطوير صاروخ أرو الاسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة, والقيام بتدريبات جوية مشتركة لها صفة الاستمرار, الأمر الذي يعني فتح المجال الجوي التركي على اتساعه امام الطيران الاسرائيلي ليتيح له عمقا يصل الى اضعاف اضعاف العمق المتاح له في حدود مساحة اسرائيل الضيقة. ثم توّج هذا كله بإقامة تدريبات بحرية مشتركة, انضمت اليها قوات الولايات المتحدة الامريكية في البحر الابيض المتوسط وكان هذا بمثابة اعلان صريح وعملي بان التطور السريع في العلاقات العسكرية بين تركيا واسرائيل انما يجري بتأييد ومباركة ان لم يكن بتوجيه الولايات المتحدة.. ولم يعد هناك ادنى شك في ان ما يحدث انما هو تحالف استراتيجي عسكري بين الدولتين الدائرتين في الفلك الامريكي. ومفهوم بداهة ان اي تحالف من هذا النوع لابد وان يكون موجها ضد طرف ثالث, مهما حاول احد طرفي التحالف او كلاهما نفي هذه الحقيقة.. ولقد حاول القادة الأتراك في سلسلة من الزيارات الرسمية لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية لمعظم العواصم العربية ان يسوّقوا لدى العرب فكرة ان هذه العلاقات ذات الطابع العسكري فانها لا تصل الى حد التحالف. وبالتالي فهي ليست موجهة ضد العرب, واذا كان لابد وان تكون موجهة ضد أحد, فهي موجهة ضد الارهاب, وتجارة المخدرات.. وهما مجالان مفتوحان امام اية دولة في المنطقة.. شعرة معاوية وليس سرا ان بعض الحكومات العربية كانت اميل الى تصديق التبرير التركي رغم كل ما فيه من ثغرات وثقوب, لا شئ الا من باب التشبث بشعرة معاوية, والامل في ان تكون لدى حكام تركيا بقية من الانتماء الاسلامي تحول دون التواطؤ مع اسرائيل, في الوقت الذي تواصل فيه تهويد القدس, وتعرقل عملية السلام, وتقتل الفلسطينيين واللبنانيين, وتتحدى العالم الاسلامي اجمع بكل صلافة وغطرسة واجرام.. ولكن جنرالات تركيا لم يكن يعنيهم في شيء قطع شعرة معاوية مع العرب. ولكم يحز في نفوس العرب ان يكتشفوا ان جنرالات تركيا لا يجدون في (تراث) اتاتورك ما يستحق التشبث به والحفاظ عليه سوى الامعان في اقتلاع تركيا من جذورها الاسلامية, وبالذات مع العرب باعتبارهم حلقة الوصل الطبيعية, التاريخية والجغرافية بهذه الجذور.. الان, يكشف جنرالات تركيا بلا خجل, ان الطرف الثالث المقصود بتحالفهم مع اسرائيل هو سوريا.. وهنا نعود الى السؤال الذي بدأنا به هذا الحديث لماذا؟ ان سوريا لا تشكل خطرا على تركيا, لا من حيث القدرة, ولا من حيث الرغبة, ولا توجد لدى السوريين اية توجهات معادية لتركيا, وانما التوجه الوحيد هو ضرورة التفاهم من اجل حل مشكلة المياه التي تنبع انهارها في اراضي تركيا وتمر بسوريا وتصب في العراق, وهي مشكلة لا سبيل الى حلها الا عن طريق التفاهم والرغبة المشتركة في التعاون على أساس تبادل المنفعة وحسن الجوار.. وحتى لواء الاسكندرونة الذي منحته فرنسا لتركيا اثناء انتدابها وحكمها لسوريا ثمنا لالتزام هذه الحياد في الحرب العالمية الثانية لم يعد يمثل مشكلة. بعد ان اسقطته الحكومات السورية المتعاقبة من قائمة مطالبها.. اما الزعم التركي بان سوريا تساند حزب العمل الكردستاني الذي يقاتل ضد حكم الجنرالات او بمعنى اصح الذي يقاتله النظام القائم في انقرة فهو زعم مرفوض.. لان سوريا ليس لها اية مصلحة عرقية او سياسية في مساندة الاكراد.. والاكراد السوريين لا تتجاوز نسبتهم, بالمائة من مجموع السكان.. وهي نسبة لا تستطيع ان تملى ارادتها على الحكم السوري.. وموقف سوريا من مشكلة الاكراد هو موقف العالم كله, اي وهو ان هذه مشكلة داخلية بحتة في تركيا التي يشكل فيها الاكراد اكثر من 20 بالمائة من سكانها.. وحلها يوجد في انقرة, وليس في دمشق او بغداد.. مرة اخرى, لماذا يتحرش الجنرالات الاتراك بسوريا في هذا الوقت بالذات, رغم أن السوريين لا يشغلهم شاغل سوى تحرير الجولان, خاصة وأنه قد اوشكت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ـ الامريكية ان تجد مخرجا من الطريق المسدود وان تبدأ فتح ملف المسار السوري. أليس من المنطقي ان نستنتج ان الهدف من التهديدات والمظاهرات العسكرية التركية على حدود سوريا الشمالية هو الضغط على السوريين واضعاف موقفهم الى اقصى حد حتى يضطروا في النهاية الى القبول بالفتات الذي يتفضل به نتانياهو؟ وهذا, لابد ان يقودنا الى سؤال آخر, هو الى اي مدى يمكن ان يصل الضغط التركي؟ وهل يمكن ان يشمل استخدام القوة بشكل سافر, بضربات جوية على الطريقة الامريكية, او باجتياح بري, مثلما فعلوا مع العراق؟ اننا لو احتكمنا الى العقل يجب ان نستبعد هذا الاحتمال, لأكثر من السبب.. اولا سبب موضوعي, وهو ان الحكومة العراقية المركزية في بغداد لم يكن بوسعها الدفع بقواتها للتصدى للقوات التركية المهاجمة في الشمال بحجة مطاردة كوادر حزب العمل الكردستاني وتدمير قواعده بحكم قرارات الامم المتحدة التي تحصر نشاط القوات المسلحة العراقية في المنطقة الوسطى المحيطة بالعاصمة بغداد.. ومن ثم, فقد كان بوسع القوات التركية المهاجمة ان تصول وتجول في شمال العراق دون ان تخشى اي تدخل من جانب الجيش العراقي.. اما الوضع في سوريا فهو مختلف لان من المؤكد ان السوريين لن يقفوا مكتوفي الايدي ازاء اي عدوان على اراضيهم.. وفي هذه الحالة, فان هناك احتمالا كبيرا لتدخل قوى اخرى, عربية واسلامية الى جانب سوريا.. بحيث يتسع الخرق الى حد يعجز الاتراك عن رتقه.. وقد يجد اليونانيون من ناحية اخرى الفرصة مناسبة لكي يحلوا مشاكلهم مع الاتراك المشغولين بالقتال في جبهات اخرى بعيدة.. كل هذا يندرج تحت السبب الموضوعي الذي يحتم على جنرالات تركيا ان يفكروا الف مرة قبل ان يقدموا على تنفيذ تهديداتهم ضد سوريا.. اما عن السبب الذاتي, اي الموجود داخل تركيا ذاتها, فهو المد الاسلامي المتزايد في شتى ارجاء تركيا بقسميها الاسيوي والاوروبي.. وفي ظل هذا المد, قد يكون العدوان غير المبرر على دولة اسلامية شقيقة هو الشرارة التي تفجر الثورة المكبوتة ضد حكم الجنرالات الموصوم بمعاداة الاسلام والمسلمين.. ومع ذلك, ومع ان هذا المنطق سليم جدا ومعقول جدا الا ان أحداً لا يستطيع الاطمئنان الى منطق العسكر, عندما يكونون في السلطة. ما هو المطلوب الان؟ ان المطلوب هو ان تتحرك على جناح السرعة كل القوى الاسلامية والعربية من اجل احتواء الازمة ومنع الانفجار, وفي مقدمة هذه القوى, المؤتمر الاسلامي الذي لازالت تركيا واحدا من اهم اعضائه المؤسسية. ثم الجامعة العربية التي يجب ان تؤكد لجنرالات تركيا ان سوريا لن تكون وحدها اذا فكروا في مهاجمتها. وقد يكون من المناسب التفاهم على أعلى مستوى مع ايران المتاخمة لحدود تركيا الشرقية, وكذلك الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى ليشكل كل ذلك عوامل ضغط لمنع تركيا من ان تتحول الى اداة ضغط لصالح اسرائيل.. جوهر المشكلة غير ان جوهر المشكلة التي يمكن ان تتكرر بشكل او آخر, انما هو كامن في عاملين. الاول هو تركيبة مجلس الامن القومي التركي المكونة من مجموعة جنرالات يحكمهم هوس معاد للعرب والاسلام, ويتصورون ان امعانهم في هذا العداء يفتح لهم باب الاعتراف بانتمائهم للغرب. والثاني هو تفكك الصف العربي الذي يجعل الاخرين يستخفون بردود الفعل العربية ولا يقيمون لها وزنا كبيرا وهم يفاضلون بين مختلف الخيارات.. ولسوف يبقى عالمنا العربي دائما معرضا لمثل هذه المخاطر التي تتعرض لها سوريا اليوم على يد تركيا او سواها, طالما ايدينا مشلولة, مشغولة بخلافاتنا التي مهما كان حجمها ومهما كانت حدتها ستبقى دائما تناقضات ثانوية لا ترقى ابدا الى التناقض الرئيسي الذي يجمعنا كلنا في زورق واحد.. ضد خطر واحد, ونهاية واحدة, هي ان نكون او لا نكون.