لعل من أبرز جوانب خصوصية النزاع الجاري بين تركيا وسوريا هو وضوحه التام بما لا يتطلب الكثير من اعمال العقل في محاولة تحديد اسبابه ويبقى ان المهم هو تحديد كيفية التعامل معه ويبدد هذا الوضوح ما يبديه البعض من دهشة واستغراب لاندلاع الازمة رغم انها قد تبدو ظاهريا مثيرة للدهشة . وبعيدا عن التعميم ندد ما يمكن ان يعد بديهية للمتابعين للشأن التركي وهو ان الازمة الحالية مفتعلة جاءت نتيجة استقواء تركيا بتحالفها مع اسرائيل الذي تبلور بشكل شبه كامل خلال السنتين الاخريين. وفي ضوء توحد الاهداف التركية الاسرائيلية تجاه سوريا فانه يبدو من المنطقي من وجهة نظر القيادات التركية خوض ــ او افتعال ــ هذا النزاع باعتبار ان الفرصة الحالية هي افضل فرصة لتحققه من خلالها اهداف عجزت عن تحقيقها على مدى سنوات او بالاحرى عقود. ويعزز التفسير الذي نقدمه بارجاع الازمة الى التحالف التركي مع اسرائيل عدم وجود سبب مباشر يستدعى التصعيد التركي وانه يأتي بعد شهر واحد من زيارة مسعود يلماظ رئيس الوزراء التركي لتل ابيب وهي الزيارة التي اعتبرت تدشينا رسميا للتحالف, ما يعنى في النهاية ان مخططات التحالف بدأ وضعها موضع التنفيذ. وفي محاولة لتناول الازمة بالتحليل فان الامر يقتضى الاشارة الى طبيعة المشكلات التي تحكم ملف العلاقات التركية السورية. لن نخوض هنا بالتفصيل من عن هذه المشكلات ونترك الامر لاخرين لكن لشكل عام فان كل مطلع على هذا الملف يعلم ان هناك قضايا اساسية تعد بمثابة قنابل موقوتة من علاقات دمشق ــ انقرة وهي: * المطالبة السورية باستعادة لواء الاسكندرونة. * مشكلة المياه. * المشكلة الكردية. واذا كانت انقرة تقدم المشكلة الاخيرة باعتبارها الوجه الرئيسي للأزمة ممثلة في اتهامها لدمشق بدعم حزب العمال الكردستاني برئاسة عبدالله أوجلان فان ذلك لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يعنى ان المشكلتين الاخرتين تم حلهما وانما تسعى انقرة كما كشفت تصريحات ومواقف صدرت منذ يومين الى تسوية كافة المشكلات في (حزمة) واحدة بالشكل الذي يصب في مصلحتها مستغلة في ذلك الظروف الاقليمية والدولية. فعلى المستوى الدولي, وعلى عكس ما يذهب اليه البعض, فانه في ظل التفرد الامريكي بقيادة النظام الدولي فان تركيا لن تعدم الحصول على الضوء الاخضر من واشنطن لضرب سوريا حيث ان اضعاف سوريا يمثل هدفا امريكيا, اذا اخذنا في الاعتبار التوافق الامريكي الاسرائيلي ما يعنى ان الاهداف الاسرائيلية تمثل جزءا من الاهداف الامريكية رغم ما قد في تلك الصياغة من تبسيط, وبالتالي لن تجد العمليات العسكرية ضد سوريا ادانة دولية كافية, وهنا قد تستعير انقرة النموذج الامريكي في ضرب مصنع الشفاء السوداني وقواعد بن لادن في افغانستان بدعوى مواجهة الارهاب في تقديم مبررات لعملياتها انطلاقا من انها تستهدف ما تزعم انه قوان ارهابية للعمال الكردستاني. اما على المستوى الاقليمي فان التصعيد التركي يترافق مع احتدام سلسلة من الازمات الاقليمية وسط حالة ضعف عربي يجعل من استباحة الحقوق العربية امرا غير ذي تكلفة, وهو ما ترى تركيا معه ان الوقت اكثر من مناسب لتحقيق اهدافها. فهناك ثلاث دول عربية تعاني من وطأة الحصار بينها العراق الذي لا يملك القدرة على الحفاظ على اراضيه من الانتهاك التركي ذاته. اما مواقف اغلب الدول العربية فلا تتجاوز حال وقوع اعتداء على طرف عربي سوى الشجب والدعم المعنوي, وهذا هو التصور الحاكم لموقف تركيا. اما مصر التي تتزعم العالم العربي فرغم علاقاتها الوثيقة مع دمشق فمن الصعب ان تغامر بدخول حرب الى جانب سوريا في ضوء توجهات القاهرة التي تحرص على انتهاج سياسة (عقلانية براجماتية) . اما سوريا ذاتها فانها تمر باصعب مراحلها فمفاوضات السلام متعثرة منذ اكثر من 20 شهرا ما يفرض عليها الحفاظ على قدراتها العسكرية تحسبا لاية مواجهة محتملة مع اسرائيل وهو ما يعنى بالتالي امكان تقديم تنازلات في قضايا اخرى حرصا على عدم تشتيت قدراتها وادخارا لقوتها العسكرية للصراع الرئيسي. ويعزز السيناريو التركي في ادارته للازمة وتصعيدها الموقف الايراني.. فطهران الحليف الرئيسي لدمشق والذي كان من المقرر ان يقدم دعما عسكريا لها منغمسة في ازمة مع طالبان فرضت عليها حشد قواتها (270 الف جندي) مع الحدود الافغانية, وهو ما يصعب من مهمة توفير دعم فعال وملموس لدمشق. هذا التصور يعني في النهاية ان دمشق لا تملك اية اوراق يمكن ان تواجه بها تركيا, وهو ما يتيح وفق الحسابات التركية, امكانية فرض شروط (اذعان) على سوريا, وهو ما بدا من الادارة التركية للأزمة على مدى الايام القليلة الماضية وفي رد الفعل السوري, تعنى حين اتسمت اللهجة التركية بالغرور والصلف كانت نبرة التهدئة هي السمة الحاكمة للموقف السوري. وقد حمل الرئيس التركي سليمان ديميريل لواء الغرور التركي فراح يؤكد في تصريحاته على ان انقرة (لن تبدى اي مرونة تجاه سوريا وانها لن تتراجع عن سياستها الخاصة ازاء دمشق) . وفيما يشير الى تصاعده حدة الغرور الى مستوى الصلف نسى ديميريل ان بلاده مجرد دولة متوسطة القوة فأخذ يهدد (العالم) بأسره وليس فقط سوريا مؤكدا ان العالم يجب ان يعلم ان تركيا لن تسمح بعد الان بالدعم الذي يقدم لحزب العمال الكردستاني. وتواصل مسلسل الغرور فاعلن بولنت اجاويد نائب رئيس الوزراء ان (انقرة لن تقدم حتى (ابسط) التنازلات لسوريا) . اما يلماظ فقد يعتبر انذاره منذ يومين الاخير وكأن تركيا يمكن ان تدك سوريا على ابناءها. وتعزز هذا الموقف ردا على وساطة مبارك حيث اخذت انقرة من خروج عن قواعد الدبلوماسية معلنة انها لم تطلب وساطة احد وان زيارة مبارك قرار مصري, بل وتجاوز الامر حدوده فيما اشارت اليه الأنباء من ان الرئيس ديميريل رفض استقبال مبارك يوم الاثنين الماضي بدعوى ان جدول مواعيده لا يحتمل ما استدعى تأجيل الزيارة الى الثلاثاء. ان قراءة في ملف العلاقات التركية السورية يشير الى انه لم يصدر تهديد تركي سافر لسوريا بهذه الدرجة وانه حتى اذا اتخذت التصريحات الطابع الحاد فانها لم تتجاوز ذلك الى المستوى العالي لهذا الحشد والتصميم على شن ضربات عسكرية او حرب محدودة ضد سوريا. والمتغير الوحيد هنا هو التحالف مع اسرائيل ما يؤكد انه قوة الدفع الاساسية بل تكاد الوحيدة للتصعيد الاخير من قبل انقرة. ورغم ما يراه البعض من ان الامر لا يتجاوز رسالة سياسية ساخنة فان الامر تجاوز مداه وانعكس في تشدد المطالب التركية بعد ان وضعت هذه الرسالة محل الاختبار واثبتت فعاليتها وكشفت الموقف السوري فراحت تركيا تعالى في مطالبها, معلنة انها لن تقبل باقل من تسليم اوجلان بعد ان كان الامر يقتصر على دعوة سوريا للتخلي فقط عنه بطرده حيثما وجد سواء في اراضيها او في سهل البقاع. ويبدو ان احساس الانتصار تسرب الى القادة الاتراك فبدأت تلمع في عيونهم فكرة اغلاق كل الملفات فصرح وزير الخارجية التركي اسماعيل جيم عقب انتهاء زيارة مبارك برفضه للاقتراح المصري بعقد اجتماع مع نظيره السوري الا اذا وافقت دمشق على انهاء مشكلة (الكردستاني) بالشروط التركية والتخلي عن المطالب السورية في لواء الاسكندرونة اما مشكلة المياه فمفاتيحها بين انقرة ويمكن ان تتكفل بتسويتها حسبما تريد. اما على المستوى السوري فادراكا من دمشق لحساسية موقفها ازاء الظرف الاقليمي الذي توجد فيه وازاء اختلال ميزان القوى لصالح انقرة فقد راحت تقدم الحوار والتهدنة كوسيلة كل النزاع ولم يصدر منها اي تلويح بالعمل العسكري الا دفاعا عن النفس وهو امر تقتضيه الكرامة الوطنية حتى لو كانت دمشق في اضعف حالاتها. وبدأت سوريا حملة تهدئة فراح الشرع يشير الى رغبة دمشق في الحل الدبلوماسي وليس عبر المواجهة والتهديدات وعزز ذلك المسؤولين السوريين بالتأكيد على حرص دمشق على حسن الجوار مع تركيا واستعدادها لمعالجة المسائل التي تثير قلق البلدين بالطرق الدبلوماسية, ورغم هذه التهدئة فلم تجد مفرا من اعلان استعدادها لكافة الاحتمالات وانها قادرة على الدفاع عن نفسها. لا يعني ما سبق انكار ان تركيا تعاني من مشكلة كردية تزعزع استقرارها وتلقى بتأثيرات سلبية على وحدتها كدولة. وقد يكون من الطبيعي ان يزداد قلقها اثر الاتفاق الاخير بين الطالبان والبرزاني زعيما الفصيلين الكرديين في شمال الطرق والذي يمكن ان يسفر عن كيان كردي موحد يمهد للدولة الكردية. لقد انهك الصراع الكردي جانبا من القوة التركية واسفرت العمليات العسكرية المرتبطة به عن سقوط قرابة 31 الف قتيل بين جندي ومتمرد ومدني. وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المشكلة الكردية التي ستظل مزمنة ما لم يتم ايجاد الحل المناسب لها باتفاق بين الدول التي تضم اقليات كردية (تركيا ــ العراق ـ ايران ـ سوريا) والاكراد ذاتهم, فانه في ضوء غياب مثل هذا الحل قد يكون من حق تركيا حل المشكلة وفق ما تراه محافظا على امنها غير ان ذلك يجب ان يتم في اطار عدم المساس بسيادة الدول الاخرى. وهنا ستكون المشكلة تحديد مدى حقيقة تهم مساندة حزب العمال التي توجهها تركيا لدمشق وهو المبرر الذي تسوقه لموقفها. هنا لا يمكن قبول الموقف التركي على علاته ذلك انه حال لجوء تركيا الى القوة فانه يكرس سابقة العدوان الامريكي على السودان وافغانستان, ما يجعل من المبرر دوليا لجوء كل دولة تتهم الاخرى بمساندة الارهاب بشن عدوان عليها بغض النظر عن صحة هذه الاتهامات من عدمها! ومن المفترض هنا وجود آلية سواء دولية او ثنائية تحقق من هذه القضايا حتى يكون للعمل العسكري حال إتمامه مبرره الشرعي والا فان معنى ذلك العودة الفعلية الى شريعة الغاب وهو امر يبدو واضحا في الازمة التي تعرض لها حيث انه بمجرد ان شعرت انقرة بقدر من القوة راحت تمارس استعراض عضلاتها وبشكل يفوق ممارسات القوى العظمى ذاتها. ومن المتصور ان الآلية التي يمكن اعتمادها هنا تتمثل في بدء حوار يتم الاتفاق خلاله على تشكيل لجنة امنية مشتركة من مسؤول الاستخبارات العسكرية من الدولتين للتحقيق ومراقبة انشطة اية جماعات معارضة, وهو امر توجد سابقة له تتمثل في اتفاق ايراني ترعى على هذا الامر ازاء اتهامات من انقرة لطهران بدعم متسللي حزب العمال الكردستاني. اما تسليم الملف الكردي للمؤسسة العسكرية فانه يؤكد ان الامر يتجاوز حل مشكلة الى ترتيب لاوضاع اقليمية يكون لاسرائيل وتركيا اليه الطول فيها, وهو امر يعززه التقارير التي تشير الى مساع امريكية اسرائيلية تركية لاضعاف ايران وسوريا وتفكيك التحالف السياسي بينهما.. وبهذا الخصوص تشير تقارير استخباراتية الى ان عناصر من المخابرات الباكستانية عميلة للامريكية رافقت قوات طالبان لدى اقتحام مزار الشريف وقتلت الدبلوماسيين الايرانيين, بهدف جر ايران الى مواجهة تستنزف قواها, في ذات الوقت الذي يتم فيه جر سوريا الى مواجهة تجهز على قوتها العسكرية ما يعني بالتالي رضوخها للمطالب التركية من ناحية والشروط الاسرائيلية من ناحية ثانية حيث تعد دمشق القوة الاساسية التي تقف في وجه المشروع الاسرائيلي, ويسهل هذا من جهة اخرى مهمة اسرائيل في الضغط على لبنان لقبول شروطها للانسحاب من الجنوب وهو ما يعنى في النهاية تصفية الصراع العربي مع اسرائيل وفقا لرؤية تل ابيب. وفي ضوء تراجع القوة الاقتصادية للدول الخليجية بسبب تدنى اسعار النفط فانه لا يبقى حينئذ سوى مصر ومن المتصور ان سيناريوهات عديدة جاهزة للقضاء على دورها سواء من خلال مناوشات اسرائيلية ام افتعال ازمات امريكية معها, وهناك نماذج قائمة تشهد على صدق هذا التصور خلال السنوات الاخيرة لم ترتق الى مستوى التطبيق الكامل بحكم ان الوقت لم يحن بعد لذلك. ولتحقق هذه السيناريوهات تخضع المنطقة بالتالي للعلم الصهيوني ولواء العلمانية العسكرية التركية. صحيح انها سيناريوهات كئيبة الا انه من الواضح ان الخطى ماضية لتحقيقها وسط وغفلة عربية يذهل لها الاعداء قبل الاصدقاء.