بقيت قضية الاكراد من اخطر القضايا الدولية المعلقة على مر عقود طويلة من الزمان, وهي تمثل شوكة في ظهر العديد من الدول التي تضم بين اطرافها او على اراضيها تلك المناطق الكردية المتناثرة, كالعراق وايران وتركيا . ومن البديهي ان المسألة الكردية ليست هي الوحيدة التي حركت الازمة بين الجانبين, بل هناك خلفيات سياسية وجوارية, لا تقل خطورة واهمية عن القضية الكردية, في مقدمتها النزاع التركي السوري على المياة, وارتماء تركيا في احضان اسرائيل, بعقد اتفاقية الدفاع الامني المشترك, والتي تهدد بها سوريا بلد الجوار, بل وتهدد المنطقة العربية بأسرها بجانب العديد من الاهداف السياسية الاخرى الهامة. حول الازمة السورية التركية التي تفجرت مؤخرا بسبب حزب العمال الكردستاني في سوريا, كان لـ (ملف البيان) هذا الحوار مع (انور عثمان) الكاتب السياسي بهولندا والخبير في الشؤون الكردية وفيما يلي نص الحوار: - مدى احتمالات اندلاع الحرب بين سوريا وتركيا بسبب الاكراد؟ ــ الحقيقة ان لا اعتقد بأنه ستنشب حرب عسكرية بين سوريا وتركيا, ما تقوم به الآن تركيا على الحدود السورية هو مناورة, عبارة عن ضغط مكثف, والمبرر الوحيد لتركيا اعلنته في هذا الضغط هو موضوع حزب العمال الكردستاني, ليس هو الهدف الوحيد لتركيا من هذا الضغط حيث ان لتركيا اهدافاً كثيرة داخلية وخارجية في هذا المجال. فلو بدأنا بموضوع المشكلة الكردية بين سوريا وتركيا, نجد انه في حد ذاته ليس بجديد, وتركيا نفسها تعلم جيدا بان الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني, وبقية الاحزاب الكردية الاخرى بدأت منذ عشر سنوات, وهو دعما لوجستيا (اي المساعدات المتنوعة التي تشمل الامدادات المتنوعة من مال وسلاح ومعلومات مفيدة), اذا فلماذا اثير هذا الموضوع في هذه المرحلة بالذات؟ الامر الذي يؤكد ان هناك وجود اهداف اخرى, وما تقوم به تركيا الآن على الحدود السورية, سواء المناورات العسكرية, او التدريبات, او حتى التصريحات السياسية التي اطلقها رئيس الوزراء التركي (مسعود يلماظ) والتي حصلت في طياتها تهديدات عسكرية صريحة ليست هي الغاية الوحيدة من عملية الضغط التركي على سوريا في التوترات الدائرة الآن في المنطقة الحدودية السورية التركية. ــ حزب العمال الكردستاني اعلن في الشهر الماضي وقف اطلاق النار (من جانب واحد) ضد السلطات التركية, وعدم استخدام العنف في جميع انحاء الاراضي التركية, بمعنى ان نضال هذا الحزب تحول من الخيار العسكري الى الخيار السياسي فقط. ــ ولقد ادى هذا التحول الاستراتيجي الى تشكيل ضغوط داخلية كبيرة على الحكومة التركية , وضعتها في موقف جديد يحتم عليها الاستفادة من الخيار السياسي, للبحث جديا عن حلول سلمية للمسألة الكردية, وهو الامر الذي يعتبر اطروحة سلمية معلنة وفقا للاعراف الدولية, وقد شكل الموقف الجديد للحزب العمال الكردستاني مأزقا سياسيا رأت الحكومة التركية الخروج منه. ــ لزمت هذه المستجدات على تركيا (من وجهة نظرها) البحث عن مبررات مقبولة لتصعيد الموقف لاسباب تتعلق بسياستها الداخلية, وقد ادى ما سبق ذكره الى عدم رضى او تجاوب من الجنرالات العسكر في الجيش التركي, تلك الفئة التي لها السلطة الحقيقية في ادارة البلاد, وان بدى في الظاهر ان الحكم في تركيا هو للسلطات المدنية, اضافة لوجود ابواب خلفية سياسية اخرى لا تقبل الحصار عليها, وارغامها على البحث عن حلول سياسية, الامر الثالث وهو شديد الخطورة حيث ان الجنرالات يرون ان الحل العسكري هو الوحيد الذي يحسم هذه القضية, وربما ايضا قضايا اخرى, وان الرد المناسب على اعلان وقف اطلاق النار وهو المناورة والضغط القائم حاليا. ــ يضاف الى ما سبق الضغوط الخارجية في هذا المجال, خاصة من الاتحاد الاوروبي الذي يؤيد الحل السلمي للمسألة الكردية, ولا ننسى في هذا الاطار ان تركيا التي رفضها الاتحاد الاوروبي اكثر من مرة, لازالت تحلم بان تنضم لعضويته, وقد حاولت تركيا كثيرا القضاء على حزب العمال الكردستاني ولكنها لم تفلح, لان هذا هو منطق الشعوب في الحركات التحررية, التي هي جزء من انحاء العالم لايمكن فصله, وخصوصا ان نضال الشعب الكردي وعموم كردستان نضالا عادلا, من شعب مظلوم يسعى لاثبات هويته, والسعي لأن ينعم بحقوقه القومية كسائر الشعوب والامم. ويوضح لنا هذا الضغط الدائر الآن من قبل تركيا على سوريا, انه محاولة اخرى من الاتجاه الذي يتبناه الجنرالات في تركيا للقضاء على هذا الحزب عسكريا, كما ان التحالف الاخير الذي حدث بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في العراق, والذي كلله اتفاق تم في واشنطن نهاية الشهر المنصرم, قد اثار حنق هؤلاء الجنرالات العسكر والذين عبروا عن استياءهم الداخلي بالرد في صيغة تشكيل ضغوط معلنة على سوريا, وتجدر الاشارة هنا لحقيقة سياسية تلعب دور اً كبيراً في الرؤية التركية في المسألة الكردية, وان يكون لها اليد الطولى في الاتفاق الذي تم في واشنطن لان تتأكد بان الاتفاقية لاتتضمن بنودا تخشى منها تركيا دوما مثل الحلم المزعج لها وهو العمل على تشكيل دولة كردية في اي جزء من اجزاء كردستان. - هل توجد محاور او اسباب اخرى دفعت تركيا الآن لتحريك ورقة الاكراد والضغط بها او التلويح لسوريا؟ ــ نعم, اذ يجب ادراك ان الضغط الجاري الآن على سوريا هو احد افرازات التوترات التركية, وما تعانيه من تناقضات على ساحتها الداخلية, حيث ان تركيا تريد امتصاص التداخلات المتشابكة في نسيج المجتمع التركي وتكتلاته السياسية, وهي ــ تركيا ــ تريد صرف الانظار وتحويلها لمجال آخر وابعادها عن تفاعلات الصراع القائم بين الاتجاه الاسلامي والعلمانيين, حيث ان هذه المشكلة اصبحت ملحة وخطيرة والآن ننتقل لخلفية اخرى لعبت دورا في المناورات التركية على الحدود السورية وهي المحاور: ــ المحور الاول هو تركيا اسرائيل. ــ المحور الثاني هو سوريا وايران. وفي لعبة المحاور خلال المرحلة الاخيرة تحاول تركيا من خلال المحور الاول وهي احد قطبيه الضغط والعمل على عدم ادخال العراق في هذا المحور, الذي يتناقض كلية مع المحور الثاني, ولقد كانت رسالتها السياسية الاولى مؤخرا هي اعادة العلاقات مع العراق وتكثيفها, وقد ارسلت الاسبوع الماضي سفيراً تركياً لبغداد وهي لاول مرة منذ حرب الخليج, وهي خطوة تعتبر نوعا من المكافأة للنظام العراقي, وهو يعتبر دليلا واضحا على استبعاد العراق من هذا المحور. - هل يشكل التحالف التركي الاسرائيلي دورا حال التنفيذ الفعلي بالعدوان على سوريا؟ ــ بدون ادنى شك, بداية من الضغط القائم حاليا على سوريا, فعلى الرغم انه من المستبعد قيام اعتداءات عسكرية فعلية الا ان ما يحدث الآن يعطي مؤشر خطير, ستستفيد اسرائيل منه على اعتبار انه محك سياسي تراقب من خلاله تصرفات دول الجوار العربي لسوريا, ومن ناحية ثانية الدول الاستراتيجية الاخرى مثل مصر والسعودية. - هل يمكن ان تتحرك تركيا لضرب حزب العمال الكردستاني في سوريا على غرار عملياتها العسكرية في شمال العراق؟ ــ لا تستطيع الضرب العسكري, لان ثمن ذلك سيكون فادحا,و ليس في سوريا فقط لكن في لبنان ايضا, حيث يوجد في منطقة سهل البقاع قواعد للاكراد باختصار ليس بوسع تركيا دفع الثمن في الوقت الحاضر حتى لو ارادت ذلك من هنا سوف لاتقوم بمغامرة عسكرية من هذه النوع كما انني استبعد حدوث ضربة عسكرية محدودة لان حدوث مثل هذه الضربة سوف لايتوقف عندها ولا توجد ضمانات لتوقفه بل لو حدث ذلك وهو احتمال بعيد جدا في الوقت الحالي, فانه من الممكن ان يجر المنطقة كلها لحرب اقليمية كبيرة لها نتائج وخيمة, كل ماتفعله تركيا هو نوع من التخويف واظهار القوة من خلال الضغط والمناورة. - هل يمكن تصور ان النزاع التركي السوري حول المياه قد يشعل حرب قادمة؟ ــ يجب ان اشير اولا انه من وراء الستار يوجد هدف اسرائيل في هذا الموضوع حيث انها تريد ان تستحوذ على نصيب اكبر من مياه الفرات, وذلك لعدم كفاية ما تملكه من موارد مائية لديها ولعدم كفاية تحلية مياه البحر لمتطلباتها في الشرب والزراعة, هدف تركيا في موضوع المياه ينقسم لقسمين, الاول فني يشمل الاحتياج الفعلي للمياه في عمليات الري الزراعي والثاني سياسي يشمل الضغط على سوريا لكي لاتطالب بحقوقها في مياه الفرات, لان تركيا مستمرة في انشاء السدود وهي ليست كلها بغرض عمليات توفير مياه الري للزراعة, لكن لها أهدافا سياسية مزدوجة تتمثل في غمر مساحات كبيرة من الاراضي للقرى التي يسكنها الاكراد بغية خلق مبررات لترحيل سكانها الاكراد, كما حدث في موضوع الاهوار بالعراق وكثيرون يتوقعون ان الحرب القادمة ستكون بسبب المياه, نظرا لما تسببه مشكلة المياه من خطورة وازمة حقيقية تهدد الشعوب في المنطقة العربية بل وفي العالم اجمع في القرن المقبل. - من المعطيات التركية المطروحة هل يمكن القول بأن تركيا ستضحي بكل مصالحها وعلاقاتها مع الدول العربية لأجل اسرائيل؟ ــ ليست المسألة بالنسبة لتركيا تضحية فتركيا صاحبة التاريخ العثماني لم تتخلص بعد من شعورها الخفي ورغبتها في لعب دور حديث يؤهلها لكسب نوع ما من السيطرة والنفوذ في المنطقة, ربما لايكون لتركيا نفسها رؤية واضحة في هذا الاطار هل هو نفوذ سياسي او اقتصادي او عسكري او خلطة تجمع كل ذلك؟ وربما تريد كل شيء لكن السؤال هو: هل تستطيع تحقيق هذا او ذاك؟ انها تريد التوازن في المنطقة العربية, وتريد تقريب الاردن لها وادخالها في المحور, الاقرب للواقع والقراءة السياسية الراجحة انها ستفشل في عمل توازنات تقبلها الدول العربية فتركيا التي لفظها الاتحاد الاوروبي ورفضها في عضويته لكونها دولة اسلامية واسباب اخرى, وتركيا عضو حلف شمال الاطلسي والتي تعيش حالة من الصراع المهدد بتفجيره في اي لحظة بسبب المشكلة القبرصية, وتركيا المسلمة جارة اليونان المسيحية عضو الاتحاد الاوروبي وتركيا التي تبحث لنفسها عن هوية سياسية واضحة, والتي تعاني من الانقسامات الداخلية بين حكومة ظاهرها مدني, وباطنها الفعلي الذي يحكم ويدير شؤون البلاد هم الجنرالات العسكر بكل هذه التناقضات تعيش تركيا حياتها اليومية, وسط متغيرات سريعة يعرفها العرب وغيرهم بما فيها اسرائيل هذا وتركيا تحاول تقوية موقف اسرائيل واثبات فائدة التحالف من الناحية السياسية, قد يكون في حالة وصول المشكلة لمجلس الامن فاعلية افضل من الجمعية العامة للامم المتحدة وقد يلعب شخص الامين العام كوفي عنان دورا مفيدا وذلك حال قيامه بمبادرة شخصية منه لكن حتى الان ليست المشكلة مطروحة بالامم المتحدة. اما من ناحية عضوية تركيا في حلف شمال الاطلسي وما اذا كان ذلك يدفعها لاستعراض عضلاتها على جيرانها فسوف لا تستطيع الاعتماد على حلف الناتو الذي معظم أعضائه هم ايضا اعضاء الاتحاد الاوروبي الذين لهم مصالح استراتيجية واقتصادية مع الدول العربية, وحلف الناتو بأعضائه الاوروبيين وحتى امريكا لن يخوض احد منهم مجرد المغامرة بالتلويح لمساندة تركيا في اعتداء على دولة عربية, حتى لو كانت سوريا التي لها شروط في عملية السلام مع اسرائيل ووسط هذه التنقاضات وتنوع المصالح نجد ان ما تفعله تركيا هو التخويف فقط. - لو فرضنا جدلا تفجير فتيل الازمة بين تركيا وسوريا ففي تصوركم هل سيكون لجامعة الدول العربية دورا في ترجيح كفة الصراع لصالح سوريا العربية؟ ــ فيما يختص بالجامعة العربية كمؤسسة اقول لك بصراحة لها وجه واحد, وهو ان هذه الجامعة ليست فاعلة بصورة مناسبة, ليس لها آليات عمل في هذا المجال اذا افترضنا جدلا وحدثت بالفعل مواجهة عسكرية بين سوريا وتركيا, وانما سيقتصر دورها كما يحدث دائما على النواح واللوم والادانة, لكن دور بعض البلاد العربية منفردة في العمل على تطويق الخلاف, وتلاشي الصدام اقوى من دور الجامعة العربية وقد شاهدنا السرعة بالمبادرة التي قام بها الرئيس المصري محمد حسني مبارك في زيارته لكل من الرياض ودمشق واسطنبول فجناحي التوازن الحقيقي في المنطقة العربية هما السعودية ومن وراءها بعض دول الخليج وعلى الجانب الاخر جمهورية مصر العربية, التي قام رئيسها في الوقت الحاضر لتهدئة الاوضاع لعدد من الاسباب اهمها: ــ حتى لايؤدي هذا النزاع في الوقت الحاضر لحرب او حركة عسكرية. ــ عدم تفاقم الصراع السياسي لأمر يؤدي لمزيد من تفتيت وتشتيت جهود المنطقة العربية, وهو امر يعني الكثير لمصر التي تسعى لدور الريادة الاقتصادية والتنمية بجانب وتضافر جهود مع معظم الدول الخليج العربي. ــ من الواضح ايضا ان مصر اخذت على عاتقها مسؤولية السلام, وهي تنفذ ذلك ليس في مصر فقط ولكن على المستوى الاقليمي لتجنيبه الدخول في صراعات عسكرية ليست في صالحها ولا في صالح السعودية التي تلعب دور توازن بجانب مصر وتنسيق دائم سواء المعلن او غير المعلن. - هل لامريكا دور داعم لتركيا وهل لذلك تأثير في عملية السلام بالشرق الاوسط؟ ـ طبعا لايمكن انكار ان عددا لابأس به من دول العالم لها ارتباطات امريكية لكن لدينا في التاريخ الحديث شواهد تثبت ان حتى اولاد امريكا قد يظهرون العقوق السياسي في بعض الاحيان, ولنذكر على سبيل المثال: ماركوس, شاه ايران, صدام حسين, هؤلاء كانوا يطبقون السياسة الامريكية لكن حينما تتعارض مصالح دولهم وتتناقض مع السياسة والمتطلبات الامريكية فيحاولون الخروج من المسار العام لبعض الخطوات, وتختلف مسافة التباعد من دولة لاخرى وفقا لقدر مصلحتها تماشيا مع ضروريات المناخ السياسي المطلوب داخليا, وهل هو تغيير مؤقت, ام هو تحول جذري, كل ذلك تحكمه المصالح الثابتة, وتتدخل فيه عناصر المفاجآت تلك التي تخرج عن دوائر التوقعات والتكهنات السياسية. الامر الثاني هو ان امريكا الان تقع تحت ضغط اللوبي الصهيوني ومن ناحية ثانية تحت وطأة الكونجرس الامريكي, والسلام الذي تريده امريكا في الشرق الاوسط هو سلاما برؤية اسرائيلية هذا السلام في الوقت الحاضر الغاية منه جر سوريا الى ساحته, اي تحقيق السلام بين سوريا واسرائيل وفق منظور اسرائيل, فإن كانت تركيا تريد تحقيق عدد من الاهداف من تهديداتها لسوريا فإن بعضها متناقضة مع المصالح والسياسية الامريكية وبعضها متفقة مع موضوع السلام بين العرب واسرائيل لذلك لانرى سياسة واضحة وجلية ومعلنة بصورة قوية من امريكا في هذا المجال, كما انه حتى هذه اللحظة لايوجد رد فعل امريكي قوي, لان الاهداف التركية كما ذكرت انفا متنوعة, ولاتصب كلها في خانة السياسة الامريكية, وهذا هو التناقض اضافة الى ان امريكا لها نقاط وعلامات استفهام كثيرة على تركيا فيما يختص بالمسألة الكردية. هولندا ــ (البيان) : اجرى الحوار: سعيد السبكي