خلال السنوات القليلة الماضية شهدت العلاقات التركية الاسرائيلية انتعاشا كبيرا في مختلف المجالات خاصة العسكرية منها . إن تركيا واسرائيل وقعتا العديد من الاتفاقيات منذ العام 1993.. واهمها تلك الموقعة في 1996.. التي تحدثت عن . تلك الاتفاقية اثارت قلق العديد من الجيران خاصة في دمشق, وبغداد وطهران من ناحية واثينا وقبرص التركية من ناحية اخرى. التقارب التركي ــ الاسرائىلي يعتبر امتداداً للحلف الامريكي داخل الشرق الاوسط.. وتعزيزاً للنفوذ الامريكي. فواشنطن صاحبة النفوذ في انقرة تضغط من اجل احتواء المد الاسلامي, ورافضة فكرة قيام نظام ديني في الخاصرة الاطلسية الجنوبية.. كما انها ترفض قيام اي تنسيق تركي ـ ايراني من شأنه ـ في حساباتها ــ ان يشكل نواة لدول الحزام الاسلامي من البلقان الى الجمهوريات الاسلامية الآسيوية. وتراهن واشنطن على ابقاء التناقضات متأججة بين تركيا وايران كما بين انقرة ودمشق التي حاولت اكثر من مرة التفاهم على اسس لحسن الجوار, لكن الجنرالات المؤيدين للحلف الاستراتيجي مع تل ابيب وبعضهم منحدر من طائفة (الدونما) اليهودية رفضوا ذلك التفاهم بل صمموا على مناهضة دمشق ومبادلتها سياسة حسن الجوار بتصعيد العداء وانتقاص حقها من المياه والتواطؤ مع تل ابيب ضدها كعاصمة للصمود العربي. تلك الاتفاقيات التركية ـ الاسرائىلية تمهد لتركيا مرحلة جديدة من التوسع والتنوع.. فضلا عن توقعها للدعم الامريكي وسط الاتحاد الاوروبي الرافض لضمها للمجموعة. وتركيا تدرك تماما بانها لن تحصل على اي دعم امريكي او نفوذ في واشنطن دون المباركة الاسرائىلية لذلك فضلت تركيا مواصلة الطريق الغربي.. فنرى تركيا قد عززت من تجارتها مع امريكا. من هذا المنطلق أدركت تركيا بقوة النفوذ الاسرائىلي داخل الكونجرس الامريكي وبدأت تتقرب منها... وتتطرق لبعض فرص التعاون المحتمل بين تركيا واسرائىل خلال السنوات العشر المقبلة. التعاون العسكري: خلال شهري فبراير واغسطس 1996م وقعت تركيا واسرائيل اتفاقات عسكرية.. لم يكشف عن بنود تلك الاتفاقيات ولكن تسربت اخبار تفيد ان تلك الاتفاقيات تشتمل على بنود اهمها: رصد الاخطار التي تهدد أمن الجانبين واقامة لجان عسكرية مشتركة لمجابهة تلك الاخطار. يتضمن الاتفاق التركي ـ الاسرائيلي بندا يتيح لاسرائيل ان تنصب اجهزة تنصت في الاراضي التركية.. لمراقبة ورصد اي تحركات عسكرية.. وهذا يمكن اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية ان تمارس اعمال التجسس وجمع المعلومات بالوسائل الالكترونية الحديثة. البند السابق.. تستطيع اسرائيل من خلاله تزويد تركيا بمعلومات وصور بواسطة الاقمار الصناعية الاسرائيلية واجهزة التنصت والتجسس الالكترونية. رصدت تركيا ميزانية للدفاع للعشرين سنة المقبلة تقدر بنحو 150 مليار دولار.. لتحديث القوات المسلحة التركية.. من خلال برنامج ينفذ بواسطة خبراء ومدربين اسرائيليين وامريكيين.. وهذا البرنامج مدعوم ماليا ايضا من الولايات المتحدة الامريكية. حيث حصلت اسرائيل على 650 مليون دولار من تركيا لتحديث طائراتها وعقد قيمته 150 مليون دولار لشراء صواريخ اسرائيلية. في مجال المناورات المشتركة.. اتفق الطرفان التركي والاسرائيلي على تنفيذ مناورات بحرية مشتركة تهدف الى صد اي اعمال عدوانية تقع على شرقي البحر المتوسط.. وتتعاون تلك المناورات وتنسق عملها مع الوحدات البحرية التابعة للاسطول الامريكي السادس. الاتفاق التركي ـ الاسرائيلي ما هو الا تعبير عما تختزنه التنمية السياسية والمؤسسة العسكرية التركية والاسرائيلية.. ويعتبر الاتفاق من موجبات الارتباط الجذري بين تركيا والاستخبارات الامريكية, وهو ارتباط يضم في دائرته تركيا واسرائيل معا. كما وان الاتفاق يتم بين دولتين حليفتين للولايات المتحدة الامريكية التي تنوي في اطار المتغيرات الدولية والاقليمية ان تنقل بعض اعبائها الدفاعية عن النظام الشرق اوسطي المأمول الى تركيا واسرائيل وربما الى غيرهما من دول المنطقة ايضا نقلا بطيئا متتابع الخطوات ومستتر المراحل يتناسب مع ايقاع خطوات التسوية وبقاء النظام الشرق اوسطي. ان الاتفاق التركي ـ الاسرائيلي قد يشكل مقدمة لترتيبات امنية اقليمية تنتهي الى حلف شرق اوسطي يتم في اطار التزام امريكي بالحفاظ على تفوق اسرائيل العسكري, واحتكارها للسلاح النووي كرادع استراتيجي. ويشير ذلك الاتفاق الى احتمال ان تعمل واشنطن على فرض هذه الترتيبات الامنية من خلال تشجيع دول المنطقة على عقد اتفاقات ثنائية للتعاون العسكري والامني فيما بينهما.. مما سيجعل واشنطن في مركز القابض على ميزان توازنات اقليمية وترتيبات امنية جديدة في المنطقة دون ان ينفي ذلك احتمال تطور هذه الترتيبات في مرحلة لاحقة باتجاه اقليمي موحد. ومثل هذا التطور يتفق مع الاستراتيجية العسكرية الامريكية الجديدة القائمة على مبادىء الدفاع الوقائي والردع والهيمنة والسعي لبناء منظومة امنية في الشرق الاوسط ووضعها في يد حليف قوي ــ اسرائيل وتركيا ــ للحفاظ على المصالح الامريكية في المنطقة في مواجهة الازمات, وبناء هذه المنظومة الجديدة بدءا بالاتفاق التركي ـ الاسرائيلي... مع ان الولايات المتحدة الامريكية استبعدت امكانية قيام تحالف استراتيجي ثلاثي (واشنطن, انقرة وتل ابيب) فان ثمة شواهد توضح وجود ارتباط بين هذا الاتفاق وبين واشنطن نذكر منها: قدمت امريكا تمويلاً مالياً ضخماً لتركيا جراء تكلفة تحديث اسرائيل لطائرات أف ــ 4 التركية. في 28 ابريل 1996م وقعت الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل اتفاقات امنية واستراتيجية جديدة. التعاون الاقليمي: الموقع الجغرافي لكل من تركيا واسرائىل وسط اكثر من 40 دولة نامية, فتركيا وبما تتمتع به من حجم اقتصادي وعلاقات جيدة مع الدول العربية يمكن أن تخدم اسرائيل وتجعلها تستفيد من هذه الناحية.. وبذلك في امكانهما تكوين تعاون يعزز من العلاقات الاقتصادية والتجارية في الاقليم. 1 ــ منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود: الأقليم يضم ايضا روسيا صاحبة 350 مليون دولار سوق تجارية.. وفي غضون خمس سنوات ستقفز مستويات الدخل الوطني لدول الاقليم الى 2500 ــ 3000 مليون دولار. لذا.. فالاقليم مقبل على طلبات تجارية كبيرة من المواد الاستهلاكية فتركيا في امكانها لعب دور كبير حيث ستصبح البوابة لاسرائىل لاستيراد الجلود, المنسوجات, المواد الغذائية.. وفوق ذلك ومطلوب من تركيا التوصية بضم اسرائىل كمراقب عضو في منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الاسود. 2 ــ جمهوريات وسط آسيا التركية: تتمتع تركيا بميزات كبيرة في علاقاتها التجارية والاقتصادية بتلك الجمهوريات.. تستطيع تركيا ان تقيم شركات استثمارية وتجارية مع اسرائىل بتلك الجمهوريات.. وستساهم اسرائىل في تلك الشركات بقدرتها المالية والتكنولوجية. 3 ــ السوق الشرق اوسطية (المنطقة التجارية الحرة): الاتفاقية التجارية الموقعة بين تركيا واسرائىل عبارة عن مقدمة لهدف, القصد منه توقيع اتفاقيات تجارة حرة بين دول المنطقة ووضع الاساس لمنطقة التجارة الحرة في الشرق الاوسط. 4 ــ البرنامج الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا: هذا البرنامج الذي اعلن عن قيامه في الدار البيضاء عام 1994م والذي يضم دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا ويدعم من امريكا واوروبا يضم ايضا في برنامجه كلاً من تركيا واسرائىل. 5 ــ الشرق الاوسط وثروات بحر قزوين: مع بداية القرن الحادي والعشرين فان الثروات الطبيعية لجمهوريات وسط آسيا واقليم بحر قزوين ستلعب دوراً كبيرا في الاقتصاد العالمي. سيلعب البترول والغاز الطبيعي المكتشف ببحر قزوين دوراً مهما في صناعة النفط.. واصبح تأمين خطوط نقل البترول والغاز من بحر قزوين للمستهلكين يمثل امراً في غاية الاهمية. حيث اصبح خط نقل البترول من مدينة باكو ــ الشيشان هو الخط الذي تدعمه امريكا وايضا تدعمه اسرائىل لسهولة نقل البترول الى اسرائىل.. وبمساهمة من اسرائىل في الامكان انشاء مصفاة تكرير بترول بحر قزوين في الشيشان وبالمقابل تستطيع تركيا انشاء بورصة البحر المتوسط للبترول. طريق الحرير التجاري الثاني: ايضا ومع بداية القرن الحادي والعشرين سيعلن عن طرق تجارية جديدة داخل المجموعة الاوروبية وروسيا, ووسط آسيا ودول المحيط الهادي.. وستخدم الطرق البريه والبحرية والجوية لهذا الطريق. وبالتالي ستصبح تركيا الجسر المهم لطريق الحرير التجاري الثاني الذي سينشأ. وتستطيع تركيا واسرائىل التعاون في استثمار الطريق خلال السنوات العشر المقبلة. التعاون الزراعي: تستفيد تركيا من الخبرة والتكنولوجيا الزراعية الاسرائيلية.. حيث تعاني تركيا من انخفاض في الانتاجية الزراعية.. وبالتالي ستساهم اسرائىل في رفع الانتاجية الزراعية.. ومن المحتمل ان يتم التعاون في تمويل الطاقة والسدود والري.. والتخزين والماكينات الزراعية. المياه: في المستقبل القريب سيصبح الماء سلعة معروضة للبيع في الاقليم, حيث تركيا تقوم بتزويد وتوفير طلبات الماء للاخرين ومنهم اسرائىل التي تحتاج الى مياه صالحة للشرب وفي الزراعة. وستصبح المياه تشكل تهديداً للسلام في المنطقة لذا, ستعمل تركيا على تكملة البناء الاستثماري لتستفيد من توفير ونقل المياه.. وهنا ستلعب اسرائىل دور المستثمر لتنجح في توفير الماء للمواطنين الاسرائىليين وللقطاع الزراعي.