كيف ترى الجماهير عدوها الذي حاربته بعد مرور خمسة وعشرين عاما على حرب أكتوبر؟ هذا السؤال المنطقي يتجدد وبالحاح لاسيما وأن بعضا من النخب التي كانت لديها قناعات تنطلق منها في مواجهة العدو قد ادارت ظهرها اليها لتروج لما تسميه بثقافة السلام التي تعزز من محاولات فرض التطبيع بصوره المختلفة والتي تصب في مصلحة الجانب الاسرائيلي الذي يؤكد حرصه على ذلك في اتفاقيات التسوية منذ البداية المبكرة في كامب ديفيد وحتى المراوغات المستمرة في الاتفاقيات الاخيرة والمفاوضات الجارية. ولأن هناك جيوبا لمروجي هذه المفاهيم المغلوطة والمشبوهة التي يراد الترويج إليها مثل ثقافة السلام, ترابط من مواقع تأثير مختلفة, ولأن هموم الاجيال الجديدة حل عليها شيئا من الاعباء المختلفة لا يحتل الوعي بصورة العدو مكانا لائقا بالضرورة في ترتيبها ناهيك عن التفاعل معها, فقد توجهت (البيان) تستطلع رأي عدد من المثقفين المصريين الذين عاشوا المرحلتين بوعيهم في قضية وعي الجماهير بعدوها في ظل محاولات النيل من ذلك بصور مختلفة وطبيعة هذا الوعي والادراك مستقبلا. اضطراب في الرؤية بداية يشيد د. رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات السياسية إلى وجود اضطراب سطحي في نظرة الناس إلى الكيان الصهيوني, وليس على مستوى العمق الفكري والمخزون الانساني المعادي لهذه الظاهرة السرطانية في المنطقة .. ويرجع الاضطراب إلى السياسات الحاكمة لأغلب الانظمة والاعلام وهيمنة ما يسمى (خطاب وثقافة السلام) خلال السنوات العشرين التي تلت اتفاقية (السلام) مع اسرائيل .. ولكن سرعان ما ينقشع الاضطراب ويتوقف عند المحركات الاساسية في مسار الصراع, مثل مذبحة (الحرم الابراهيمي) أو العدوان المتكرر على لبنان, تظهر الروح الحقيقية التي ترى في هذا الكيان عدوانا وسرطانا واستيطانا. مستقبل النظرة للعدو ويستبعد سيد أحمد امكانية ان تخبو هذه الروح حتى ولو انسحبت اسرائيل مستقبلا من لبنان أو أوقفت اعتدائها اليومي على حقوق الشعب الفلسطيني. مؤكدا ان الخبرة المتراكمة خلال خمس سنوات هي عمر اتفاق اوسلو, تؤكد ان اي اتفاقية تتم بين سلطة عرفات وأي حكومة اسرائيلية ستصب في اتجاه معاد ومضاد لاسرائيل, لأنها ستكون على حساب الفلسطينيين بالاساس, سواء على مستوى الارض أو على مستوى انتقاص السيادة, أو على مستوى الحصار الكامل والاطباق على مقدرات الفلسطينيين, من خلال منافذ العبور إلى المطارات مضيفا ان اي اتفاق سيتم بين اسرائيل والفلسطينيين سيكرس العداء و(صورة العدو) أكثر, لأنه سيكون على حساب العرب والمسلمين عموما, والمعنى نفسه ينسحب على الساحة اللبنانية, وان كان الفارق ان لبنان تقاوم يوميا, وبالتالي سيصب أي انسحاب لاسرائيل في خانة الاعلاء من المقاومة وبالتالي العداء لاسرائيل, لأنها ستولد مشاعر لدى الشارع العربي والاسلامي أن بالمقاومة تستطيع تحرير الارض, والحصول على حقوقك, وستزيد الرغبة في تحرير باقي الاراضي العربية اذاء ما تحرر الجنوب اللبناني بالوسائل نفسها, التي يمكن ان نفترض نموذجها (حزب الله) ومن هنا يمكن ان يكون (حزب الله) حالة عربية في المستقبل تساوي (الصورة المثلى) للعداء الاسرائيلي, أو النموذج الذي يفترض ان يحتذى في طريقة العداء, وتوظيفه للعدو الصهيوني. السياسة أهدرت دماء الشهداء وعن تأثير التركيز في السنوات الماضية على مقولة أن (حرب أكتوبر هي التي أتت بالسلام) واختزالها المعاني الاخرى لحرب أكتوبر كمحاولة لتحرير الارض, والثأر من الهزيمة ومعالجة للكرامة المصرية والعربية الجريحة بهزائم متوالية مع اسرائيل, يصف رفعت سيد أحمد حرب أكتوبر بانها حرب (مغدورة) ويرجع ذلك الوصف الى غدر السياسة بدماء الشهداء الى كافة المستويات والاصعدة ويقول لم يكن مقابل دماء الشهداء عادلا, سواء بعد خمس سنوات من الحرب من كامب ديفيد, أو حتى الآن.. وأعتقد أن حرب أكتوبر لم تأت بالسلام الذي يساويها, وإنما أتى القادة السياسيون لحرب أكتوبر بانتكاسات وهزائم سياسية ألبسوها أردية تسمى (السلام) , تسمى (انتصار السلام) , وفي تقدير رفعت سيد أحمد أن أسوأ أنواع الهزيمة هو الذي يروج باعتباره انتصارا, الأمر الذي حدث تحديدا في تصوير ما توصلت اليه القيادة السياسية لمصر في اتفاقيات (كامب ديفيد) باعتباره نصرا, وتوظيف (هزيمة السلام) على أنها انتصار وامتداد لحرب أكتوبر, وروج لذلك الاعلام الساداتي والاعلام الغربي والدولي.. (فأكتوبر لم تأت بسلام) ما أتي هو به هزيمة ارتدت ثوب السلام, ألبسها السياسيون حرب أكتوبر, ومن المهم تصحيح هذه المفاهيم لدى الاجيال الجديدة التي لم تعش فترة أكتوبر وما قبلها, خاصة وأنها تتأثر وتضطرب أمام الالحاح الاعلامي منذ فترة, وان كانت تكتشف الزيف أمامها من خلال استمرار العدوان والتعنت الاسرائيلي وتوالي الحكومات التي تزداد تعنتا وعدم وجود الخير مع هذا السلام.. لذلك يعتقد رفعت سيد أحمد ان (جوهر مشاعر ووجدان وعقل الناس يرفض تلك المقولة, ويتأكد من سقوطها, ولم يعد يقولها الا سمسار او مستفيد او ساذج. الشباب ومصائب التطبيع وحول حالات زيارة عدد من الشباب المصري لاسرائيل وتأثير ذلك على تصورهم لمفهوم العدو يعتبر رفعت سيد أحمد تلك (الظاهرة المحدودة) مصيبة من مصائب التطبيع من 1979 وحتى اليوم, مؤكدا ان ذلك يعد قنابل مستقبلية يبرر محدودية خطرها ان العدد قليل من ناحية, وأن هنالك متابعات امنية من ناحية اخرى, من بعض الاجهزة, التي ما زلنا نستشعر انها محترمة.. وأيضا التخويف الاعلامي من اسرائيل, سواء على المستوى الشخصي أو العام, الى جانب ان الذين سافرا قياسا بالتعداد للقوى المصرية العاملة في الخارج لا يتعدون 0.1%, وحتى أولئك الذين يحصلون على توكيلات لشركات اسرائيلية في المنطقة هم من البداية يبيعون الوطن, فلا تشغلهم مثل هذه المقولات ولا يتوقفون امامها, والخطر في الشباب القادم من الريف, حيث اضطربت الصورة في عيونهم ورأوا في اسرائيل مجتمعا متقدما. ــ اذا كان المثقف علي سالم رأى الاسرائيليين كذلك, فما بالك بالشباب الريفي البسيط, لكن سرعان ما تنقشع هذه الصورة, عندما يرى الوجه الآخر لها, وهو يمر في قطاع غزة, والمناطق الفلسطينية المحررة, ويراها يوميا يتأكد له ان نظرته لإسرائيل كدولة متقدمة مجرد سراب ووهم, وأنها حلم غير متحقق, يتحقق فقط بالنسبة للصهيوني الاسرائيلي أو اليهودي.. التطبيع واختراق النخبة وعن الاختلاف على مستوى النخبة, وعما اذا كان (التطبيع الثقافي) قد أثمر عن شيء في أوساط المثقفين, يعتقد رفعت سيد احمد انها لم تسفر عن شيء وكل نتائجها قاصرة على اشياء غير ذات قيمة ومرتبطة بالاجهزة, مثل (جمعية القاهرة للسلام) ويقول ان تحليل خطاب هذه الجمعية ثم لقاء رئيس الجمهورية بل والضجة الاعلامية حولها تعطينا رسالة محددة ان أولئك الناس اعضاء ومؤسسو جمعية القاهرة للسلام هم صنيعة جهاز من أجهزة الدولة, لتوزيع الادوار, وحتى بالنسبة للاجهزة فقد فشل هؤلاء في تحقيق شيء. ومن هنا يصبح اختراق جبهة المثقفين حتى الآن يساوي صفرا كبيرا, فالمركز الاكاديمي الاسرائيلي مازال محاصرا رغم التسهيلات الشديدة التي تعطى للباحثين والباحثات وبعض السياسيين والمحاضرين. ومازالت السفارة الاسرائيلية منطقة يخشى المصري المثقف أو غيره ان يدنس قدميه فيها, ومازال الشعور بالعار يلاحق اي مصري اذا قام بالحوار مع الاسرائيليين, ويبعد بعدا فعليا عن الجماعة الثقافية اي ان مجمل جسد النخبة المصرية على اختلاف انتماءاتها, يساري أو اسلامي أو ليبرالي أو قومي ما زال معافى من هذا الاختراق, والاشكال التي نتجت نتوءات محدودة ومرضية ومؤقتة وتحت الحصار ومرتبطة بالاجهزة. اسرائيل عدو دائم اما د. رفيق حبيب نائب رئيس الطائفة الانجيلية في مصر, وأحد الاعضاء المؤسسين لحزب الوسط المصري ــ تحت التأسيس ــ فيلاحظ ان تصور الناس في الربع القرن الماضي لم يتغير كثيرا في تقييمهم لهذا الكيان الغريب, سواء أسميناه اسرائيل أو الصهيونية أو اليهودية, فمازال الرجل العادي ينظر اليه بوصفه عدوا, والذي تغير في الواقع انه طرحت اساليب اخرى للتعامل مع العدو, بعد ان كان الاسلوب الوحيد هو الحرب, اصبح هناك اسلوب آخر هو السلام, يظهر له احيانا بريق عند الناس, ويخفت في احيان اخرى كثيرة, وكأن هناك اسلوبا ممكنا للتعامل معه... وبهذا يظل الكيان نفسه مصنفا كعدو, وإن اختلفت الاساليب, واختلف مدى قبول الناس العاديين لهذا الاسلوب أو ذاك... ولكن احباطات عملية السلام تجعل احتمال السلام يضعف في نظر الناس انفسهم, وتؤكد الاحباطات مرة اخرى المعنى أو تعيد انتاج المعنى القديم وهو ان اسرائيل رغم محاولات السلم معها لأنها لا تريده. وصلب المسألة ان الانسان العادي يصعب ان يتصور هذا الكيان كصديق أو حليف أو شيئا من هذا القبيل لأنه عدو أصيل في تكوينه. مستقبل الصراع والحلول المطروحة وعن الوعي الناتج عن التجربتين, تجربة الحل العسكري والحل السلمي, وهل يصب في اتجاه حل جديد ثالث مستقبلا, أو الى شكل جديد لإدارة الصراع مع العدو الاسرائيلي كما يطرحه البعض: فكرة التفكيك والتذويب في المحيط الثقافي العربي. يرى د. رفيق حبيب انه بالنسبة للقوى السياسية معنى التفكيك هو تفكيك الدولة الصهيونية بالكامل, وإعادة فرز من انتمى لهذه الدولة, وعلى المدى الطويل زمنيا يمكن ان يحدث ذلك: تفكيك كيان الدولة وإعادة فرز المنتمين لها, وبعضهم سيكونون أقرب الى التآلف مع المنطقة والعيش في سلام مع أهلها, وبعضهم سيرحلون فورا, لأنهم مجرد تجار مرتزقة, جاءوا مع الكيان المعتدي. وعما اذا كان ممكنا ان تنزع اسرائيل عن نفسها المادة الحية لاستنفار مشاعر العرب باعتداءاتها المتكررة على جنوب لبنان بالانسحاب منه ــ مثلا ــ ألا يمكن بذلك ان تتخفى صورة العدو المباشر الى شكل غير مباشر لا يثير مشاعر الحشد والتعبئة النفسية لدى العرب مصريين وغير مصريين.. يعتقد رفيق حبيب ان ذلك صعب للغاية بالنسبة لاسرائيل مثلا من الممكن للولايات المتحدة الامريكية ان تمثل تهديدا لمصالحنا دون ان تدري ذلك بسهولة.. وبالتالي يكون عداؤنا لا عداء كامنا, وبالنسبة للعدو القائم أساسا على استعمار استيطاني (داخل أرضي) اعتدى عليّ وأخذها, فلا يمكن ان يكون عدوا ضمنيا, بل هو على العكس عدو صريح, يواجه ويستفز, وقدرة الكيان الاسرائيلي على جذب رضا الفلسطينيين والعرب أو يجتذب صداقتهم هي قدرة تكاد تكون منعدمة, فهو يعاديهم ويشعر انه سلب أرضهم, وبالتالي يرى انهم يهددون الكيان الذي أقامه.. المسألة بالنسبة لاسرائيل أكثر تعقيدا أو العداء فيها أكثر تأصلا, ويصعب ان يختفي هذا العداء. نظرة الاغلبية راسخة أما حسين عبدالرازق أمين مساعد حزب التجمع ورئيس تحرير مجلة اليسار, فيرى انه حدث تغير في نظرة بعض الناس بالنسبة لاسرائيل, ومنذ زيارة السادات (للقدس المحتلة) في نوفمبر 1977 تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح بين السادات وبيجن, والخطاب الاعلامي والسياسة الرسمية والتطورات على الساحة العربية والدولية ونشوء مصالح لبعض القطاعات مع اسرائيل, كل ذلك أدى الى ان أصبح في الرأي العام المصري قطاع لا ينظر لاسرائيل نفس النظرة السابقة كعدو رئيس وأساسي لمصر, لكن الغالبية مازالت تعتبر اسرائيل هي العدو, ولا تتصور امكانية التعامل معها كجار أو دولة عادية موجودة على حدودنا. ويعتقد حسين عبدالرازق انه ليس صدفة ان كلمة العدو في العقيدة العسكرية للقوات المسلحة المصرية تعني اسرائيل هذا الأمر دلالته عميقة, وان فشل التطبيع واقامة علاقات تجارية وثقافية مع مصريين بشكل واسع دليل ثان على ان نظرة الشعب المصري لاسرائيل كعدو مازالت موجودة بقوة. وعن التساؤل حول كيفية انتشار الفكرة المضادة لما يطرحه الاعلام الرسمي, في محاولة ازالة أو تجنب صورة اسرائيل كعدو يتحفظ حسين عبدالرازق قليلا على القول بأن الاعلام الرسمي يصور اسرائيل على غير حقيقتها كعدو طول الوقت (ربما كان ذلك موجودا بالتوازي مع زيارة السادات للقدس المحتلة أو مبادرته وحتى بداية التسعينات, ولكن في السنوات الأخيرة يحدث كثيرا نتيجة لأزمة معينة كمذبحة (قانا) في لبنان أو الصدام بين الحكومة الاسرائيلية والفلسطينيين أو حملات اسرائيلية اعلامية ضد الحكومة المصرية أو الرئيس مبارك, ان تنطلق أجهزة الاعلام وتعود الى أصلها وتشير الى كل الثارات والأخطار, وان لم تستخدم تعبير العدو, في الوقت نفسه هناك مواقف رسمية للدولة دفعتها عوامل مختلفة مثل احتكار اسرائيل للسلاح النووي, والخلاف حول السوق الشرق أوسطية الى آخره, كلها تهز النغمة السائدة سابقا في إعلام الدولة عن اسرائيل. الإعلام الموازي في الوقت نفسه لا ننسى وجود اعلام مواز للاعلام الرسمي, صحيح انه محدود ومساحته قليلة وهو الاعلام الحزبي ــ اذا جاز التعبير ــ خاصة من الاحزاب التي تتبنى موقفا معارضا للتطبيع والصلح مع اسرائيل بالشكل الذي تم به, وإنكار القضية العربية والتنكر للقضية الفلسطينية الى آخره هذه المساحة تساعد في توضيح الصورة. والاهم من هذا وذاك ان الوجدان الشعبي من الصعب تغييره بالإلحاح الذي قد يؤثر قليلا, وتأتي حادثة صغيرة فيعبر المخزون الشعبي عن نفسه بقوة, ويكتشف الشخص الذي قال بأن الحرب انتهت وينبغي التعايش مع اسرائىل, بأن كل ما قاله كلام ظاهري, وان يقينه العميق ان اسرائىل عدو وستستمر عدوا. ويضيف حسين عبد الرازق انه حتى لو اختفت مشاهد العنف والظلم الاسرائىلي والضرب المتكرر في جنوب لبنان وللفلسطينيين في الداخل عن شاشات التلفزيون وأخبار الصحف وتقاريرها, واذا ما انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان وتمت تسوية القضية الفلسطينية تماما وهو احتمال ضعيف في المستقبل القريب الا انه ستظل هناك حقائق لاتزول, فهناك أرض عربية محتلة وهي فلسطين (48) التي استولى عليها مجموعة من القادمين من الخارج واقاموا عليها (دولة اسرائىل) .. اليوم ونحن نكتب هذه السطور هناك معارك في فلسطين (48) بين العرب (الذين يحملون الجنسية الاسرائىلية) والحكومة الاسرائىلية التي تضطهدهم كعرب, كأقلية عربية في المجتمع الاسرائىلي ستظل هنا كنقاط كاشفة لطبيعة الكيان الصهيوني. الفرق بين السلام والتسوية وعن المقولة التي تم ترويجها ما بعد (السلام) عن حرب اكتوبر باعتبارها هي التي اتت بالسلام واثر التركيز على هذه المقولة من اختزال لحرب اكتوبر في عقول الأجيال الجديدة يرى حسين عبد الرازق ان المشكلة الاساسية في هذه المقولة ان ما تحقق ليس ثمارا او نتيجة لحرب اكتوبر بل هو إجهاض لنتائجها العسكرية والتي كان من المفروض ان تنعكس في واقع سياسي مشابها لها, والذي حدث ان النتائج السياسية للانتصار العسكري الاول من نوعه في الصراع كانت عكسه تماما, ثانيا ان ما تحقق الان ليس سلاما, بل هو نوع من التسوية السياسية يحقق في النهاية مصلحة اسرائىل والولايات المتحدة الامريكية ولا يحقق المصلحة العربية.. وأثر تسييد مقولة ان (اكتوبر هي التي أتت بالسلام سلبي للغاية, والاجيال الجديدة مظلومة بشدة, فهي محرومة من كثير من الحقائق, وتقدم لها بشكل مغلوط ورغم ذلك يفاجأ المرء احيانا باشياء تعطي وعيا عميقا موضوعيا للناس, خاصة الفن والأدب والابداع, الذي يلعب دوراً غير عادي, وكثير من الافلام (الوطنية) التي تعرض في التلفزيونات العربية والقنوات الفضائىة تحقق ردود أفعال جيدة وتعيد تشكيل وعي الاجيال الجديدة, وكذلك الأعمال الادبية رغم قلة فترات العرض وفرص النشر فإن مثل هذه الاعمال الابداعية ذات تأثير ايجابي مبشر على وعي الاجيال التي لم تعش مرحلة أكتوبر وما قبلها من مراحل الصراع مع اسرائيل, واذا استمرت هذه النغمة وتصاعدت سيكون لها تأثير بالتأكيد على عكس نغمة الصلح والمهادنة والسلم. الانقلاب في الاولويات وعن التطبيع الثقافي ومايمكن ان يكون قد احدثه في اختراق للنخبة والمثقفين المصريين حول اسرائىل يقول عبد الرازق ان الاختراق لم يقتصر فقط على المسألة الاسرائيلية, بل تم في الموقف من القضية الوطنية بشكل عام. وانحاز جزء من النخبة المصرية مبكرا للعلاقات الخاصة مع أمريكا والتبعية لها, وشمل الانحياز عناصر كانت محسوبه على اليسار, حدث نفس الشيء بالنسبة للقضية الاجتماعية وانقلبت عناصر من النخبة على الفكر الاشتراكي وفكرة العدالة الاجتماعية وهي عناصر كان لها تاريخ في النضال من أجل تلك الفكرة. وفي اتجاه متكامل مع تلك الانقلابات حدث الاختراق التطبيعي, ولكن ما يطمئن المرء ان هذا الاختراق مازال ثغرة (كالد فرسوار) يتم حصارها وتطويقها والانتهاء منها سريعا, وتقوم بالمعاونة اسرائيل نفسها, اكثر من (ابو عمار) (ياسر عرفات) من خلال تشدد حكومتها وتعنتها ورفضها للتسويات الهزيلة التي يقبلها المطبعون عن طيب خاطر. هدر نتائج اكتوبر اما الكاتبة (الاسلامية) صافيناز كاظم فترى تأثير التطبيع بعد 25 من اكتوبر من زاوية مختلفة.. فعلى مستوى النخب ترى ان الحيثيات التي قدموها لرفض كامب ديفيد والمبادرة ــ اي النكوص عن النتائج المرجوة لحرب اكتوبر, واستشرافهم لنتائج المبادرة صدقت كلها, وبعض من ايدوا المبادرة وساهموا في التطبيع راحت ثقتهم تهتز بسبب تعنت اسرائيل, وحتى من كانوا يسيرون وفق المثل الشعبي (خليك مع الكذاب حتى باب الدار) اكتشفوا ان الكذاب كما هو, لكن من امسك بالقضية من جذورها وادرك انها (ارض سرقت) يدرك ايضا (بالوقائع) انه لاينفع فيها صلح, والحل الوحيد هو تحرير كامل التراب الفلسطيني, ايا كان الزمن الذي يستغرقه ذلك.. سنة او قرنا من الزمان لايهم.. ولتتجمد القضية حتى تستطيع استعادة الارض. الجيل الجديد مرتبك اما عن الاجيال الجديدة والمواطن العادي فترى الكاتبة صافيناز كاظم انه مغيب وغير فاهم, ومرتبك بقضايا اخرى, وطاقته الدفاعية موجهة الى نفسه, تجد من يضرب زوجته يقتل ابنه, يكره العرب لمجرد انه سافر لبلد عربي ولقي معاملة سيئة, يظن خطأ ان هذا او ذاك اصبح عدوه, ولا يعرف حجم وخطورة العدو الاسرائيلي كما يعرفها الجيل الاسبق, هو اذن جيل مغيب ومجهل ومعذور, تقول لاحدهم: (كامب ديفيد!) فيندهش او يستنكر (ماذا تقصد بكامب ديفيد) ! وتقول له: (السلام مع اسرائيل خطأ) يرد: (السلام حلو لكن ماذا يعني؟) !.. وهناك اعداد كبيرة من الشباب بسبب ضيق (المعايش) اذا ما فتحت امامهم فرص العمل في الارض المحتلة يسافر, ويبرر لنفسه:) الفلسطيني يعمل هناك.. فلماذا لا اذهب انا! الفكرة اصبحت اذن عند الناس وخاصة الجيل الجديد مشوشة للغاية وفرصة التوضيح لم تعد متاحة بشكل اصولي ومنهجي. السلام المؤخر ويعلق د. عبدالوهاب بكر استاذ التاريخ المعاصر اهمية كبرى على اتفاق السلام الذي تلى حرب اكتوبر بسنوات قليلة لم يحقق الحالة الطبيعية من السلام الذي وعد الناس به فظلوا ينظرون لاسرائيل كعدو, يشكون في تصرفات الاسرائيليين وسلوكهم, وهم ايضا يشكون في برودة عملية التطبيع. وهي قضية لاتزال لأن احساسنا منذ البداية بأنه سلام غير حقيقي مجردا سترداد الارض دون حرب.. ولكن مع الاحساس بوجود قيود ما, وان امريكا تساند اسرائيل مساندة انحيازية تامة, والاحساس بالظلم الواقع على الاشقاء العرب الفلسطينيين واللبنانيين اوغر صدر المصريين وجعلهم يشعرون بأنهم استردوا ارضهم (اذن لا لزوم لعلاقات بينهم وبين اسرائيل وبالتالي لم تنجح اتفاقية السادات في تغيير مفهوم العدو, بل استقر في الوجدان انه سلام اضطراري موقوف بمصلحة استرداد الارض وعلى مضض لان اخوتنا مازالوا في ظلم, ولأننا ايضا مظلمون من خلال الانحياز الامريكي الدائم لاسرائيل, وقت ان كانت تحاربنا, ووقت ان عقدت معنا اتفاقية سلام, بالاضافة الى ممارسات اسرائيل المباشرة تجاهنا كمصريين, كإرسال الجواسيس ومطالبة امريكا فمنع المعونة او بمنع تسليحنا كل ذلك يجعلنا نشعر بأننا لسنا اصدقاء, وانما بيننا سلام مسلح! وبالنسبة لجيل الشباب يلاحظ عبدالوهاب ان شبابنا شديد السطحية فلا يقرأ ولا حتى الصحف, لكي يطلع على مجريات الامور وقد رأى شبابنا في امريكا وفي سوريا وفي لبنان لديهم وعي واهتمام بمعرفة شؤون بلدهم اكثر من شبابنا, ربما تكون ملاحظة عابرة وليست معيارية, ولكنها انطباع قد يصدق. ومن ثم فهو عرضة للاعلام الكاذب او الغشاش المخادع, بدليل بعض الشباب الذي يرفع العلم الامريكي على سيارته و(يلكن) بكلمة عربية واخرى اجنبية, دون ان يكون واعيا بأحوال بلدنا.. هم شباب مهمش فمن السهل خداعه او انخداعه, ودعوته لزيارة (واحة الديمقراطية في ارض جدباء) . فقدان الثقة بالخطاب السياسي على المستوى الشعبي يرصد د. حامد عمار استاذ التربية بجامعة الزقازيق اول تغير نتيجة لكامب ديفيد كان فقدان ان الشعب والرأي العام الثقة في الخطاب السياسي حيث وضح في مصر او في الاقطار العربية الاخرى, ان القيادات او بعضها على الاقل, لم تكن في حالة قطيعة مع اسرائيل. بل في حالة تواطؤ, وان الخطاب السياسي الذي كانت تقدمه للشعوب كان للاستهلاك المحلي, وبذلك ضعفت مصداقية الخطاب السياسي والعلاقة بين الشعب والقيادات, في نفس الوقت أدت اتفاقية السلام الى الارتباط المتزايد بخدمة المصالح الامريكية الاسرائيلية, واستمرت موجات الاثير تعزف اغنية ان الاوراق كلها بيد امريكا. وحدثت اختراقات للرأي العام عند المثقفين ولكن متأخرا جدا في شكل (جماعة كوبنهاجن) , وان كانت جذور وبذور المقاومة قوية وتشتد قوة يوما بعد يوم على المستوى الشعبي. ولكنها في معظم الحالات, من خلال النقابات والهيئات والجمعيات المدنية والاهلية كانت مجرد رد فعل للجرائم والاعتداءات الاسرائيلية.. ولم تتبلور الى مؤسسات شعبية, لها تنظيم ودرجة من الاستمرارية ولها برنامج يمكن من خلاله الضغط على الجهاز الحكومي.. ولا شك حدث اختراق على مستوى نخبوي كأفراد وكمجموعات. وقد استقر ايضا ومنذ فترة ليست بالقصيرة ان السلام نفسه لم يقنع احدا بان اسرائيل كيان يمكن التعامل الطبيعي معه, واننا ازاء حضارة عنصرية مستعلية غازية, تريد التوسع حتى قيم الثقافة الاسرائيلية مرتبطة بهذا التصور العنصري الاستعدائي, ولذلك ستظل قضية الصراع الحضاري وقضية صراع الوجود والبقاء مرتبطتين معا باستمرار حتى تتخلى اسرائيل عن الايديولوجية الصهيونية التي تتلبسها. وعلى مستوى النخبة يرى د. حامد عمار ان عملية السلام وقبلها كامب ديفيد اصابت المثقفين بحالة من الدوار. وحالة من الاغتراب.. اغتراب اختلطت فيه القيم: من مع, ومن ضد ومصلحة من؟ (السلام) وهل لهذه الكلمة الان من كثرة ما مضغت ـ من دلالة موضوعية, نستطيع التعرف عليها, أم أنها كلمة براقة لا نعرف مضمونها ومضامين اتفاقية اوسلو التي هي بنت (كامب ديفيد) من ابشع ما يمكن ان تمثله من مفهوم للسلام, وكل ما ارتبط بذلك من دعاوى سوق شرق اوسطية, وتنازلات.. ويعتقد د. حامد عمار ان مجتمعنا نتيجة التنازلات التي حدثت في المصالح القومية, وحتى في المصالح القطرية نتيجة كامب ديفيد واوسلو والصلح مع الاردن حصلت فيه تداعيات اصبح لها عواقب على التماسك الاجتماعي في كل قطر, واعتبار عمليات الاطار القومي العربي, كما لو كان مجرد احلام.. ورغم ذلك هناك جهود مبذولة للمقاومة. وستظل كلمة اسرائيل والصهيونية من الكلمات البغيضة التي لا يريد ان يتعامل معها المواطن المصري لا من قريب ولا من بعيد.. وجوهر منظمات المجتمع المدني هو في مواجهة التطبيع, رغم الاختراقات التي تحدث لبعض الجمعيات نتيجة للوقوع في التعامل مع اسرائيل, من قبيل حسن النوايا. القاهرة ــ ايمن شرف