ظلت الانظار مشدودة باتجاه التحرك المصري الذي يقوده الرئيس حسني مبارك في محاولة لنزع فتيل الأزمة ولتبديد أسباب التوتر بين سوريا وتركيا.وقد تابعت الأوساط الرسمية والشعبية السورية وصول مبارك الى دمشق ليلة الاربعاء قادما من أنقرة على أمل ان يعلن ما تمخضت عنه محادثاته مع الرئيس التركي سليمان ديميريل من بوادر تركية تزيل حالة التشاؤم السائدة في سوريا من احتمال وقوع مواجهة عسكرية أو أعمال عدوانية تقوم بها أنقرة. ومما زاد من مشاعر القلق ان الرئيس مبارك لم يعلن شيئا من هذا القبيل قبل مغادرته دمشق في الليلة نفسها. وسط هذه الأجواء المخيمة على المنطقة التي تحوم فيها أشباح الحرب, أخذت الأسئلة تتزاحم وتطرح نفسها على كل صعيد وتتمحور حول سؤال صعب ليس من السهل الاجابة عنه في ظل تسارع التهديدات التركية والتداخلات الاقليمية والدولية, والسؤال هو من ثلاثة شقوق, الأول: هل نجح مبارك في اقناع الزعامة التركية (المدنية والعسكرية) في وقف طبول الحرب, واذا لم ينجح في مساعيه هل يعاود بذلها مرة ثانية وحتى انهاء الأزمة؟ والشق الثاني هو.. هل تركيا مصممة على القيام بعمل عسكري ضد سوريا؟.. وما هو مدى أو شكل التنسيق التركي الاسرائيلي في هذا العمل؟ أما الشق الثالث فهو.. ما هي امكانية قبول سوريا بالمطالب التركية أو بجزء منها, خاصة فيما يتعلق بمطلبي التنازل عن لواء اسكندرون وتسليم عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الى تركيا. بالنسبة للشق الأول من السؤال الخاص بمدى نجاح مساعي مبارك لدى القيادة التركية, فقد بات واضحا لدى المراقبين في دمشق ان المساعي المصرية لم تحقق حتى هذه الساعة أي تقدم بسبب اللغة العدائية والنوايا المبيتة لدى الجانب التركي تجاه سوريا والعرب عامة. فأثناء مساعي الرئيس المصري بين دمشق وأنقرة منذ السبت الماضي صعدت القيادات التركية العسكرية والمدنية من تهديداتها ومطالبها التعجيزية وزادت من حشودها العسكرية على طول الحدود السورية. ووجهت انذارا أخيرا لدمشق قبيل مغادرة مبارك لها عائدا الى القاهرة وقدمت مطالب غير ممكنة التطبيق. ويرى المحللون فيما يخص الشق الثاني ان قادة الجيش التركي قد صعدوا الأزمة مع سوريا أكثر من اللازم وانه لم يعد بمقدورهم التراجع وتبرير موقفهم أمام الرأي العام التركي إلا بتنفيذ عمل عسكري ولو كان محدودا ضد سوريا. ويؤكد هؤلاء بأن جنرالات الجيش التركي يواجهون أزمات صعبة في الداخل ومن أبرزها الضغوط المدنية لاجراء الانتخابات العامة في تركيا وتحقيق الديمقراطية وهم من خلال افتعال هذه الأزمة مع سوريا يحاولون تأجيل الانتخابات وان يبقوا ممسكين بمقدرات الامور في تركيا خوفا من عودة أنصار حزب الرفاه الى الحكم. ويبدو واضحا الدور الاسرائيلي في تصعيد حدة التوتر من جانب تركيا ضد سوريا وتوجيه الانذارات والتهديدات اليها, وفي حال وقوع عدوان تركي على سوريا, فإن دور اسرائيل لن يكون في مجال تقديم القوات لأن الجيش التركي يمتلك أعدادا كبيرة من الجنود وترسانة حربية ضخمة, وإن ما يحتاجه من اسرائيل هو الخبرات العدوانية التي تشكلت حروبها الطويلة مع العرب, اضافة الى أقمار صناعية وطائرات تجسس ويمكن وضعها في خدمة الجيش التركي تنفيذا لاتفاقيات التعاون العسكري بينهما. وفيما يتعلق بالشق الثالث من السؤال, فإن موقف سوريا بالنسبة لموضوع لواء اسكندرون واضح وغير قابل للمساومة, خاصة وان الجانب التركي يدرك استحالة تنازل سوريا عن جزء من أراضيها. ويقول المراقبون ان وضع تركيا لهذا الشرط القصد منه افشال مهمة الوساطة المصرية وترجيح خيار الحرب, والشيء نفسه ينطبق على المطلب التركي الثاني بتسليم عبدالله اوجلان, فهو نوع من التعجيز ونسف مساعي الرئيس حسني مبارك لسبب بسيط وهو ان اوجلان غير موجود في سوريا, وهذا يلغي مبررات المطلب التركي. باختصار فإن التشاؤم والقلق السائد في الشارع السوري له ما يبرره, حيث تسود قناعة بأن تركيا قد اتخذت قرارا بالاعتداء على سوريا, وهو ما يفسر الموقف التصعيدي التركي من سوريا أثناء زيارة مبارك لأنقرة والمطالب التي تدرك تركيا أكثر من غيرها ان سوريا لا تستطيع ان تلبي مطالبها وتحديدا التنازل عن لواء اسكندرون وتسليم اوجلان غير الموجود أصلا. وهي مطالب متعمدة لافشال مهمة مبارك حتى لو انها حققت بعض النجاح, فهل يستطيع هذا البعض وقف طبول الحرب حاليا؟.. أو ألا تعود مرة اخرى لقرعها كما درج عليه حكام تركيا. مبارك والاسد خلال اجتماعهما في دمشق. ــ أ.ف.ب