تتعدد التقارير التي تؤكد الانعكاس القوي للتأزم الاقتصادي الداخلي في تركيا على التصعيد العسكري من جانب أنقرة ضد سوريا وتركيز صانعي القرار الأتراك على تحقيق استفادة أكبر من مياه الفرات على حساب الحصة المقررة لسوريا وفقا للاتفاقات الدولية التي تنظم استغلال مياه النهر , وكذلك انعكاس مشاعر الاحباط التركية نتيجة للرفض الذي تعرضت له أنقرة في الدائرتين الأوروبية والآسيوية, ليأخذ شكل سيناريوهات صدام محتملة مع السوريين. وبالنسبة للجانب الأول فإنه لم يعد سرا ان تركيا تواجه منحنى اقتصاديا ينطلق نحو الهبوط السريع منذ أكثر من عامين, وقد عكست بورصة اسطنبول هذا الوضع بقوة امس مع انخفاض المؤشر الرئيسي للبورصة المؤلف من أسهم100مؤسسة بمعدل65.67نقطة ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 14 شهرا وليغلق عند 1858.28 نقطة. وفيما يتعلق بالاعتبار الثاني فإن البعض لا يتردد في التساؤل عما اذا كانت أنقرة توشك على اطلاق الرصاصة الأولى في حروب المياه في الشرق الأوسط, وهم يشيرون في هذا الصدد الى ان حكومة تركيا ستوقع خلال ايام اتفاقيات لإقامة أربع محطات كهرباء, مما يؤكد الاحتياج التركي القوي لا الى مياه الفرات وحدها وإنما كذلك الى الطاقة التي يمكن توليدها من مياهه. وفي اطار الاعتبار الثالث يبرز تأكيد المراقبين على ان تركيا تلقى رفضا قويا في العواصم الاوروبية وان محاولاتها مد الجسور والمحاور عبر آسيا لم توفق بالدرجة المرجوة, وانعكس هذا في سخونة الموقف على الحدود التركية ــ السورية. وعلى الرغم من ان هذا كله يؤكد الدور الكبير للخبراء الاقتصاديين في الأزمة القائمة بين أنقرة ودمشق, الا ان اليستير بل, المحلل الاقتصادي في رويترز, عبر عن آراء الكثير من المراقبين بقوله ان جنرالات تركيا يقفون خلف قرقعة السيوف مع سوريا. ولكن على أي أساس يقف هذا التصور؟ على الرغم من صعوبة التصدي لعلامة الاستفهام هذه, الا اننا يمكن ان نشير بقوة الى الاعتبارات المهمة التالية: لم يكن من قبيل الصدفة ان يصف قائد الجيش التركي حسين كيفريك أوغلو بعد اجتماع لمجلس الأمن التركي علاقات بلاده مع سوريا بأنها حالة حرب غير معلنة, ذلك ان أنقرة تحمل سوريا مسؤولية النشاط الكبير الذي يقوم به عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردي المعارض على الحدود السورية ــ التركية وفي سهل البقاع اللبناني وامتداد هذا النشاط مؤخرا الى شمالي العراق, ولهذا بالضبط فإن الحديث الآن لا يدور حول مواجهة شاملة وإنما حول ضربات مختارة يوجهها الاتراك على هذه الجبهة العريضة. من حق المراقب الموضوعي ان يتساءل: هل من قبيل الصدفة ان يأتي التصعيد من جانب أنقرة ضد دمشق في الوقت الذي شرعت كل المؤشرات تومىء الى (نضج) الضغوط على سوريا للدخول في مفاوضات مع اسرائيل؟.. ومن المهم هنا ألا يغيب عن الاذهان ان العلاقات بين أنقرة وواشنطن يهيمن عليها في حقيقة الأمر مجلس العلاقات الامريكية ــ التركية وهو مجلس يهيمن عليه خبراء لا يخفى على احد مدى عمق صلتهم التقليدية بحزب الليكود الاسرائيلي. وهكذا تكتمل آليات عمل دائرة التحالف بين أنقرة وتل أبيب. لابد من الأخذ في الاعتبار ان العالم يبدو من منظور المؤسسة العسكرية التركية, التي عادت بعد انسحابها المؤقت من الساحة السياسية في الثمانينات لتلعب دورا قويا, وكأنه بحاجة الى اعادة ترتيب, فالطلب التركي بالانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبي قوبل بالرفض وطرحت في اطار هذا الرفض مشكلة قبرص وقضايا تتعلق بحقوق الانسان, ومن ناحية اخرى فإن المسألة التركية تبدو وقد تحولت إلى قضية بالغة الاهمية قد تحسم الكثير من المتغيرات في المنطقة في المستقبل المنظور وبالتالي لابد من التعامل التركي معها بقوة حتى ولو وصل الامر الى حدود الصدام مع قوة مناظرة في ثقلها العسكري مع سوريا, وتلك بالطبع فرصة طيبة للضغط على دمشق لطي ملف لواء الاسكندرونة الذي يبدو من الواضح ان سوريا لم تفتحه منذ عقود لكنها ايضا لم تشطبه نهائيا من اجندة عملها. على الرغم من التراجع النسبي في حدة التصعيد من جانب تركيا على الحدود مع سوريا ربما في اطار تأثير جهود الوساطة المصرية أو الاستياء الذي لم تتردد أكثر من عاصمة أوروبية في ابدائه بوضوح بالغ, الا انه لا ينبغي ان يغيب عن الاذهان ان تصريحات القادة الاتراك لا تزال تمضي قدما في منحاها المتشدد, وكان آخرها تأكيد الرئيس التركي سليمان ديميريل امس الاول للرئيس المصري حسني مبارك ان تركيا جادة للغاية ومنزعجة جدا من الدعم الذي تقدمه دمشق للمعارضين الاتراك من الاكراد. وأيا كان الامر, فإن الموقف على الحدود السورية ــ التركية يظل بحاجة إلى اكثر من قراءة معمقة لرصد مسار تطوراته المستقبلية.