اختتمت امس فعاليات الندوة الاستراتيجية, (حرب اكتوبر بعد 25 عاما) , التي استمرت ثلاثة ايام وافتتحها الرئيس المصري حسني مبارك, وشهدت الندوة مناقشات مستفيضة شملت محاور اربعة, عسكرية, سياسية, اقتصادية, اجتماعية . وعرض الخبراء العسكريون والسياسيون, وقادة الفكر اوراق عمل غطت كل هذه المحاور .. وشهدت الاوراق تعقيبات ثم جرت مناقشات اجاب فيها المتحدثون عن اسئلة طرحها المشاركون في الندوة. وشملت جلسات اليوم الاول للندوة مناقشات مستفيضة عن حرب الاستنزاف وعن مراحل الاعداد لحرب اكتوبر, وعن حرب الاستنزاف تقدم اللواء حسن الجريتلي يوم السبت الماضي بورقة اشار فيها إلى أنه بمجرد انتهاء حرب ,67 بدأت المرحلة التحضيرية للجولة الرابعة المصرية الاسرائيلية, وظهر لأول مرة موضوع اعداد الدولة للحرب باعداد القوات المسلحة والاقتصاد القومي واعداد الشعب, واعداد الدولة كمسرح للعمليات, وكذلك تهيئة الظروف السياسية التي تخدم الهدف من الصراع المسلح المقبل, واشار إلى أن اهم عناصر هذه المرحلة كانت في اعداد الفرد المقاتل والتوسع في تجنيد حملة المؤهلات العليا. وكانت التعقيبات على الورقة من اللواء رضا فودة, الذي قال: ان هزيمة 67 فرضت على مصر هدفا استراتيجيا لم يكن في اختياراتها, وهو ضرورة تحرير الارض, وقال فودة: ان هناك دورا كبيرا لم يبرز لوزارة الصحة حيث قامت بجانب اعداد المستشفيات الثابتة والمتحركة بتجميع الدعم من المتبرعين بما يغطي احتياجات القوات المسلحة والمدنيين في حالة وقوع الهجوم ووصل مخزون الدم في وقت الحرب إلى 22 الف لتر دم. واضاف في رصده لنتائج حرب الاستنزاف: ان جرأة القوات المصرية على العبور للضفة الشرقية واسر جنود العدو فرضت على اسرائيل الحذر في تحركاتها وتوفير التأمين لها مما يكلفها ماديا .. واشار إلى بروز دور الحرب الالكترونية, واستكشاف مراكز القيادة واماكن تجمعات العدو .. كما ظهر دور القوات البحرية العام حيث قام رجال الصاعقة البحرية بعمليات كبيرة بينها استطلاع مواقع مواسير الالغام وسدها. اما تعقيب المشير علي فهمي رئيس اركان حرب القوات المسلحة الاسبق, فجاء فيه, ان القوات المسلحة المصرية بعد نكسة 1967 وحتى وقف النار في اكتوبر 1973 كان امامها 4 تحديات كبرى, أولها, كيفية الحصول على السلاح, واستطاع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الحصول عليه مما مكن الجيش المصري ان يكون في موقع هجومي افضل, اما التحدي الثاني فكان في كيفية مواجهة التفوق الاسرائيلي الواضح في السلاح كما وكيفا, وتم ذلك بخطة عبور تقليدي لم تتوقعها اسرائيل أو اي دولة من دول العالم, وقال الفريق فهمي: ان حائط الصواريخ المصري جعلنا نكسب المعركة قبل ان نبدأ. امتد الحديث عن حرب الاستنزاف ايضا إلى جلسات اليوم الثاني للندوة (الاحد) وفي ورقة اللواء مهندس محمد قدوى سعيد حول تطور نظم التسليح واعمال القتال, قال: ان الجيش الذي واجه النكسة العسكرية في يونيو 1967 لم يكن هو نفسه الجيش الذي انتصر في اكتوبر ,1973 فقد اعيد بناؤه في اطار فكر جديد, ادرك اهمية التكنولوجيا الحديثة في الاداء العسكري وحرص على ان يوظف كل امكانياتها المتاحة له في منظومة منسجمة لتحقيق النصر, وقال ان اغراق المدمرة ايلات, واسلوب تنفيذ الضربة الجوية, ومنظومة الدفاع الجوي, والقيادة والسيطرة وحرب المعلومات وصراع الصاروخ والدبابة, كل هذا كان من شأنه اثبات التحولات الهائلة الايجابية في العسكرية المصرية. وعن تحديات التخطيط العسكري لحرب اكتوبر قال المشير عبدالغني الجمسي وزير الحربية الاسبق, ان عام 1972 شهد 4 قرارات مهمة اتخذها السادات لشن الحرب في اقصى وقت ممكن وهي: انهاء مهمة المستشارين السوفييت في يوليو 1972 والحرب بما لدينا من اسلحة وهو القرار الذي اتخذ يوم 24 اكتوبر ,1972 ثم تعيين الفريق اول احمد اسماعيل وزير الحربية, والتعاون العسكري بين مصر وسوريا, وقال: قمنا في هيئة عمليات القوات المسلحة باختيار انسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية خلال 1973 لتوضع امام السادات والاسد لاختيار أنسب التوقيتات, واشتملت الدراسة على اختيار افضل الشهور لاقتحام وعبور القناة وجميع ايام العطلات الرسمية في اسرائيل حيث تكون القوات المعادية اقل استعدادا للحرب وكذلك الموقف الداخلي لاسرائيل, وتم التوصل إلى انسب 3 توقيتات هي مايو, اغسطس, سبتمبر, اكتوبر, وكان يوم السبت (عيد الغفران) 6 اكتوبر هو احد الايام المناسبة. وعن المفاجأة الاستراتيجية لحرب اكتوبر قال الجمسي: كادت 3 احداث مزعجة تكشف نوايانا هي: اخلاء العائلات السوفييتية بالطائرات يوم 4 اكتوبر, وقرار سلطات الطيران المدني باغلاق المجال الجوي قبل الحرب بـ 24 ساعة, وقيام سفينة امريكية بمسح الشاطىء الشمالي لمصر يوم 6 اكتوبر, غير ان مدير المخابرات الحربية الاسرائيلية استبعد قيام المصريين بعبور القناة بقوات كبيرة, وكان تقدير المخابرات الامريكية انه ليس في نية مصر وسوريا شن هجوم المستقبل القريب ومن ثم تحققت المفاجأة الاستراتيجية يوم السادس من اكتوبر. مرة اخرى لم ينفصل الحديث عن الاعداد لحرب اكتوبر عن الحديث عن حرب الاستنزاف بوصفه الخطوة الاكبر في الاعداد للحرب, حيث قال اللواء مصطفى خيري, ان جهود مضنية بذلت حتى تمكنت قوات الدفاع الجوي في يوم 30 يوليو 1970 من انشاء تجميع للصواريخ المضادة للطائرات من طراز سام (2) المعدلة بأسلوب جديد ومبتكر على مسافة 50كم غرب القناة, وكانت النتيجة بدء تساقط طائرات الفانتوم والسكاي هوك باعداد كبيرة, وفي ليلة السابع من شهر اغسطس تم تحريك كتائب الصواريخ قرب القناة في سرية كاملة ليكتمل بناء حائط الصواريخ, وأصبح المسرح مهيأ لتحول القوات المصرية الى الهجوم عند استئناف القتال. المسرح العسكري لم يكن يعمل وحده في مراحل ما قبل حرب اكتوبر وانما تم تغطيته دوليا بمسرح سياسي فعال, قال الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب حول ذلك: ان التحرك المصري خلال الفترة من 67 حتى حرب 73 ارتكز على 3 مبادىء أساسية هي حرصه على الشرعية الدولية, ومنع اسرائيل من تحقيق أهدافها من حرب ,67 وأن دور الأمم المتحدة والجهود الدولية ليس كافيا لاعادة الاراضي العربية المحتلة.. وقال السفير عبد الرؤوف الريدي: ان السياسة الامريكية في هذه الفترة اتسمت بالازدواجية خلال المبادرات التي كان يتقدم بها روجرز خلال الفترة من 67 حتى ,73 حيث كانت توافق على هذه المبادرات في حين كان يتم الاتصال برابين حيث كان سفيرا لاسرائيل في واشنطن آنذاك وتطلب منه رفض هذه المبادرات. وقال الدكتور مصطفى الفقي سفير مصر في النمسا.. أن من بين أسباب طرد الخبراء الروس, ألا يقال ان الاتحاد السوفييتي هو الذي خطط لحرب أكتوبر وأدار عملياتها.. وقال: ان قرار الطرد كان مصريا 100%. وعن الغطاء الاجتماعي.. قامت الندوة على مدى 3 جلسات تقدم فيها الخبراء بــ 6 أوراق عمل شملت حرب الاستنزاف الى حرب أكتوبر ومرحلتي التخطيط وادارة الحرب.. قالت الدكتورة مرفت التلاوي وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية, ان الوزارة قامت بدور حيوي في رعاية المهجرين من سيناء والقناة منذ 67 ورعاية المهجرين من أبناء بورسعيد منذ أبريل ,69 وقالت: أن الرعاية الاجتماعية شملت تنظيم استقبال المهجرين واعداد مراكز الاقامة او صرف الاعانات الشهرية, وصرف اعانة التعطل والخدمات الاجتماعية كرعاية الاطفال وفصول محو الأمية ومشروعات الأسر المنتجة. وقال الدكتور عبد السلام عبد الغفار رئيس لجنة الثقافة والاعلام بمجلس الشورى: ان حرب الاستنزاف كانت احدى الوسائل لتنمية وتدعيم الروح المعنوية, وجاءت حرب اكتوبر لتوضيح حقيقة المصريين وأنهم لا يفرطون في أرضهم, وأن الارض مكون اساسي لشخصيتهم يظهر بوضوح عند تعرض مصر للمخاطر. وقال اللواء عبد الغفار حجازي: انه بانتهاء عصر الملكية مع ثورة 1952 تغيرت الروح المعنوية للجندي المصري ونظمت مؤامرة ضد مصر والنظام عام 67 لتهيئة الظروف السياسية المناسبة للايقاع بالجيش المصري في معركة غير مخططة ومعظم قواته في اليمن ولا يستطيع الاسرائيليون الا أن يذكروا شهامة وشجاعة وشراسة وقتال الجندي المصري في المعارك وزالت صورة الجندي والجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. مرة اخرى وعودة الى المحور السياسي.. قدم الدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ورقة اشار فيها الى أن السادات حاول توظيف نتائج حرب اكتوبر لتحقيق تسوية سياسية للصراع مع اسرائيل, وان زيارته للقدس قد لاقت ترحيبا جماهيريا في حين كان هناك رفض ومقاومة جماهيرية للتطبيع مع اسرائيل بكافة اشكاله.. وقال: ان مخاوف معينة كانت من بين الاسباب التي ساعدت على ظهور فجوة بين المسؤولين واصحاب القرار والجماهير حول اسلوب ادارة العلاقات في اعقاب التوقيع على معاهدة السلام مع اسرائيل.. ومن هذه المخاوف ان تتحول المعاهدة الى أداة قمع تصادر حق الشعب في توجيه انتقادات للصهيونية او سياسة اسرائيل وزالت هذه المخاوف في ظل الصيغة الجديدة للعلاقة بين الحكومة والمعارضة التي بدأت فور قرار الرئيس مبارك بالافراج عن سجناء سبتمبر. كان للمستقبل الصدى الاكبر في جلسات يوم الاحد, على اعتبار ان ما فات هو استشراف لما سيأتي.. وكانت قضية نشوب حرب جديدة هي أهم المحاور في ذلك,, الدكتور اسامه الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية أبدى ملاحظتين حول ذلك الاولى: التزام متبادل بين الاطراف وليس التزام طرف واحد, فاذا خرج أحدهما عن هذا الالتزام فهو يحقق عدم تكافؤ بين الطرفين, وهو ما يخل بالسلام.. أما الملاحظة الثانية فهي اذا كان البعض قد رفع شعارات تتحدث عن اكتوبر آخر الحروب. فان هذه لاتعني تعهدا قانونيا من طرف واحد.. واضاف: عندما قال الزعماء العرب في المؤتمر الذي عقد عام 1996 ان السلام هدف استراتيجي ثابت, وليس اختياريا فهو تعبير عن أملهم في أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب وهذا هو هدفنا الحقيقي, واذا تبنت اسرائيل او غيرها من الدول منهجا معاديا للسلام فهذا يدعو الى اعادة النظر ليس بالتهديد ولكن بدفع الطرف الآخر الى ما نسعى اليه