شن الرئيس المصري حسني مبارك حملة انتقادات واسعة ضد اسرائيل واكبت الاحتفال بالذكرى الـ25 لانتصار اكتوبر داعيا تل ابيب الى حسم امرها والاختيار بين السلام أو اطالة أمد الصراع مع العرب .. ودون ان يسمي اسرائيل بالاسم وجه مبارك رسالة الى قادتها قال فيها ان حرب اكتوبر لا يجب اعتبارها حدثا عارضا مضى وانقضى مطالبا الاسرائيليين باعادة النظر في مجمل سياستهم واسلوب تعاملهم مع العرب ومشيرا في هذا الصدد الى انه بدلا من الافتراء على مواقف الاخرين ينبغي التوقف عن انفاق تل ابيب العسكري وتطوير نظم الصواريخ بمعاونة تكنولوجية ومالية من دول اخرى. وحذر الرئيس المصري كذلك من ان التقنيات العسكرية المستوردة لن تحل الخلاف العربي الاسرائيلي بل على العكس ستؤدي الى سباق تسلح في المنطقة ليس من مصلحة أحد. وفيما يلى نص كلمة الرئيس المصري فى الجلسة الختامية للندوة الاستراتيجية لحرب اكتوبر التي اختتمت اعمالها امس. الاخوة والاخوات الاعزاء تابعنا باهتمام وتدقيق أعمال الندوة فى اليومين الماضيين, وأطلعنا على ما ألقى فيها من ابحاث قيمة ومادار على هامشها من مناقشات مستفيضة اتسمت فى مجموعها بالالتزام بالمنهج العلمى الموضوعى الذى يستحقه هذا الحدث العظيم, باعتباره من أكبر أمجاد الشعب المصرى العريق والامة العربية قاطبة ومن ثم فانه يستحق منا ومن الاجيال المتعاقبة من ابنائنا مزيدا من البحث المتعمق والتأمل المستغرق طوال السنوات والعقود القادمة, لان هذا كفيل بأن يضىء امامها الطريق, ويفتح الباب الى مستقبل مشرق, يتحقق فيه للوطن المفدى مزيدا من العزة والتنمية والتقدم, تحت مظلة وارفة من الامن والاستقرار, تتيح لهذا البلد ان يقوم بدوره الريادى الذى لاغنى عنه اقليميا ودوليا, وتضمن تدفق ينابيع العطاء المصرى فى سبيل رفعة المجتمع الانسانى كله, وتعزز اسهامه فى الارتقاء بالنظم القيمية والاسس الاخلاقية والمستويات العلمية للعالم فى الالفية الثالثة, التى لم يعد يفصلنا عن بدايتها اكثر من خمسة عشر شهرا سويا. نقلة لمصر والعرب لقد كانت تلك الحرب المجيدة هى أهم العوامل التى نقلت مصر والامة العربية من الظلمات الى النور, ومن الشعور بالعجز والقلق الى الثقة التامة بالنفس والقدرة على تحقيق الهدف, ومن هنا يكون ضروريا ألا نعتبرها حدثا عارضا مضى وانقضى, بل انها يجب أن تظل علامة هامة على الطريق ومرحلة فاصلة, تمثل الانتقال الى حالة جديدة تماما, ستظل شعلتها مضيئة فى عقولنا وقلوبنا, تعيش كل معانيها وأبعادها نابضة بالحياة فى أعماق نفوسنا, وتبقى مجسدة ماثلة فى وعينا الجماعى قرونا عديدة, لان الحرب ليست ذروة الدراما الانسانية, حين يخرج المقاتل فى سبيل الله والوطن طلبا للنصر او الشهادة, وانما هى قبل هذا لحظة كاشفة حاسمة, تختبر فيها معادن الشعوب وتمتحن بها ارادات البشر, ولذا, فانها تعد أخطر الاحداث فى تاريخ الامم, وتمثل أهم القرارات التى يمكن أن يتخذها قائد سياسى, بالتشاور بطبيعة الحال مع القيادات العسكرية المؤهلة, التى تتحمل العبء الاكبر فى التخطيط والتنفيذ. ولهذه الاسباب مجتمعة, يكون من الواجب على اى مجتمع مستنير كالمجتمع المصرى ان يوجه اكبر قدر من اهتمامه الى الخروج من هذا الحدث العظيم بالدرس والعبرة, بعد ان يلجأ الى تحليله بكل تجرد وموضوعية, بعيدا عن الهوى والغرض, حتى تكون تلك الملحمة بكل أبعادها واثارها جسرا مؤديا الى مستقبل أفضل, وليست مجرد مناسبة احتفالية تلقى فيها الاشعار والخطب الحماسية, التى سرعان ما تنزوى وتصبح نسيا منسياط لان الهدف من وراء هذا البحث المدقق والدرس المتعمق هو الوصول الى مراتب أعلى فى الاداء والعمل الوطنى ليس فقط فى ساحة الحرب وميدان القتال, بل فى كل مجالات العمل القومى. دروس وعبر ونسجل هنا أن كثيرا من الابحاث التى قدمت فى الندوة قد عنيت بهذا الجانب أثناء تغطيتها للنواحى الى ركزت عليها, وربما جاز لى أن أضيف اليها بعض الافكار والخواطر التى يمكن أن تذكر فى عداد الدروس والعبر, دون أن يمثل هذا أى انتقاص من قدر ما أبداه الباحثون والخبراء الذيى شاركوا فى الندوة, وأسهموا فى نجاحها فى تحقيق الغرض الاساسى من عقدها بعد مرور ربع قرن على قوه هذا الحدث التاريخى, الذى سيظل حدثا فاصلا بين اوضاع جائرة استقرت وجثمت على صدورنا الى حين, وبين عهد الخلاص الكبير, الذى استعاد فيه العرب أرضهم وكرامتهم, وفتحوا به الطريق الى عصر جديد من النهوض الوطنى والتقدم. ايها الاخوة والاخوات.. وأول الدروس التى اقترح أن نستلهمها من هذا الحدث التاريخى الكبير, هو ان جانبا كبيرا من نجاح حرب أكتوبر يرجع الى انها كانت حرب تحرير وطنى وقومى, تحققت لها كل متطلبات الشرعية داخليا وخارجيا, سواء من الناحية القانونية أو الاخلاقية أو السياسية, ولم يستطع أحد أن يجادل فى توفر هذا العنصر, فليس هناك من يستطيع ان ينكر على شعب حقه فى تحرير أرضه المحتلة بالغصب والقوة, لان احتلال أرض الغير هو عمل غير مشروع لا سند له فى القانون وقواعد السلوك الدولى, ومن ثم فان انهاءه يصبح حقا مشروعا يسلم به الجميع, بل انه فريضة قومية تأخذ أولوية على كل ماعداها, وتحتل مكانا بارزا متقدما فى قائمة الاهداف القومية, ولذلك فان من المهم الا يعطى المقاتل فى سبيل الحق اى انطباع بانه مقدم على عدوان أو يفترى على حق غيره, أو يهدده ويتوعده, أو يطلق العنان لعبارات الزهو الزائف وشعارات الطنطنة الفارغة, بل عليه ان يثبت للعالم ويكرر دون ملل ان مايهدف اليه هو احقاق الحق وتصحيح ما اعوج من أوضاع. واذا كان الخصوم قد عجزوا عن الطعن فى شرعية هذه الحرب وطبيعتها فان من المؤسف أن نرى قلة قليلة تردد عن قصد أنها كانت مناورة سياسية وليس لهذا التخبط من تفسير سوى الجهل والهوى. أما الجهل فيعود الى أن على كل من يتصدى لدراسة الحرب والحديث عنها أن يدرك أن الحرب لايمكن أن تكون مقصودة لذاتها أى تشن لمجرد التدمير والخراب وانما تكون الحرب فى أعلى درجاتها وأسمى صورها عندما تصبح وسيلة تؤدى الى هدف عادل ومشروع وهو ممارسة التأثير على ارادة الخصم ودفعه الى قبول الاحتكام الى العقل والرضوخ للحق وقواعد الشرعية وقبول انهاء أى أوضاع متعارضة مع أحكام القانون الدولى والعدالة. حرب تحرير وطني وبهذا المعنى كانت حرب اكتوبر حرب تحرير وطنى بكل معنى الكلمة ولو كره المغرضون الذين يفتون بغير علم أو يتحدثون بغير قدرة على الفهم لانها هى التى أدت الى تحرير كل شبر من الارض المصرية وهى التى دفعت اسرائيل الى الدخول فى مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية لابد أن تنتهى بتحرير الارض الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطينى من ممارسة حقه فى تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة مهما صادفت عملية السلام من عقبات لان انكار حق أى شعب فى تقرير مصيره وتحرير ارضه هو موقف يتعارض مع حركة التاريخ ومن ثم فلا يمكن ان يكتب له البقاء والاستمرار. وسوف تكون حرب أكتوبر هى شعلة النور التى ستؤدى الى استكمال تحرير الجولان المحتل والشريط المحتل فى الجنوب اللبنانى واذا اضفنا الى هذا معاهدة السلام التى وقعتها اسرائيل مع الاردن أصبح واضحا أن السلام الشامل الذى فتحت حرب اكتوبر الطريق اليه من أوسع الابواب هو سلام ينهى كل أشكال الاحتلال ويقوم على التحرير الكامل للتراب الوطنى طبقا للنموذج الذى أرسته معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية. ولست بحاجة أن أذكر فى هذا المقام أن الجمود الذى تشهده المفاوضات الخاصة بالمسار الفلسطينى لايحقق مصلحة لاحد بل انه يهدد بعواقب وخيمة لجميع الاطراف وأولها اسرائيل فليس من مصلحتها أن تضيع تلك الفرصة التاريخية لتحقيق مصالحة شاملة تقتلع النزاع من جذوره وتبشر بعهد جديد يقوم على التعايش الخلاق ونسيان الماضى بالامه ورواسبه الحزينة. نصح ووضع وأكرر نصحى المخلص للشعب الاسرائيلى أن يحسم أمره وأن يختار بشجاعة بين تحقيق السلام و الامن والاستقرار وبين ضم الاراضى الفلسطينية التى لايحق للاسرائيليين أن يغتصبوها ظلما وافتراء لان الاكراه لايثبت وضعا ولايرتب حقا لاحد وكل مايترتب عليه هو اطالة الصراع واراقة الدماء وتهديد مستقبل الاجيال القادمة من أبناء الشعبين. أما هولاء الذين يحاولون تشويه الحقائق وتحويل الانظار عن تعنتهم بالقاء اللوم على مصر فسوف تخيب مساعيهم وتفشل مخططاتهم لانها بنيت على الغش والخداع فمصر لاتقوم بدور المحرض والمعوق فليس هذا من شيمتها ولا هو أمر يليق بقدرها ودورها. واذا كانوا يظنون أن مصر تنزلق الى هذا لمجرد أن تثبت وجودها وتستعرض قدرتها فليس لنا الا أن نقول لهم (كبرت كلمة تخرج من أفواهكم إن تقولون الا كذبا) . ولو كانت مصر تميل الى وضع العقبات فى طريق المفاوضات لكان الحال غير الحال ولما استطعتم أن تتوصلوا الى اى اتفاق مهما حاول الادعياء منكم أن يتقولوا ويزيفوا الحقائق. ولو كنا ضد ازالة العقبات وتضييق هوة الخلافات لما كنتم قد استطعتم أن تحققوا أى تقدم وانتم بتلك الاكاذيب والاوهام لاتخدعون الا أنفسكم لان الحقيقة ظاهرة للعيان كالشمس الساطعة لايمكن أن تحجبها الاباطيل والافتراءات ونحن لسنا من المنافقين المرائين الذين يظهرون غير مايبطنون. ولسوف يدرك الواهمون والمكابرون عاجلا أو أجلا أنه كما بدأت عملية السلام بمبادرة مصرية فسوف تكتمل حلقاتها عندما يشاء الله بجهود مصرية وباسهام صادق ونزيه من الشعب المصرى وحكومته فتلك رسالتنا التى لا نحيد عنها وهذا هو التزامنا المبدئى والاخلاقى الذى لا تفريط فيه ولامساومة بشأنه. اعادة نظر ان اسرائيل تحسن صنعا اذا هى وجهت تفكيرها الى اعادة النظر فى مجمل سياستها وأسلوب تعاملها مع العرب وكونت لنفسها رؤية لدورها الذى يتفق مع حجمها وموقعها على الخريطة السياسية فى المنطقة واتبعت سياسة ايجابية معتدلة تشجع العرب على الانفتاح عليها والثقة بنواياها بدلا من التحدث عن أدوار الاخرين والافتراء على مواقفهم فى الوقت الذى تعزز فيه انفاقها العسكرى وتطور نظم الصواريخ التى تستخدم لاغراض حربية مستعينة فى هذا كله بمعونات مالية وفنية وتكنولوجية تتلقاها من دول أخرى على نحو لاينسجم مع الاهداف والمفاهيم المطروحة لعالم اليوم والغد. وهى تعلم جيدا أن كل هذا لن يجديها نفعا ولن يدفع عنها ضررا وكل ماهناك هو أنه قد يعود بالمنطقة الى سباق جديد للتسلح وهو أمر لايحقق مصلحة أحد. وثانى هذه الدروس هو أن حرب اكتوبر كانت حرب الشعب المصرى بكل طوائفه وطليعته المقاتلة من رجال القوات المسلحة بدعم واضح من الشعوب العربية وبمشاركة فى خندق واحد من القوات المسلحة فى سوريا الشقيقة التى تم تنسيق الخطط والخطى معها فى اطار من الثقة المتكاملة والايمان العميق بوحدة الهدف والمصير. فلا مجال والحالة هذه لاضاعة الوقت فى جدل عقيم حول ما اذا كان صاحب الفضل فى الحرب هو أنورالسادات أم جمال عبدالناصر فكل منهما أدى دوره البارز فى اعداد الدولة والمجتمع والقوات المسلحة للحرب وماكان يمكن أن تؤتى تلك الادوار الفردية ـ مهما علا قدرها ـ ثمارها وتحقق أهدافها بدون الارادة الجماعية والوعى الوطنى الرفيع الذى وحد الشعب وقواته المسلحة. وثالث هذه الدروس التى نستخلصها هو أن حرب أكتوبر فى عقيدتها العسكرية وتخطيطها الاستراتيجى والتكتيكى وتوقيتها وتطوير اسلحتها ووسائل المواجهة فيها كانت حربا مصرية وسورية خالصة فى كل شىء لم نعتمد فيها على أحد من الغير ولم نترك جانبا منها لقوة أخرى وبذلك فان النصر الذى تحقق كان نصرا مصريا وعربيا خالصا لم نعتمد فى تحقيقه على أحد وان كنا لاننكر فضل الاصدقاء الذين تعاونوا معنا قبل الحرب بالامداد بالاسلحة والمعدات وهؤلاء الذين ازروا نصرنا بالوقوف الى جانبنا قبل الحرب وبعدها سياسيا ودبلوماسيا فى المحافل الدولية. الدرس الرابع ورابع هذه الدورس هو أن النصر جاء نتيجة طبيعية لتوظيف العلم واتباع مناهجه واصوله واجراء حسابات دقيقة فى جميع المجالات الاستراتيجية والسياسية والجيوبوليتيكية قامت على أسس وقواعد مدروسة أخذت بعين الاعتبار الامكانات المتاحة بحيث توفرت لقرار الحرب كل شروط النجاح ومتطلباته وفى مقدمتها تحديد هدف واقعى تحشد له كل الامكانات والطاقات وترتب له الاوضاع العربية والدولية المواتية وتجند لخدمته القيادة الماهرة القادرة التى أعطت المثل والقدوة للعطاء فى ابهى صوره وأعلى درجاته. واتصالا بهذا فان قرار شن الحرب والتخطيط لخوضها والاداء المبدع فى كل مراحلها التزم بعدم اضاعة الممكن سعيا وراء المستحيل وهو أمر يعجز عن فهمه او التسليم به من كانوا فى جهلهم غارقين لايعرفون شيئا عن فنون الحرب وقواعدها ولايدركون ابدا الظروف التى كانت محيطة بها فى كل مراحلها والامكانات الى كانت متاحة فى كل يوم دارت فيه رحى الحرب. وخامس هذه الدروس المستفادة هو أن حرب العاشر من رمضان تمت فى كل مراحلها من التفكير الى الاعداد والتنفيذ من خلال مفاجأة استراتيجية أذهلت العالم كله وأفقدت الخصم توازنه وتماسكه وقد استطاعت القيادة المصرية السياسية والعسكرية المقتدرة أن توفر للحرب هذا العنصر الهام بالرغم من أن مصر سعت سعيا حثيثا طوال السنوات التى سبقت شن الهجوم المفاجىء لكى توفر للحرب الارضية المناسبة فى المجتمع الدولى ولكى تضمن تفهم الحكومات والشعوب المختلفة لحق العرب فى تحرير أرضهم بالقوة بعد أن انقضت سنوات طويلة على صدور القرار 242 من مجلس الامن. وقد حرصت القيادة الحكيمة على أن تثبت للعالم أننا سعينا بكل مانملك للتوصل بالوسائل الدبلوماسية والتحرك السياسى الى ألية مناسبة لتنفيذ هذا القرار. انصاف ووعي زائف ولايخفى على محلل يلتزم بالانصاف والولاء للحقيقة أن هذا الذى حدث كل يمثل معادلة بالغة الصعوبة قائمة على حسابات دقيقة ومن ثم فانها تشكل نموذجا يستحق الدراسة والتحليل الدقيق بموضوعية وعلمية. وسادس هذه الدروس هو أن انتصار أكتوبر كان هو الشرط الذى لاغنى له لتحقيق السلام فلم يكن من المتصور بأى حال أن تدخل مصر فى عملية جادة لبناء السلام فى ظل خلل قائم فى ميزان القوى وفى ظل احساس عربى باليأس والاحباط. وفى الجانب المقابل كان هناك وعى زائف بالقوة التى لاتقهر وشعور غير مبرر بالتفوق على العرب واعتقاد سقيم بانه ليس أمام العرب الا قبول ماتجود به اسرائيل وتفرضه عليهم صاغرين. وتلك أوضاع لاتمكن الاطراف من التوصل الى اتفاق متوازن يقوم على تكافؤ الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الطرفين ولذلك فبمجرد أن زلزلت حرب أكتوبر الارض تحت اقدام المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة وقيادتها المدنية والعسكرية اصبح الطريق مفتوحا على مصراعيه للدخول فى مفاوضات جادة ومثمرة ولو تأخرت نتائجها على بعض المسارات الى حين. وسابع تلك الدورس هو أن القوات المسلحة المصرية بذلت جهدا خارقا لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الاسلحة التى كانت متوفرة لديها وتمكنت بهذا من تحييد عنصر التفوق الذى كانت تتمتع به اسرائيل فى بعض نوعية العتاد والسلاح. ولسنا نسجل هذه الحقيقة لكى نقلل من قدرة السلاح الذى كانت تحوزه القوات المسلحة وانما نقررها لكى يكون واضحا فى الاذهان أن العنصر البشرى القادر على الخلق والابداع يظل عنصرا حاكما فى أى صراع مسلح وأن الانسان يستطيع أن يسخر ملكاته العقلية لتحسين موقفه وخدمة أهدافه حتى اذا كان الخصم يتمتع بمزايا نسبية فى بعض المجالات. وكثيرا ما ملأ الاسرائيليون الدنيا ضجيجا بقولهم ان المهم ليس هو السلاح وانما هو اليد الى تحمله وجاء الوقت لكى يتحققوا من أن هذا القول الذى كثيرا ما تشدقوا به قد انطبق هذه المرة ولكن فى غير صالحهم وأن المقاتل المصرى لم يكتف بالاستخدام الاقصى للسلاح الذى كان متاحا أمامه وانما استخدم كل شىء عقله ووجدانه فسخر كل ملكاته ومواهبه لخدمة الهدف الاسمى وجاء الاداء على أرفع المستويات التي يمكن أن يصل اليها البشر. وثامن تلك الدروس هو أن حرب أكتوبر المجيدة أتاحت لمصر والعرب لاول مرة فى تاريخ الصراع مع اسرائيل أن يتحولوا من موقع رد الفعال الى موقع المبادأة والفعل سواء فى المجال العسكرى أو السياسى والاعلامى وأصبح العرب مبادرين لايكتفون بتلقى مبادرات الخصم واعداد ردهم عليها وانما صاروا يملكون زمام الامور بأيديهم ويوجهونها الوجهة التى تحمى مصالحهم وتخدم قضيتهم. هذا تطور نستطيع أن نحتفظ بجوهره وأسلوبه فى كثير من القضايا الاخرى لان القدرة على الفعل والمبادأة تحقق لصاحبها مزايا لاتنكر وفوائد لاتحصى فى شتى المجالات. وتاسع تلك الدروس يتعلق بأهمية تعزيز التلاحم الاجتماعى وتقوية الانتماء الوطنى وتوفير تماسك الجبهة الداخلية كعنصر حاسم فى تحقيق الاهداف القومية فلم تكن حرب أكتوبر معركة انفردت بها القوات المسلحة وحدها وانما تحملت فيها هذه القوات التى يعتز بها كل مصرى ومصرية المسئولية الاولى وعبء المواجهة الحاسمة وهذا أمر لن تمحوه الذاكرة من تاريخنا أبدا وسيظل كل مصرى يفخر به فى كل العصور. رأس الحربة ولكن هذا لايمنع من تقرير حقيقة لاتنال من هذا الانجاز الكبير وهى أن القوات المسلحة المصرية التى كانت تستند الى جبهة داخلية صلبة استطاعت أن تكون رأس الحربة لتحرك الشعب المصرى بل والامة العربية بأسرها فلا توجد فى مصر أسرة لم تقدم شهيدا أو مصابا أو مقاتلا ومن هنا جاءت الحرب ملحمة اندمجت فيها القيادة والقوات المسلحة والشعب فى منظومة متكاملة مباركة وكان جديرا بها ان يرعاها الله سبحانه وتعالى ويكتب لنا التوفيق والنجاح. وعاشر الدروس المستفادة هو أن نصر أكتوبر هو الذى هيأ البيئة المناسبة للتنمية الاقتصادية الحقيقية والبناء الداخلى ولولاه لظلت جهود التنمية فى مصر تراوح مكانها واذا تحركت فبمعدلات محدودة وايقاع بطىء غير محسوس. أما بعد أن فتح النصر الطريق الى السلام والاستقرار فأنه أصبح متاحا لنا بل أقول أصبح لزاما علينا أن نوجه مواردنا وقدراتنا لعملية التنمية بكل جسارة وطمأنينة وبكل ايمان بأن التنمية المستمرة المتصلة هى الطريق الوحيد لتأمين حقوق الوطن والمواطن وأن تلك التنمية بمعدلاتها الجديدة قادرة على الوصول بمصر الى الافاق الفسيحة التى نتطلع اليها بأبصارنا وأفئدتنا. ايمان لا يتزعزع أيها الاخوة الاعزاء.. ان ايماننا كامل لايتزعزع بقدرتنا على تحقيق أهدافنا وأمانينا الوطنية فى كل المجالات بعد أن تمكنا من الانتقال من وطأة الهزيمة الى بهجة النصر ومن مرارة الاحتلال الى شرف تحرير التراب الوطنى ومن الشعور بالاحباط الى الاحساس بالفخر والاعتزاز. ويجب أن تدرك الاجيال الجديدة من أبنائنا أن حرب أكتوبر كانت فى جوهرها عبورا بمصر والامة العربية الى فجر جديد لايقتصر على تحرير الارض وممارسة السيادة وانما يمتد الى استعادة الثقة بالنفس والتمسك بالامل والسير على طريق البناء والتقدم فى كل ربوع مصر ونجوعها نستلهم دروس كل ما هو ايجابى فى تاريخنا الحافل وهو رائع وكثير واضعين نصب أعيننا الاداء الرفيع لقواتنا المسلحة فى تلك الايام المباركة من أكتوبر 1973 منطلقين الى افاق أوسع ونحن أعمق ايمانا وأشد صلابة وأكثر شموخا متطلعين الى مستقبل زاهر لبلادنا الحبيبة. وسوف تظل روح أكتوبر العظيمة تتفاعل مع واقعنا لكى يرتفع كل انجاز الى مستوى الاداء فى تلك المعركة الفاصلة. وسوف تظل روح أكتوبر المجيدة تسرى فى جسد الامة فتمنحها الثقة وتعطيها الامل والقدرة على مواجهة أعتى التحديات. سوف تظل روح أكتوبر الخالدة معينا لاينضب وشعلة مباركة لاتنطفىء بل تبقى متوهجة الى الابد لكى تمنحنا القدرة على الانجاز والشجاعة فى التجديد والتطوير المستمر والتحلى بمراجعة الذات وتصحيح الخطوات لان صالح المجتمع فوق كل اعتبار. سوف تبقى روح أكتوبر جذوة حية مباركة تذكرنا دائما بأن قوتنا تكمن فى وحدتنا وأن تماسك جبهتنا وترابط صفوفنا هما العنصران اللازمان لاى نجاح أو تقدم وأن يدا واحدة لايمكن أن تحقق الانجاز الذى نتوق اليه والنهوض الكبير الذى نعمل على تحقيقه لان يد الله مع الجماعة وليس منا من يدعو الى الفرقة أو يسعى الى شق وحدة الصف. والله يوفقنا ويرعى مسيرتنا انه نعم المولى ونعم النصير. وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.