الفريق أول يوسف صبري أبوطالب وزير الدفاع السابق هو أحد رجالات العسكرية المصرية البارزين.. حريص جدا في كلامه لم يسع إلى الصحافة طيلة حياته.. بل انه بالمقارنة بالمناصب الرفيعة التي تقلدها فإن أحاديثه لا تذكر .. بدأ ضابطا في سلاح المدفعية 1948 وتدرج حتى وصل قائدا لأركان مدفعية الجيش في حرب أكتوبر 73 وكان أصغر ضابط يجلس على منضدة العمليات في هذه الحرب الشهيرة ثم أصبح مساعدا لوزير الدفاع في 1980 وفي العام نفسه اختاره الرئيس الراحل أنور السادات محافظا لشمال سيناء, وكان لاختياره لهذا المنصب مغزى سياسي باعتباره رجلاً عسكريا متمرسا في التعامل مع هذه البقعة الغالية على المصريين.. ثم تولى منصب محافظ القاهرة لمدة ست سنوات وبعدها أختير وزيرا للدفاع. في كل هذه المناصب كان يوسف صبري أبوطالب يعمل بعشق وفي صمت... وفي حديث شامل لـ (البيان) جمع بين رؤية المحلل والمسؤول فتح يوسف صبري أبوطالب جزءا من خزينة معلوماته. - المفاجأة واللا توقع ماذا تمثل في عقل الفريق يوسف صبري أبوطالب في حرب 73؟ ــ اكتوبر وما تحقق فيها من نصر يعد أفضل تمثيل (لعبقرية الزمان) حيث كان فترة الاعداد للحرب ما بين 67 و 73 هي أقصر فترة بالنسبة للجولات السابقة سواء 48 ــ 56 أو 56 ـ 67.. أما السنوات الست المحصورة بين 67 ــ 73 فكانت بالرغم من حجم الخسائر التي لحقت بالقوات في حرب 67 وحجم عمليات اعادة البناء والتدريب واعداد الخطط وصعوبات الظروف الجديدة والتي تقتضي اقتحام مانع مائي إلى جانب الهجوم, معجزة للقوات المسلحة التي كانت تشعر بالظلم في الجولات السابقة لحرب73 لذلك فحرب 73 حدثت في لحظة (للا انتظار واللا توقع بجانب انجازها (اللامعقول) كنوعية حرب فلم تكن هناك فرصة للانتظار أكثر من هذا, نظرا للوضع المتردي لاقتصاد الدولة والذي اقترب من الصفر, حيث بدأ يتناقص حجم الامدادات من الكتلة الشرقية مما كان له الأثر على مستوى قطع الغيار والذخائر.. فكان من المستحيل الانتظار أكثر من هذا, خاصة انه لم تكن لتقوم لنا قائمة لو كان قد حدث أي انهيار اقتصادي قبل قيام الحرب. وكانت أيضا هي لحظة (الانتظار) من ناحية الروح المعنوية للقوات المسلحة التي كانت تشعر أنها قد ظلمت قبل ذلك, وتتوق لازالة هذا الظلم وتشعر بأنها وصلت إلى قمة الكفاءة القتالية بعد التدريب الشاق واستكمال الخطط.. وكان في نفس كل مقاتل هذا السؤال.. لماذ ننتظر؟ - هل فعلا كان هناك احساس راسخ لدى العالم كله بأن العرب أصبحوا جثة هامدة ولا ينتظر ان تقوم لهم قائمة؟ ــ اسرائيل كانت متيقنة بذلك وعدد آخر من الدول وقد جاء هذا الاعتقاد نتيجة للظروف الصعبة.. لكن مع حلول لحظة (الصفر) كانت الحرب مفاجأة على المستوى السياسي والاستراتيجي خصوصا بعد أعمال الخداع التي تمت وأوهمت العالم باسترخاء القوات المسلحة وعدم النية في الهجوم.. وان هذه التدريبات ما هي إلا شغل فراغ خصوصا بعد ان كان هناك اتفاق بين الكتلتين الشرقية والغربية على الاسترخاء العسكري وعدم اثارة أو تنشيط الصراع في المنطقة مع حجب الامدادات العسكرية وكان الاعتقاد السائد أنهم بهذا يضمنون بقاء الوضع على ما هو عليه. قمة الخداع الاستراتيجي - وماذا عن توقع الهجوم نفسه؟ ــ يوم الهجوم أيضا كان في اللاتوقع حيث كان اختيار يوم (كيبور) (عيد الغفران) لدى اليهود وفي رمضان حيث يعتقد الطرف الآخر انه يصعب فيه القتال إلى جانب اختيار ساعة الصفر للهجوم في وضح النهار لاعتبارات فنية وتكتيكية خطيرة.. كل هذا جعل الهجوم في لحظة اللاتوقع خاصة مع النجاح الكبير في اخفاء حشد القوات والخداع واستمرار المناورة بالرغم من ان الطرف الآخر كان على مسافة قريبة جدا من الضفة الأخرى من القتال مباشرة إلى جانب ثقة الطرف الآخر في تحصيناته وصعوبة المانع المائي وقوة السلاح الجوي (الذي وصفوه بالذراع الطويلة) كما كانوا يظنون قبل الحرب. - رغم عنصر المفاجأة إلا ان الفترة التي تم فيها الاعداد والتجهيز كانت أهم بكثير من الفترة الحاسمة.. حدثنا عن الاعداد والتجهيز!! ــ فترة ما قبل الحرب المحصورة ما بين 67 ــ 73 كانت هي فعلا الفترة الهامة والحاسمة وكان قد تم فيها اعادة البناء والتدريب واعداد المسرح للقتال حيث وصلت فترة تجنيد الكثير من الشباب إلى 6 و 7 سنوات من المؤهلات المختلفة, واقترب عددهم من المليون جندي, تحملوا العبء الكامل في التدريب الشاق بجانب القادة الذين وضعوا الخطط التكتيكية وكانوا يحملون هم الحرب ومستوى الجيوش ولك ان تتوقع كيف كانت القضية تسيطر على أفكارهم وتشغل تركيزهم باعتبارها قضية حياة أو موت وهي حياة أو موت لدولة بأكملها بل لا أكون مبالغ إذا قلت أنها للأمة العربية. الاستنزاف ويتوقف الفريق أول يوسف صبري أبوطالب مؤكدا ضرورة التأكيد على ان حرب الاستنزاف كانت أهم مراحل فترة الاعداد لحرب اكتوبر, ويقول اتذكر انني كنت قائدا لمدفعية الفرقة السادسة في محور السويس, ولا أكن مبالغا إذا قلت لك اكتسبت خبرة لا تقدر بثمن, وحققنا تفوقا واضحا من أول اشتباك مع تحقيق فكر معين كنا نهدف إليه وهو اكتساب الخبرة القتالية على المستويات المتتالية: من السرية الكتيبة, فاللواء إلى مجموعات المدفعية, فمدفعيات الفرقة تم الجيوش حيث كانت بالفعل أحد مفاتيح كفاءة المدفعية من خلال السيطرة على نيران الأحجام الضخمة من المدفعية ومرونة توزيع نيرانها في أقصر وقت على أهداف متفرقة إلى جانب معاونة قوات المشاة والصاعقة والاستطلاع في عبورهم خلال الاستنزاف, واكتساب الخبرة في المقاومة القوية وضرب أكبر عدد من الأهداف في الضفة الشرقية. في هذه المرحلة تم التعامل مع تحصينات خط بارليف وتدميره أكثر من مرة, وكلما يعاد بناؤه يتم تدميره مرة أخرى إلى جانب اسكات وتدمير بطاريات صواريخ العدو التي كانت تتعامل مع قواتنا, لذلك فإن فترة اعادة البناء والتدريب حققت مستوى فائقا بالنسبة للفترة الزمنية حيث كان يستمر فيها التدريب للاتقان الكامل سواء للنيران المكثفة أو النيران المضادة للدبابات, على وجه الخصوص وكذلك الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات والتي تعامل معها الجنود طول فترة التدريب لدرجة وصلت إلى الاحتراف العالمي.. ولم يكن هناك مستوى يناظرهم في العالم خصوصا ان هذه الصواريخ لم تكن قد استخدمت في حروب نظامية من قبل ولهذا اعتمدنا عليها كاحدى المفاجآت سواء بالنسبة لاعداد وكثافة استخدامها ومستوى الموجهين لها وكذلك كان الحال بالنسبة للتدريب على توجيه نيران المدفعية أفرادا أو جيوشا. - هل تطوير الخطط وتعديلها كان سمة من سمات فترة الاستنزاف؟ ــ نفس الجهد الذي تم بذله في التدريب واعادة البناء لقواتنا تم بذله أيضا في الخطط العديدة التي وضعت طوال هذه المدة, والتي كانت تخضع لتطوير وتعديل مستمرين طبقا لما يحدث من قبل العدو على الجانب الشرقي للقناة من تغيير مواقع وأساليب وحسب الخبرة التي كانت تكتسب في تطبيق هذه الخطط خلال التدريب.. لهذا كانت الخطط التفصيلية على المستوى التكتيكي والعمليات محل ثقة كبيرة في امكانية تطبيقها حين تأتي لحظة الحرب. اختلاف ساعة الصفر - تردد ان ساعة الصفر اختلفت من موقع إلى آخر في سلاح المدفعية فما هي حقيقة هذا القول؟ ــ بعد فترة الاعداد تم تعييني قبل الحرب مباشرة رئيسا لأركان مدفعية القوات المسلحة المصرية, وكنا قد انتهينا من فترة الاعداد الكامل وكذلك الخطط التكتيكية على مستوى الجيوش قد تم وضعها والاستقرار عليها تقريبا, وتم تدريب القوات عليها, وكان عملي على مستوى المنصب الجديد هو الاشتراك مع هيئة العمليات والقيادة العامة في تنسيق هذه الخطط وتدقيق تفاصيلها, وتنظيم التعاون والاستقرار النهائي على التوقيتات.. وكان أهم توقيت هو ساعة الصفر وما يرتبط بها من وقت بدء التمهيد النيراني حيث تم اختيار هذا الوقت ليبدأ انطلاق المدافع المشاركة في التمهيد, مع عبور الضربة الأولى لقواتنا الجوية لخط القنال وكان علينا في هذه اللحظة ان نصدر الأوامر لبدء التمهيد النيراني من القيادة العامة إلى مدفعيات الجيوش لتبدأ معا حتى لا نفقد أهمية عنصر المفاجأة على اي مستوى ومن ثم الاستمرار ومتابعة التنفيذ وفي هذه اللحظة لم يحدث اختلاف في ساعة الصفر, لأن كل موقع له بعد زمني ومكاني وله ظروف معينة ترتبط بالمسافة, المسألة كلها لا تفرق عدة ثواني أو نصف دقيقة على الأكثر.. بل أؤكد لك انه كان هناك تنسيق زمني دقيق تم بين القوات الجوية وبين عبور القوات الأخرى بالنسبة لقصفات التمهيد النيراني حيث اشترك فيه أربعة آلاف مدفع منها 2000 في التمهيد النيراني وهو يعتبر أضخم من أي تمهيد نيراني إذا ما قارناه بما تم في معركة العلمين التي اشترك فيها 700 مدفع فقط وكانت تعمل بكفاءة الفترة التي تمت فيها المعركة وكان معدل النيران المنطلق ضخما للغاية وكان لها أثر فعال في التمهيد لاقتحام قوات المشاة للقناة خصوصا في الموجات الأولى وكذا ستر عبور الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات وشل حركة الاحتياطيات القريبة من التعامل على هذه الموجات الصغيرة نسبيا, إلى جانب اسكات وتدمير كل مدفعيات العدو ومراكز ملاحظته.. ولم يتوقف دور المدفعية عند هذا الحد بل امتد إلى معاونة القوات في تطوير رؤوس الكباري والتعامل مع الاحتياطيات التكتيكية وضرب المطارات القريبة بالصواريخ البعيدة لذلك فإن نصر اكتوبر 73 لم يأت من فراغ بل كان ثمرة تعاون مستمر بين جميع أفرع القوات المسلحة. عبقرية الزمان - لم تتوقف العملية عند الحرب, بل امتدت إلى استرداد بقية الأراضي المحتلة, كيف كان الوضع في تلك الفترة؟ ــ عبقرية الزمان في حرب رمضان تمثلت في نتائج الحرب سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي, وكيفية تحقيقها على فترات قصيرة نسبيا ـ ثم توقيع اتفاقية السلام واستلام خط العريش ـ رأس محمد, وتحرير باقي الأرض حتى الحدود الدولية وكنت وقتها محافظا لشمال سيناء, وتشرفت برفع العلم على (رفح) نائبا عن الرئيس مبارك. والطريف ما كان يحدث في يوم بروفة رفع العلم المصري على رفح, ولم تكن قواتنا قد دخلت إلى المكان بعد, وكان يحضر إليها مجموعات من المتطرفين الاسرائيليين ويتوعدون القائمين بالبروفة بالويل والثبور, وأنهم سيحولون الاحتفال إلى بحور من الدماء, في اليوم التالي كانت تحضر بعدهم مجموعات أخرى متطرفة من الجانب الفلسطيني تتوعد بنفس التهديدات, ولكنني أصررت على ان يتم الاحتفال في نفس موعده المخطط له مسبقا وفي حضور كل القيادات الجماهيرية والمشايخ مع اتخاذ الاجراءات الاحتياطية بالطبع, وبالفعل حدث الاحتفال وتم بالصورة التي تتناسب مع المناسبة العظيمة, وكنا سعداء جدا, وأصررت أيضا بعد رفع العلم الذي كان في منفذ الجمرك خارج مدينة رفح, والتي لم تكن أجهزتنا الأمنية قد استلمتها بعد على الدخول بالموكب إلى شوارع المدينة مخالفا بذلك توصيات عدم الدخول.. حيث لم تتم السيطرة الأمنية بعد, أو حتى وصول الادارة إلى المدينة, ورغم ذلك سار الموكب في الشوارع الرئيسية على امتداد السلك الفاصل مع قطاع غزة تحت سمع وبصر الجنود الاسرائيليين على الجانب الآخر والذين لم يستطيعوا ان يمنعوا الأهالي من ابداء كل مشاعر الفرح بالهتاف المبين لعداء الدولة الاسرائيلية, وهو ما انعكس بعد ذلك على حالة المحافظة (شمال سيناء) في قطاع التنمية لدرجة ان شارون عندما زار سيناء وأخذ يمشي فيها على الأقدام قال للرئيس السادات ان ما رأيته قد تحقق من انجازات خلال العامين الماضيين في سيناء لم أكن أراه قد تحقق من قبل على مدى 14 عاما سابقة. السلام المستحيل - في تقديرك هل كان ممكنا فتح قنوات للسلام مع الكيان الصهيوني قبل هذه الحرب؟ ــ أعتقد ان هذا أمرا كان مستحيلا حدوثه لأن الحرب كانت هي الرادع لاسترداد الأرض وبعدها جاء السلام ولم تكن اسرائيل تدخل مع مصر في السلام إلا بعد ان أدركت أن مصر قادرة عسكريا على تحرير أرضها عسكريا وأنها لديها القدرة على استردادها بالكامل لذلك رضخ الاسرائيليون لمعاهدات السلام, لكن لو كان حدث ذلك قبل الحرب ما كانت مصر تمكنت من استلام أي شبر من أراضيها, لماذا هذا الكلام؟ لأن مصر نجحت في تحقيق الهدف السياسي العسكري من وراء الحرب وهو تحرير الأرض وتحريك القضية وبالتالي أجهضت الهدف السياسي الاسرائيلي وهو المقصود به الاستمرار في احتلال الأرض الوطنية ومزيد من التوسع في الاحتلال, أليس هذا هو حلم الدولة العبرية الذي أطاحت به حرب رمضان العظيمة.. والدليل على ذلك ان كل الدول التي احتلت اسرائيل أراضيها بداية من فلسطين إلى لبنان وسوريا وغيرها لم تعد إليها الأرض حتى الآن ورغم الاتفاقات المبرمة ورغم المحادثات اليومية إلا ان اسرائيل ما زالت تماطل ولن تعود هذه الأرض بلا مقابل.. لابد ان يدفع العرب ثمنا غاليا لاسترداد هذه الأرض المسلوبة. حرب جديدة - كلامك هذا يوحي بأنك تتوقع نشوب حرب جديدة بين اسرائيل والأطراف العربية الأخرى مثل سوريا ولبنان؟ ــ لا أستبعد قيام هذه الحرب وحدوث قتال مباشر لأنه لا يمكن للدول أو الشعوب العربية ان تصبر على احتلال الأرض أكثر من ذلك وخاصة ان الدولة اليهودية لم تثبت أي بوادر لحسن النوايا في الالتزام بأي وعد من الوعود التي قطعتها على نفسها وقادة هذه الدول المحتلة يأكلهم الغيظ على أراضيهم ـ هذا شعور قاتل ـ لا يشعر به إلا من حارب وكانت أرضه سليبة. احساس مرير - لو عدنا إلى فترة ما بعد النكسة وسألنا كيف تجاوزت هذا الاحساس القاتل, وكيف تعاملت مع مرؤوسيك؟؟ ــ أنا معك أنه كان احساسا مريرا لكن الأمر كان أصعب من ذلك فلقد تم اتخاذ قرار جريء بعد الهزيمة باعادة تشكيل الجيش بقيادات الصف الثاني, وهي قيادات حديثة جدا بعد قيادات قديمة, فالشخص كان يتولى مكانا آخر أقدم بـ 10 دفعات, لكن كان لي دائما وجهة نظر تقوم على ان المشاكل تظهر عن بعد كبيرة لكن الاقتراب منها يضعها في حجمها الطبيعي, وبالتالي كان لابد من المواجهة والتواجد في الموقع على الطبيعة لتحديد امكانيات المواجهة التي كانت تعتمد على معدن الشعب المصري ومنه الجنود الذين ظلوا في القوات المسلحة لمدة 7 سنوات من 67 وحتى 73 وهذه الفترة الطويلة خلقت بعدا جديدا لدرجة انه كان بينهم مثل شائع يقول: الداخل في الجيش مفقود والخارج منه مولود وكان هناك تقبل وحماس ورغبة حتمية في القتال والنصر وتدريجيا تحول الاحساس لدينا بالهزيمة إلى شعور بضرورة الثأر والانتصار ولو كانت هذه الروح موجودة قبل الهزيمة لما وقعت. - ما رأيك في مقولة عدم استمرار الهجوم حتى المضايق أو الممرات؟ وان النصر كان غير كامل؟ ــ أظن انه سقط من فكر الجميع ما كان سيحدث فقد كان من الممكن نجاح قواتنا في الوصول إلى المضايق وهذا نصر كبير إلا انه كان سيؤدي إلى اطالة أمد المعركة ولم تكن ستتحول إلى مفتاح للسلام في المنطقة بل ربما لبداية جديدة لمعركة أخرى.. وكان من الممكن ان تكون هزيمة عسكرية لطول خطوط الامداد عبر المانع المائي للقوات التي ستصل للمضايق علاوة على عدم تغطية كتائب صواريخ الدفاع الجوي لسماء كل هذه المساحة. كذلك مع بدء العبور كان قد بدأ امداد اسرائيل بواسطة جسر جوي أمريكي وهذا الامداد اذا استمر كان سيؤثر على قواتنا إذا امتدت اكثر من هذا ولذلك فالقرار السياسي الذي اتخذ بالحرب كان أساسه القيام بعمليات محدودة مع الحاق أكبر الخسائر بالعدو ولتحريك القضية وجعله في وضع أسوأ يقبل معه الانسحاب وتحرير باقي الأراضي المحتلة. - البعض قال ان المعركة لم تستمر أكثر من ست ساعات وادعى بعض المغرضين انها كانت مجرد تمثيلية لتكون مبررا أمام الرأي العام لطرح خيار السلام؟ ما رأيك في هذا الكلام؟ ــ الرأيان خطأ.. الأول خاطئ لأن عملية دعم رؤوس الكباري استمرت حتى 14 و 15 اكتوبر بل ان الكباري لم تنشأ إلا بعد ست ساعات وبالتالي عبور الدبابات الثقيلة للضفة الشرقية, ولذا قيل انه إذا كانت حرب 67 هي حرب الأيام الستة فإن حرب 73 هي حرب الساعات الست والمقصود هنا أننا تمكنا خلال هذه الفترة من تدمير خط بارليف.. قد يكون هذا هو مبعث الخلط لدى البعض في هذه المسألة فالنصر اتضحت ملامحه بعد ست ساعات وأخذنا في تدعيمه وتعزيزه لعدة أيام تالية. أما المقولة الثانية بأن المعركة تمثيلية فلا أعتقد على الاطلاق ان أي شخص يمكن ان يمثل بأرواح الناس فهل مصر ستمثل بأبنائها أو أمريكيا ستمثل باسرائيل وهل كلاهما سيمثلان بجنودهما.. هذا كلام غير منطقي, لكننا يمكن ان نأخذ هذه المقولة من زاوية أخرى على ألا نلوي عنق الحقيقة لدرجة تحويل المسألة إلى تمثيلية أخرى, فلقد كانت هناك قناعة من القوتين العظمتين بضرورة الاسترخاء العسكري, كما ان قضية الأرض والسلام في المنطقة وقضية فلسطين لم تكن مدرجة في جدول الأعمال السياسية للدول كلها في ذلك الوقت ولم يكن للقضية ان تتحرك بدون هذا الحدث وهذه الخسائر الضخمة. المقارنة مختلفة ولا أخفي على الاطلاق سعادتي بالمشاركة في هذه المعركة وإذا كانت الفرصة قد أتيحت لي للمشاركة في حرب الخليج كوزير للدفاع إلا ان ملابساتها وأهدافها وقتالها وظروفها تجعلها مختلفة عن 73 ولا أقارنها بها رغم أنها قامت بتحرير أرض عربية وبقوات مصرية محدودة الحجم وحجم الخسائر فيها يكاد يكون منعدما, كما ان العالم كله أشاد بدقة الاداء العسكري خلالها.. لكننا لا ننكر أننا استفدنا من 73 في حرب الخليج بأن يتحقق هدف الحرب دون ان تحدث خسائر لا في قواتنا ولا في قوات الدولة العراقية. المشاركة في حرب الخليج - توجيه الجنود المصريين بأسلحتهم إلى ميدان قتال عربي كان قرارا غير مقبولا شعبيا, كيف اتخذته وأنت وزير للدفاع؟ ــ الحديث الشريف يقول: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قيل كيف أنصره ظالما يارسول الله, قال صلى الله عليه وسلم: (امنعه عن ظلمه) , وقد حرصنا على عدم الدخول على الاطلاق إلى أراضي العراق واقتصرنا على الهدف المحدد للحرب وهو تحرير أرض الكويت والعمل على تقليل الخسائر إلى أقل صورة وبشكل عام كان لابد من وجود وضع ما يمنع اعتداء دولة عربية على أخرى وكان هذا وراء اقتناع جنودنا بالهدف الذي يحاربون من أجله. - في تقديرك التاريخ العسكري لحرب اكتوبر هل كان منصفا لهذه الحرب العظيمة؟ أم غير ذلك؟ ــ أولا المدة 25 سنة ليست كافية لكتابة تاريخ هذه الحرب العظيمة, وجار حاليا ومنذ فترة طويلة التسجيل الحقيقي لأحداث هذه الحرب من واقع الوثائق ومن واقع أقوال القادة الذين مازالوا على قيد الحياة, وهناك والحمد لله تركيز كبير جدا لانجاز هذا الموضوع, كذلك لمحة فتح الباب للابداع حول اكتوبر سوف تدفع الناس إلى البحث. - لماذا تعد فترة 25 سنة مدة غير كافية؟ ــ هي غير كافية قانونا ولك ان تعلم انه لاتزال هناك وثائق تخص حرب 1956 مثل وثائق الاتفاق الثلاثي لم يكشف النقاب عنها حتى الآن, لكن هناك شهادات حية كثيرة أهمها ما كتبه الرئيس السادات ومذكرات المشير الجمسي الذي كان رئيسا لهيئة العمليات, ومع ذلك فالكتب التي ظهرت عن حرب اكتوبر ليست كافية بقدر هذه الحرب. حروب المستقبل - هل أصبح أسلوب القتال المباشر أمرا صعبا على الدول الآن وما تصورك لصورة حروب المستقبل؟ - كل فترة زمنية ــ قطعا ــ تتغير الأمور وتتبدل وفي العسكرية يكون التغيير أسرع وحاليا أصبح من الصعب ان تجد لدى أي دولة الاستعداد لتحمل خسائر بشرية عالية أو حتى مادية لأن هذا سوف يعيدها عشرات السنوات إلى الخلف ويخرجها من حلبة المنافسة فمثلاً الحروب الاستعمارية لا يكون فيها القتال باستعداد يسمح بخسائر في الأرواح.. وفي المستقبل صورة الحرب ستتغير أكثر مع التطور العسكري في القتال عن بعد بالصواريخ والطائرات وحاملات الطائرات أن تضرب من مسافات بعيدة جدا بالوسائل التكنولوجية والذخائر الذكية, كل المقومات الآن تحقق المعادلة الصعبة لادارة الحرب دون خسائر. - هل تعتمد الحروب الحديثة على الصواريخ بشكل واسع النطاق؟ ــ الصواريخ من أخطر أسلحة الحرب وهي بالفعل معتمد عليها منذ فترة لأن الصواريخ لديها القدرة على حمل مواد شديدة الانفجار ويشتد التنافس بين الدول الكبرى في ادخال التحسينات والابتكارات في تطوير الصواريخ حتى تتلاءم مع عنف الحروب الحديثة فكل دولة تعتبر أي تعديل أو ابتكار في الصواريخ التي تستخدمها بمثابة سر من أسرارها الحربية الهامة. لأن الصاروخ يلعب دورا هاما في عمليات الهجوم والدفاع, كما انه ليس سلاحا فقط, وإنما وسيلة لحمل القنابل والمواد شديدة الانفجار, وأخطر هذه الصواريخ التي تحمل في مقدمتها قنابل ذرية أو هيدروجينية بل اننا لا نغالي ان قلنا أنها من أخطر ما عرفه العالم في دنيا الحروب لأن قنبلة ذرية واحدة كفيلة بتدمير مدينة ويكفي ان تعرف ان ضحايا القنبلة التي ألقتها أمريكا على مدينة هيروشيما اليابانية حوالي 80000 قتيل ومثلهم مصابون ومشوهون مع الوضع في الاعتبار, ان هذه الحرب كانت لها ظروفها الخاصة لأنه ليس سهلا على أي دولة ان تدفع الآن بنفسها إلى هذا الهلاك. - وما هي التطورات التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية؟ ــ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حدثت ثلاثة تطورات هامة أولها التطور الهائل الذي حدث في الطيران (المقاتلات والقاذفات) حيث زادت سرعة الطائرات وقدرتها على الارتفاع إلى جانب طول المدى والتسليح, وفاقت سرعتها سرعة الصوت وزاد ارتفاعها بحيث أصبحت المدافع المضادة للطائرات سلاحا تقليديا عاجزا عن بلوغ هذا الارتفاع وأصبحت الحاجة ملحة إلى سلاح موجه يطلق على الطائرات المغيرة لتحطيمها وكان السلاح المثالي لذلك هو الصواريخ. ثانيها: زيادة القوة التدميرية للأسلحة بعد صناعة القنابل الذرية والهيدروجينية. ثالثها: التطور الهائل في مجال الصواريخ وكان أول استخدام للصواريخ العصرية في الحرب العالمية الثانية, حيث استخدم الألمان الصاروخ الموجه وتمكن الألمان من انتاج أعداد كبيرة من صاروخ آخر مطور وبرغم غارات الحلفاء فقد كانوا يضعونه في أجزاء مختلفة من ألمانيا والبلدان التي احتلتها ثم تجمع القطع التي يبلغ عددها 30 ألف قطعة ولم يكن يحتاج إلى معدات خاصة لاطلاقه ولم تكن الصواريخ تحترق بوقودها, ولكن كان الوقود ينقل إليها وقت اطلاقها وكان مداه آنذاك 320 كيلومترا وبدأ اطلاقه سبتمبر 1944 ومن حسن حظ الحلفاء ان الضرب بهذه الصواريخ بدأ في نهاية الحرب تقريبا وحسبما ذكرت التقارير العالمية فإن هذا الصاروخ كان يسبب خسائر تعادل تكلفته أربع مرات.. وقد حاول الحلفاء تدمير مراكز بحوث وقواعد هذه الصواريخ فخسروا 1500 طيار ولم يتوقف اطلاق هذه الصواريخ إلا عند احتلال قوات الحلفاء لقواعدها في ألمانيا. القاهرة ـ حوار أحمد عمر