أثارت قضية اختطاف الشابات في شوارع العاصمة صنعاء جدلا واسعا في الوسط الحزبي والشعبي معا, ولاول مرة يفجرحزب الاصلاح الاسلامي هذه المسألة على لسان أمينه العام محمد البدوي في مؤتمر صحفي عقد قبيل انعقاد المؤتمر العام للاصلاح وتباينت وجهات النظر حول ذلك, وظهر واضحا ان قضية المرأة وموقف حزب الاصلاح تجاهها تتصدر أعمال مؤتمره العام, فغالبية اللاتي اختطفن من القطاع النسائي للاصلاح, وتؤكد مصادر رفيعة المستوى في الحزب أن واحدة وجدت مقتولة, وان هناك معلومات تؤكد حالات اغتصاب, فيما اكد مراقبون ان تلك رسالة واضحة للقطاع النسائي في الاصلاح, وأولياء أمور واباء الشابات والطالبات, تتضمن الرسالة التهديد والمخاطر التي تحيط بعملية الانتماء لهذا التنظيم, بالنظر الى طبيعة المجتمع المحافظ, ومعلوم ان حزب الاصلاح اكثر الاحزاب اليمنية اعتمادا على القطاع النسائي, واكثرها تطرفا تجاه قضايا المرأة, ولايتها واحقيتها بالعمل في مرافق الدولة والحكومة, وقضية الحجاب, والسفر الى خارج البلاد. ويجمع المتابعون عن قرب ان جوهر الخلاف والابعاد التي رافقت قضية اختطاف الشابات في شوارع صنعاء, تكمن في اتجاهين متناقضين, الأول: اتجاه داخل حزب المؤتمر الشعبي (الحاكم) يحرص على تقليص توسع رقعة اعتماد حزب الاصلاح على القطاع النسائي, ولا يستبعد ان تكون مراكز قوى في الأمن ايضا وراء التساهل في هذه العملية, والثاني: اتجاه داخل حزب الاصلاح يرى أن عملية اختطاف الشابات في القطاع النسائي للحزب لا علاقة لها بشكل مباشر بانعقاد المؤتمر العام, وبنشاط الاصلاح في الوسط النسائي, ولا علاقة لها بالموقف في المرأة وولايتها في اجهزة الدولة, لكنهم يرون ان مرحلة الصراع وصلت الى ذروة لا يمكن السكوت عليها, وتنبىء بفتنة ليس بوسع احد ايقافها, ويلوحون بأن اي صراع واي خلاف مع اي طرف ومهما كان لا يجب ان يصل الى المساس باعراض الآخرين ناهيك ان يكون, اختطاف, وقتل, واغتصاب لنساء. وهناك اتجاه ثالث لا يستبعد ان يكون هناك خلاف داخل حزب الاصلاح نفسه وصل الى درجة تبادل رسائل في العيار الثقيل, ويشير هذا الاتجاه الى الجدل الصاخب والساخن غير المعلن داخل حزب الاصلاح خلال الفترات الماضية, وفي هذه الاتجاهات الثلاثة فإن ما يزيد الأمر تعقيدا هو عدم الكشف عن نتائج التحريات والتحقيقات للجهات الأمنية المختصة, وعدم الكشف عن الجناة, الأمر الذي يضع السلطات الأمنية وقيادات حزب الاصلاح وجها لوجه في الاتهامات المتبادلة وهو ما ظهر واضحا من خلال التصريحات التي ظهرت خلال اليومين الماضيين. وفي كل الاتجاهات, ومذاهب الاحزاب تجاه المرأة في زمن الديمقراطية والتعددية, فان الصورة ترتسم بوضوح بالنظر الى الواقع الملموس في التعامل معها, فحتى الآن لم يحسم حزب الاصلاح موقفه من المرأة, ومدى مشاركتها, وحقوقها وواجباتها ولا يزال يردد (النساء شقائق الرجال) دون التفسير الواضح لفهمه لذلك, ليستوي في ذلك فهمه لــ (الرجال قوامون على النساء) وهناك ثلاث حقائق لابد من الاشارة اليها وايرادها هنا. الحقيقة الاولى: ان هناك جدلا صاخبا ومثيرا داخل حزب الاصلاح شهدته الثلاثة الاشهر الماضية ــ حسب مصادر قيادية عليا ومطلعة ــ تمحور الجدل حول التأهيل الشرعي لموقف الحزب تجاه المرأة وكان تتويجا لدراسات ونقاشات مكثفة عند فقهاء وقيادات الاصلاح استمر اكثر من سنتين مضت وشارك فيه قيادات وعلماء وفقهاء وينتمون لحزب الاصلاح, وزادوا بالاستعانة بتنظيم ندوات شارك بها قيادات حزبية يمنية وشخصيات مستقلة, وكان حصيلة الجدل الذي دار طيلة الفترة الماضية لم يخرج منه الاصلاح باي قرار وانقسم الجميع الى ثلاثة تيارات. يرى الاول: مشاركة وفعالية المرأة بالمجتمع بدور اساسي لكنه من خلال المنزل وربة البيت في التربية, وحفظ الأسرة ويرى الثاني: ان المشاركة لا تقتصر على البيت بل لابد من مشاركة كاملة في تسلم ولاية العمل في مرافق ومؤسسات الدولة وأن هناك بدائل كثيرة للاسرة والتربية في المنزل. ويرى الثالث: الموقف الوسط بين هذا وذاك وأن لكل اسرة خصوصية, وان المشاركة في المجتمع لا تعني فقط تخصيص الدور في عمل ثابت للمرأة لا يحق لها تجاوزه. ولكل هذه الاتجاهات القواعد الفقهية, والتأصيل الشرعي, الجميع يتفقون على مشاركة المرأة, والجميع يختلفون على كيفية هذه المشاركة؟ وما هو الدور الفعلي, والحدود التي لا يمكن تجاوزها او الاطلاق بالعموم. وأفضت كل تلك النقاشات والاختلافات داخل حزب الاصلاح الى قرار اتخذه الفقهاء والقيادات تمثل بتلخيص الاتجاهات الثلاثة وعرضها أمام المؤتمر العام وعليه يترتب القرار النهائي, والى هذه المسألة تحديدا يستند الاتجاه الذي يطرح ان الخلافات داخل الاصلاح هي أحد الأسباب التي أدت الى ظهور ظاهرة الاختطافات للشابات.. ويترتب على ذلك الخوض في التيارات المختلفة داخل حزب الاصلاح بقضايا اكثر حساسية في المجتمع منها الجاد ومفاهيم (الاسلام هو الحل) والتكفير, والغاء الآخر. الحقيقة الثانية: ان الفترات الماضية, أبان المواسم الانتخابية وفترات الازمة السياسية التي لم تنته بعد, قد وضعت حزب الاصلاح امام تحد خطير, وعلامة استفهام لم يجب عنها حتى الآن حول تحديد موقفه الواضح تجاه المرأة, والحقيقة ان الاجابة الوحيدة التي ظهرت حتى الآن ويدركها الجميع تتمثل, بأن حزب الاصلاح يستمد شعبيته الانتخابية والتحريضية من التركيز على القطاع النسائي, والعمل في صفوفها, وان حزب الاصلاح اظهر تباينا واضحا بين قياداته حول الموقف في المرأة, وخسر حزب الاصلاح كثيرا جراء انتقاده شديد اللهجة لتسلم المرأة مناصب قيادية في الوزارات منها أمة العليم السوسوة وكيل وزارة الاعلام, وهي انتقادات قادها رئيس مجلس شورى الاصلاح عبد المجيد الزنداني سيما قبيل انتخابات 97 البرلمانية, وكذلك الفتاوى في فترات سابقة ضد ولاية المرأة اليمنية. الحقيقة الثالثة: تثبت الفترات الماضية منذ قيام الجمهورية اليمنية ان عمليات اختطاف النساء حالة ممقوته من قبل الجميع, وكان أول اتهام بشأن الشابات واختطافهم متهما فيه حزب الاصلاح, باختفاء ثلاث شابات من جامعة التكنولوجيا بعدن. وفي كل هذه الحقائق, ومع اشتداد الجدل والصراع في السلطة والمعارضة, وداخل حزب الاصلاح نفسه تبدو هيئات دولية معينة تراقب مثل هذا الوضع عن كثب, وفي أول مبادرة لحزب الاصلاح باثارة هذا الموضوع حرص على الاعلان ان الرئيس علي عبد الله صالح هو مرشحه للرئاسة في انتخابات 1999 الرئاسية في رسالة واضحة لعزم الاصلاح عدم السكوت عن جريمة اختطاف الشابات من جهة, وكسب الرئيس صالح الى صفه من جهة اخرى, والجميع يعلم ان ذلك يفضي الى اصرار الاصلاح التوسع واستخدام كافة الوسائل لبقاء القطاع النسائي تحت سيطرته وكقاعدة لاغنى عنها في المساومات والمضاربات الانتخابية في بورصة التعددية. ويبقى القضاء والأمن في اليمن, حالة تستحق الرثاء اكثر من الرثاء لظاهرة اختطاف واختفاء الشابات في شوارع صنعاء, فباجماع الفقهاء وفطاحلة الديمقراطية والتعددية لا يمكن الحديث عن ديمقراطية وتعددية في ظل غياب القضاء النزيه والمستقل, وفي اليمن الجميع يردد الأمن قبل الايمان. صنعاء ــ البيان