مع اعلان المحقق الامريكي المستقل كينيث ستار لتقريره بشأن فضيحة مونيكا جيت المتورط فيها الرئيس الامريكي بيل كلينتون طغت الفضيحة على كافة الاحداث العالمية وذهبت التصورات الى ان تأثيراتها سوف تظل تلقي بظلالها على كافة مجريات السياسة الامريكية سواء الداخلية او الخارجية وفي القلب من هذه الاخيرة الصراع العربي الاسرائيلي . فالى اي مدى يمكن ان تؤثر الازمة على الاوضاع في الشرق الاوسط؟ وما هو التأثير المباشر لفضيحة كلينتون الجنسية على القضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة؟ (البيان) التقت نايف حواتمة الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الذي استعرض التأثيرات العامة للفضيحة معربا عن دهشته من احتلالها هذه المساحة من الاهتمام كاشفا عن ورقة سرية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل حول, المبادرة الامريكية. ويؤكد حواتمة اننا لاينبغي ان نتوقع تغييرا كبيرا يذكر في السياسة الامريكية تجاه قضايا المنطقة سواء في الفترة المتبقية من حكم كلينتون او في حال تولى نائبه آل جور السلطة. ويضيف حواتمة ان واشنطن لن تعترف بالدولة الفلسطينية التي يعتزم عرفات اعلانها في مايو المقبل, مشيرا الى ان الاعترافات الدولية ستجعل من هذا الموقف فجا ومعاديا للسلام, مؤكدا ان اعادة بناء الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني هي مفتاح اعلان السيادة المعطلة منذ خمسين عاما وفيما يلي نص الحوار: ما تأثير فضيحة كلينتون الجنسية على السياسة الخارجية لادارته؟ وكيف يمكنه تجاوز هذه الفضيحة على الصعيد الخارجي؟ ــ من المؤسف ان تصبح تفاعلات قضايا تمس اشخاصا وافرادا بغض النظر عن مراكزهم الشغل الشاغل ومحور الازمات وتتصدر وسائل الاعلام العالمية, وكأن البشرية تعيش في اجواء مطلقة من الرفاهية والارتياح ولا ينقصها سوى التفتيش عن اشكاليات لحلها. المجتمع الامريكي يتمتع بخصائص ثقافية تميزه عن غيره من التشكيلات المجتمعية العالمية الاخرى, فعند الحديث عن أزمات كلينتون الشخصية تتصدر الاسئلة المتلاحقة عن خلفية ما يجرى, فهل هناك سلوك برىء تجاه ملاحقة كلينتون ونشر غسيل فضائحه الشخصية, ام هناك غايات سياسية في سياق اللعبة الامريكية الداخلية؟ بصراحة نعتقد بأن الامور كلها مجتمعة معا, فهناك غايات سياسية داخل اطراف اللعبة الامريكية الداخلية كما كان في فضيحة ووترجيت مثلا (نيكسون ــ 1974), فضلا عما تعبر عنه حالة كلينتون من ابتذال واختصار للعالم كله بأزمة الرئيس وعلاقاته العاطفية في وقت تئن فيه البشرية تحت اوجاع وآلام ازمات مستمرة وعلى امتداد المعمورة, وفي وقت يسقط فيه الضحايا من المجاعة والحروب والابادة باعداد كبيرة في البلقان وايرلندا وافريقيا ومناطق آسيا, وخاصة في ارضنا الفلسطينية المحتلة وجنوب لبنان, اضافة لآلام شعوب امريكا اللاتينية. نعتقد بأن ما جرى مع كلينتون سيؤثر على السياسة الامريكية الخارجية من زاوية محاولة شد انظار المجتمع الامريكي الى الخارج حتى لو اقتضى الامر ارتكاب العدوان على دول مستقلة وذات سيادة كما حصل حين وقع العدوان على السودان وقصف المعسكرات في افغانستان لمن كانت ترعاهم اليد الامريكية اثناء الحرب الباردة. ان مشاكل كلينتون الداخلية تعبر عن نفسها بالجانب الآخر المتعلق بسياسة الادارة الامريكية في الشرق الاوسط, حيث الاهمال الكامل والرعاية العرجاء فضلا عن الانحياز لعملية تسوية مدريد ــ اوسلو وكأن واشنطن ليس لديها الوقت الكافي لمتابعة ملف التسوية. كلينتون الرئيس الصهيوني الكبير هناك من قال عن انتخاب كلينتون للمرة الثانية, سيكون متحررا من اللوبي الصهيوني خاصة فيما يتعلق بقضايا الشرق الاوسط, ماذا تقولون في ذلك, وهل كلينتون مازال يخضع لتأثيرات اللوبي الصهيوني في ظل فضائحه الجنسية؟ نجزم في القول بأن عهد الرئيس كلينتون كان ومازال من اكثر العهود الرئاسية الامريكية دعما والتزاما واسنادا للسياسة العدوانية التوسعية الاسرائيلية, وكما تقول القيادة الاسرائيلية الحاكمة فإن كلينتون هو الرئيس الصهيوني الكبير. فسياسة كلينتون تعيد الى الاذهان الدور الامريكي الداعم بشراهة للمواقف والحروب الاسرائيلية التي شنت على البلاد العربية وعلى شعب فلسطين, ونستذكر عهد الرئيس (ليندون جونسون) عند اندلاع عدوان 1967 ووصول المساندة الامريكية لاسرائيل الى ذروتها, والآن يعيد كلينتون انتهاج سياسة جونسون ولكن بزمن آخر انتهت فيه الحرب الباردة والتواءاتها الواسعة, لذا يمكن القول بأن عهد كلينتون يعتبر زمن اسرائيل بامتياز, ومن الامثلة الاخيرة المبادرة الامريكية في تقطيع اوصال اعادة الانتشار الى ثلاثة مربعات (أ.ب.د.ج ناقصة) واختزالها عمليا من 13.1% الى 10% (أ,ب) وتقديم صفقة طائرات تعتبر الاكثر تطورا بمقدار (5) خمسة مليارات دولار لضمان التفوق العسكري الاسرائيلي الصهيوني على جميع جيوش الدول العربية. لذا من المتوقع جدا في ظل الفضائح والاهتزازات المتتابعة في وضع الرئيس كلينتون, ان نشهد فصولا ثانية من الدعم الامريكي الاعمى للتوسعية الاسرائيلية وشن حروب خارجية على بعض البلدان, وبقاء الموقف الامريكي على ما هو عليه تجاه العراق في مجلس الامن وعلى الصعيد الدولي. وباختصار شديد, ان مآل كلينتون يدفع به اكثر فأكثر نحو قبضة اللوبي الصهيوني المتنفذ والمنظم والمتحكم بأوراق القوة في الكونجرس ومجلس الشيوخ والبنتاجون, وكل هذا يوفر لسياسة نتانياهو المزيد من التغطية الامريكية والرعاية المنحازة لتسوية سلام مدريد ــ اوسلو فنهب الارض والتوسع وارهاب الدولة المنظم وما يترتب عليه من تداعيات تدحرج تنازلات اثر تنازلات على يد دولاب فريق اوسلو الفلسطيني ومنها اتفاق اسحق مولخو ــ (ابو العلاء) احمد قريع الذي يأخذ طريقه الآن الى مباحثات واشنطن (كلينتون/ عرفات) نتانياهو), وانتهى الى لاشيء بالون استقالة عريقات غضبا على الاتفاق المذكور كما وقع مع استقالات سابقة لكل فريق مدريد ــ واشنطن عند انكشاف صفقة اوسلو الظالمة. تأثير سلبي ما هو التأثير المباشر لفضيحة كلينتون الجنسية على القضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية بشكل خاص؟ ــ نستطيع القول بأن كلينتون سعى ويعمل على تجاوز تراجع اسهم التأييد له داخل المجتمع الامريكي بالتشدد السياسي وحتى اللجوء الى العدوان الخارجي على بلدان مستقلة وذات سيادة تحت عناوين مختلفة, كما جاء في العدوان على السودان وفي التشدد المتلاحق مع العراق والموقف الاكثر انحيازا الى جانب حكومة نتانياهو في مفاوضاتها مع الطرف الفلسطيني. التأثير سيكون سلبيا على اوضاعنا, كما هو سلبيا على كل الاوضاع الدولية حيث اختزلت العلاقات الدولية والدور المطلوب من دولة عظمى الى عنوان صغير اسمه الفضائح الجنسية لرئيس الولايات المتحدة الامريكية. اسرائيل لم توافق على المبادرة الامريكية, هل يمكن القول ان عدم الموافقة يعطي كلينتون صفة الضعف؟ ــ ليس صحيحا ان تحالف اليمين برئاسة نتانياهو رفض (الافكار الامريكية) والصحيح انه وافق عليها وعمل بذات الوقت على اعادة جدولتها بشروطها ومنها 3% مشروطة لا اسكان ولا بناء الى جانب استكمال الشروط الامنية ضد المعارضة الوطنية الفلسطينية للاحتلال والاستيطان وتنازلات اوسلو التي تتواصل على يد اليمين ويمين الوسط في فريق اوسلو الفلسطيني. حكومة نتانياهو ليست في تسابق مع الزمن لتوقيع الاتفاق حول اعادة الانتشار على اجزاء من الضفة الفلسطينية, فحكومة نتانياهو مرتاحة بكل الحالات, ولا اعتقد ان لديها عناوين مستعجلة للاندفاع مع الطرف الفلسطيني من اجل الوصول الى التفاهم. ان العناوين العاجلة لحكومة نتانياهو تتمثل في المزيد من الاستيطان, والمزيد من نهب الارض والمزيد من تهويد وتطويق القدس, وغير ذلك ليس له اهمية على جدول اعمال حكومة الائتلاف. من هنا نستطيع القول بأن نتانياهو يترك الامور كما هي الآن وليس هناك من يمارس عليه اي ضغوط والادارة الامريكية تتعامل برقة وبشكل ندى ومخملي مع سياسته بينما تمارس الوعيد والترهيب والترغيب مع الطرف الفلسطيني. وبالنسبة للمبادرة الامريكية (المعلنة وغير المعلنة) اكشف لكم بوجود ورقة سرية تم التوصل اليها بين كل من احمد قريع (ابو العلاء) ومستشار نتانياهو اسحاق مولخو, وهي الورقة التي تتضمن تفاهما حول نقاط المبادرة الامريكية, وبواسطة هذه الورقة اصبحت المساحة بين الطرفين متقاربة على اساس التزاوج بين الافكار الامريكية والافكار الاسرائيلية التوسعية, والخلافات تدور حول شريط ضيق والسيطرة الامنية على المنطقة المسماة (المحمية الطبيعية). وقد ضغط دينس روس في جولته الاخيرة باتجاه دفع الطرف الفلسطيني للقبول بورقة (قريع ــ مولخو) حيث رفضها مسبقا طاقم المفاوضات الذي جمعه ابو عمار لاول مرة منذ ستة شهور واطلعه على هذه الورقة السرية. ان عدم الوصول الى توقيع الاتفاق ليس من الضروري ان ينعكس سلبا على كلينتون, حيث يدرك اللوبي الصهيوني المتنفذ بان الادارة الامريكية بذلت ومازالت تبذل جهودا كبيرة لتمرير الاتفاق لصالح اسرائيل بالكامل وعلى حساب الطرف الفلسطيني الذي قدم لروس هدية (مولخو ــ ابو العلاء) فاصبحت وثيقة رسمية لدى الادارة الامريكية, ضغطت على فريق اوسلو لينضبط تحت سقفها الذي زاوج بين الافكار الامريكية وافكار نتانياهو. هذا النائب من ذاك الرئيس في حال تولي آل جور الرئاسة في الولايات المتحدة الامريكية وتسلمه زمام الامور فيها, مع انه معروف بتعاطفه مع اليهود والدولة العبرية, هل مجيئه سيغير شيئا بالنسبة للفلسطينيين وكذلك على صعيد المفاوضات وغيرها؟ ــ آل جور من مدرسة ونهج السياسة الامريكية المؤسسة على الدعم الكامل للمصالح الامريكية, وتحديدا في منطقة الشرق الاوسط, وهذا النائب من ذاك الرئيس. ان وصول آل جور لن يعيد الامور الى مجرى آخر, فالادارة الامريكية لها مصالح ثابتة لا تتغير بتبدل الرؤساء او تبدل الاحزاب (ديمقراطي ام جمهوري) هذا ما برهنته التجربة العربية والفلسطينية المريرة مع السياسة الامريكية خلال العقود الاخيرة. بالمقابل يمكن ان نتوقع اندفاعات سياسية لآل جور في حال وصوله الى الرئاسة من منطلق خلق رأي عام مؤيد له, واعطاء انطباع عن جدية ومساع متميزة لادارته في حل قضايا ومعضلات الصراع في العالم بما في ذلك الشرق الاوسط. وبمطلق الاحوال لن تكون مساعيه في الشرق الاوسط الا من زاوية المصالح الاستراتيجية الثابتة للادارة الامريكية, وهي المصالح المتقاربة مع السياسة الاسرائيلية ويوجد بينها تعارضات وليس تناقضات, وتسويق الحل الاسرائيلي الصهيوني للقضية الفلسطينية ولمشكلة الاراضي العربية المحتلة. هل يمكن للرئيس كلينتون تجاوز العجز الذي وقع فيه اثر الفضائح الجنسية خلال فترة حكمه المتبقية؟ ــ ان فترة بقاء كلينتون في الرئاسة اقتربت اساسا من نهايتها, وفي السياسة الامريكية كل شيء متوقع بما في ذلك بقاء كلينتون او عزله فالمجتمع الامريكي يتمتع بخصائص تطبع بها بفعل عوامل نشوئه وتكوينه الحديثة. وفي العودة لمؤشرات الرأي العام كما اعلن عنها مؤخرا تبين ان الوضع الخاص لكلينتون امام الجمهور الامريكي لم يتأثر بالشكل الذي توقعه البعض على ضوء الصخب الذي احدثته الفضائح الجنسية المتسلسلة للرئيس منذ توليه الرئاسة في العهد الثاني لذا فالارجح ان يتابع ولايته ويتوقف عندها بمرشح ديمقراطي آخر مع مرشح جمهوري. كلينتون الآن (كالبطة العرجاء) فيما لو كانت هناك ضغوط عليه الآن, هل سيعترف بالدولة الفلسطينية التي سيتم الاعلان عنها في مايو المقبل. ــ واشنطن لن تعترف بالدولة الفلسطينية عند اعلان بسط سيادة دولة فلسطين في 1999/5/4, حتى حدود الرابع من يونيو 1967, وهذا موقف امريكي معلن ومكرر للمرة الالف خلال الفترة الاخيرة. كما ان هذا الموقف الامريكي ينسجم بالتمام والكمال مع الدور الذي تقوم به واشنطن في رعاية عملية تسوية وسلام مدريد ــ اوسلو, لكن اقول من جانب آخر, بان الاعترافات الدولية الواسعة التي ستحصدها دولة فلسطين بما في ذلك اعتراف الامم المتحدة والهيئات الدولية الاخرى, ستجعل من الموقف الامريكي موقفا فجا واحمق ومعاديا للسلام والتوازن الدولي. وبدون حوار استراتيجي جاد وشامل ينتج اعادة بناء برنامج القاسم المشترك للشعب وائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية بكل الطيف الوطني فلن تتعدى دعوات عرفات لاعلان الدولة كونها ورقة تسخين تكتيكية( بدعوة واشنطن الافراج عن استعصاء اوسلو الراهن. رام الله ــ عبدالرحيم الريماوي