تنظر الاوساط السياسية في كل من الرباط وباريس الى الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المغربي عبدالرحمن اليوسفي الى فرنسا على انها الاهم في تاريخ العلاقات بين البلدين كونها الاولى التي جمعت بين رئيسي حكومتين مغربية وفرنسية من لون عقائدي واحد, باعتبار ان اليوسفي يتزعم حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) فيما يتزعم جوسبان(الحزب الاشتراكي)الفرنسي . وقد برزت هذه العلاقة بين الحزبين والرجلين ابان الانتخابات الاخيرة التي عرفها المغرب والتي تصدر فيها حزب اليوسفي لائحة الفائزين بأعلى الاصوات في مجلس النواب, في وقت كان فيه الحزب الاشتراكي الفرنسي يستعيد بعضا من مواقعه في انتخابات مماثلة جعلته يتقاسم السلطة مع اليمين, فقد تلقفت المعارضة المغربية انتصار الاشتراكيين الفرنسيين لتسقطه على الانتخابات المغربية ونتائجها المتوقعة, ليس فقط من باب الايحاء الانتخابي, لكن ايضا لما تجمع المعارضة المغربية واليسار الفرنسي من وشائج وتحالفات, فانتصار الفرنسيين كان بمثابة احياء لشعارات اليسار التي اصابها الوهن وغطاها الغبار, منذ سقوط المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفييتي, لذلك احتفل اليساريون المغاربة بفوز الحزب الاشتراكي الفرنسي على غرار احتفالهم بفوز فرانسوا ميتران بالرئاسة الفرنسية في مايو 1981. ومن مظاهر الاحتفال المغربي بالفوز الفرنسي, ان ضمن عبدالرحمن اليوسفي السكرتير الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برقيته لجوسبان جملة حميمية قال فيها: (هل انا بحاجة لوصف الفرحة الكبرى التي شعر بها الاشتراكيون المغاربة لدى الاعلان عن فوز اصدقائهم الفرنسيين, هذا الفوز الذي جاء بعد شهر على نجاح رفاقنا العماليين في بريطانيا, ان انتصار اليسار الفرنسي يشكل دعما حاسما للقوى الاشتراكية في اوروبا وبالفضاء الاوروبي المتوسطى) . وفي العموم, شكل التناوب الفرنسي بعد التناوب البريطاني فألا حسنا لدعاة التناوب في المغرب, كما اصبح مدعاة للتعبير عن الفرح بتعزز الاشتراكيين المغاربة بنظرائهم الاوروبيين, حيث يقود الاتحاد الاوروبي الآن احد عشر حزبا اشتراكيا, لكن وجود الاشتراكيين الفرنسيين, اصدقاء وحلفاء الاشتراكيين المغاربة, في حكومة مع الرئيس جاك شيراك الصديق الحميم للعاهل المغربي الملك الحسن الثاني, سيشجع صانعي الفعل السياسي المغربي على تأمين مشاركة المعارضة المغربية في حكومة ما بعد المسلسل الانتخابي من خلال ما ستفرزه صناديق الاقتراع. وهكذا لم يخف جوسبان خلال اول زيارة رسمية له للمغرب في ديسمبر 1997 رغبته برؤية حليفه (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) في الحكم, حيث كان يتبنى فكرة اندماج احزاب المعارضة المغربية في ادارة شؤون البلاد. وكانت لفتة بارعة من جوسبان حين قرر في تلك الزيارة ان يلتقي عبدالرحمن اليوسفي الذي توجته الانتخابات زعيما للمعارضة, ففضلا عن العلاقات التاريخية والسياسية التي تربط الزعيمين الاشتراكيين, جرى ذلك اللقاء الذي خطف الاضواء, في مرحلة دقيقة من تطور الحالة الديمقراطية بالمغرب, لاعتبار اساسي على الاقل هو ان (الاشتراكي) المغربي قد تصدر الاحزاب المغربية في الانتخابات التشريعية الاخيرة, وبالتالي فانه يستطيع انن يقود حكومة ويضع برنامج تحديد الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد. ويجمع المراقبون على ان زيارة اليوسفي لفرنسا جاءت لجني ثمار العلاقات التقليدية بين باريس والرباط مضافا اليها الحميمية السياسية بين رئيسي الحكومتين التي ادخلت هذه العلاقات في (شهر العسل) على حد تعبير صحيفة لافيجارو الفرنسية, لذلك من المتوقع ان تكون مباحثات اليوسفي وجوسبان قد فتحت الملفات الكبرى بين البلدين, وعلى رأسها الملف الاقتصادي والمالي, في وقت يواجه الاقتصاد المغربي عثرات كثيرة نتيجة الركود الداخلي وضعف الاستثمارات الخارجية, وضمن هذه الملفات ملف الهجرة بكل تعقيداته وتداعياته. لقد ظلت فرنسا في المنظور التقليدي لدى قطاع واسع من رجال اعمال مغاربة (الشريك المفضل) لاعتبارات يتعلق بعضها بانتشار اللغة الفرنسية في اوساط المال والاعمال, وبعضها الآخر يتعلق بدور فرنسا في الدفاع عن حضور المغرب في الاتحاد الاوروبي, وهو ملف يعتبر من الاولويات الاستراتيجية للمغرب, اضافة للمبادرات الفرنسية بالغاء جزء من الديون المغربية وتحويل قسط مهم منها لاستثمارات, حيث بلغ اجمالي الديون الملغاة خلال العامين الماضيين نحو ملياري فرنك فرنسي, غير ان الجديد في مشهد العلاقات المغربية الفرنسية هذه المرة هو الروابط الشخصية والعقائدية بين رئيسي الحكومتين, ومن هنا كان التحذير الذي اطلقته صحيفة ليبراسيون الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي الفرنسي, حين كتبت تقول عشية زيارة اليوسفي: (ان فشل مسعى الحكومة المغربية في باريس سيضعف موقفها, وسيعاب عليها انها لم تستطع الحصول على دعم ملموس من اصدقائها الاشتراكيين الفرنسيين) , فهل سيمد الاشتراكيون الفرنسيون حبل الانقاذ لحلفائهم المغاربة؟ الرباط ــ رضا الاعرجي