الفريق عبدالمنعم واصل رمز من رموز العسكرية المصرية بدأ حياته العسكرية في الأربعينات وعاصر حروب 48 و56 و67 والاستنزاف وكان قائدا للجيش الثالث الميداني في حرب رمضان المجيدة .. رغم اقترابه من الثمانين عاما إلا انه مفعم بروح أكتوبر وهو يتحدث إلينا كان يصول ويجول ويهبط ويصعد كما لو كان ما زال في ميدان المعركة. في حديث الذكريات والنصر أبحرنا مع الفريق أول عبدالمنعم محمد واصل المحافظ الأسبق وقائد الجيش الثالث الميداني في حرب أكتوبر وأحد أهم العقول التي قادت مصر إلى طريق النصر والتحرير في مرحلة من أصعب المراحل التي عاصرتها مصر بعد نكسة 67 وحتى السادس من أكتوبر 1973. في هذا الحوار حكى واصل قصصا وبطولات جديدة وكشف عن أحداث لم نعرف بها من قبل.. فلندخل معه مباشرة إلى الأحداث التي مرت به بصفته قائدا وشاهدا. - هل تتذكر معنا الأحداث التي مرت بك عقب انتهاء حرب يونيو 67 وبداية الأيام القاسية عقب الهزيمة وعودة القوات بعد الانسحاب؟ ــ أنا اعتبر ان أسوأ فترة مضت في تاريخ مصر وفي تاريخ العسكريين المصريين كانت هذه الفترة التي تشير إليها في سؤالك.. في هذه الأزمة كنا في غاية الوهن النفسي ولم نكن نصدق ما حدث لنا.. أقول لك اننا كنا كضباط كبار نشعر بالعار أمام أهالينا وذوينا كنا لا نرغب النزول في اجازة أو في مقابلة الأهل.. كل واحد فينا كان يعتبر نفسه مسؤولا عن هذه الأزمة وكان يجب أن نتخذ الاجراءات والاستعدادات لننفض عن مصر وعن كاهلنا أثقال هذه الأيام.. بدأنا نضع في اعتبارنا انه لا مناص إلا الحرب رفضنا الحل المنفرد ورفضنا الهزيمة وكنا نسمع الرئيس جمال عبدالناصر يقول: (إننا نحن الذين نحرر أراضينا بقوة السلاح.. ان ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) هذه الكلمات وغيرها عن المشاعر والأحاسيس عمقت بداخلنا الشعور في أن الضفة الغربية للقناة أهم عندنا من أي شيء آخر شعرنا أن قطعة من قلوبنا قد انتزعت.. تحملنا المهمة بجسارة ومسؤولية كان أهم سؤال لدينا كيف نجهز الجيوش للحرب وكيف نعد السلاح اللازم والذخيرة والخطط والأهم من ذلك هو اعداد المقاتل نفسه.. وبعد أن قمنا بتغييرات في القيادات المسؤولة عن الفرق والكتائب والألوية أخذنا بالفعل في تسليح وتدريب وتجهيز قواتنا المسلحة وواصلنا العمليات القتالية عبر القناة وبدأنا الحرب الفعلية في منتصف 68 وبعد أن حققنا الثبات والقدرة بدأت حرب الاستنزاف. أهمية الاستنزاف - هل يمكننا اعتبار حرب الاستنزاف أساسا رئيسيا لحرب أكتوبر؟ ــ نحن بدأنا نغرس البذور مع بداية الاستنزاف وكنا نتوقع أن مسألة الغرس ستطول لان الجندي كان يجب أن يتحول إلى محترف حرب وكان الاستنزاف وعمليات التدريب هي هذا الميدان الذي يكمل فيه الجندي دراسته التدريبية, ولولا هذه البداية ما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه في هذه الفترة الحاسمة ــ ست سنوات ــ التي تعتبر غير كافية لاعداد الجيش وتجهيزه للحرب بالمقارنة بالحروب الأخرى.. وذلك لاننا بدأنا مبكرا في الاعداد وأيقنا انه لا بديل آخر لنا سوى الحرب بل انني أتذكر انه كانت هناك عملية ضخمة حدثت ضد العدو في أول يوليو 67 حيث وقعت معركة شهيرة في منطقة (رأس العش) وجاء بعدها ضربة مفاجئة لغلواء اسرائيل عندما دمرنا وأغرقنا المدمرة ايلات الشهيرة. - ما هي الجهود التي بذلتموها في تأهيل المقاتلين للمعركة على مدار هذه السنوات الست؟ ــ أهم شيء اننا قمنا برصد مواقع العدو بالطيران ثم بدأ أبطالنا من سلاح المهندسين العسكريين في تحويل هذه الصور إلى ماكيتات ثم إلى خرائط واقعية وبعد ذلك إلى مشاريع تدريبية فمثلا عند الكيلو 85 على طريق السويس كنا نأخذ اللواء بعد تدريبه واعداده وندفع به لعمل مشروع بدون ذخيرة ثم نفس المشروع بالذخيرة الحية وكأنه في حرب فعلية واشتباك حقيقي لدرجة انه حضر معنا ــ ذات مرة ــ الفريق أول محمد صادق ــ رحمه الله ــ في أحد هذه المشروعات وكان وزيرا للحربية وأصر على أن يطمئن على التدريب بنفسه وشاركنا في التجريب لهذه المشاريع حتى الساعة الخامسة صباحا. - وهل كانت تحدث خسائر في الأرواح من جراء هذه المشاريع التجريبية؟ ــ حدثت خسائر لا بأس بها لكنها ازدادت في الفترة الأخيرة. وأذكر انه في ذات المشروع الذي حضره معنا الفريق صادق وبينما كنا ندون الذخيرة تأثرت الدانة فسقطت واستشهد فيها ضابط واثنان من الجنود واعتبر وزير الحربية في هذه اللحظة شهيد التدريب كشهيد حرب لأول مرة بشكل رسمي ورغم ذلك استكملنا المشروع بعد أن قمنا بزيارة أهالي الشهداء. عمليات مكتملة - هل كنتم تنفذون اجراءات معركة كاملة من معارك الخطة الخاصة بالحرب؟ ــ بالتأكيد ولم تكن معركة واحدة بل كانت معارك كثيرة وكانت تبدأ اجراءات المعركة من أول البسملة حتى نقول صدق الله العظيم أي عندما يتحقق الهدف كاملا وكان لنا ميدانين الأول, بلقاش والثاني بالبرمائيات بالفيوم وهو الذي كان يعلق قيادة الجنزير.. وفي الحقيقة الذي كان يشاهد ما يحدث قبل حرب السادس من أكتوبر يقول هذا بيان عملي للحرب ونفس التكتيك هو الذي حدث فيما بعد وأذكر لك ما قاله مستر هارت في اليوم الأول للحرب وهو محلل عسكري اسرائيلي: (إن ما رأيته بعيني أصابني بالذهول, الجنود المصريون يتدفقون على القناة يشقون المانع المائي بمعدل مرتفع عند الطرف الجنوبي للقناة كالاعصار.. هؤلاء أبناء النيل يخترقون الساتر الترابي المرتفع بشجاعة تعرفها الأساطير التي تمجد الأبطال المحاربين, يسبقهم ضباطهم وهم يثبتون أقدامهم على رمال سيناء التي فقدوها من قبل, يخوضون معارك فاقت العديد من نوعياتها في معارك الحرب العالمية الثانية.. لقد رأيت اعصارا يتقدم تحت ساتر جديد هو عبارة (الله أكبر) لقد فوجئ الذين يتحصنون بالنقط القوية بصلف وغرور.. بأن المصريين على رؤوسهم, وكأن الأرض قد انشقت عنهم, وكانوا كالبرق الذي يسبق العاصفة وكانوا من القوة بمعنى ان القوة أمامهم لابد أن تنهار) . أعتقد انني مهما حدثتك وقلت لك عن وصف لما حدث فلن أكون صادقا بقدر ما قاله بنفسه المحلل الاسرائيلي فربما يتهمنا البعض بالتحيز لأنفسنا. - ما هو المشروع التكتيكي الأخير الذي أجريتموه قبل الحرب ونفذتموه كاملا؟ ــ كنا نطلق عليه المشروع التكتيكي رقم (41) وقد بدأنا العمل فيه قبل الحرب بثلاثة أيام وقد وصل الجنود إلى درجة من الكفاءة في التدريب لا يتخيل أحد مداها وكانوا يراهنون أنفسهم.. وبعضهم البعض على اصابة الأهداف وكان هناك البعض يتدرب على العملية الواحدة بمعدل 20 مرة.. وأقول لك 20 مرة.. حتى يتقن المسألة تماما.. وقد انتهى هذا المشروع في ليلة السادس من أكتوبر وكان من أول المشروعات التي نفذناها بنجاح كبير.. حيث أسقطنا النقطة القوية 146 وتلتها النقطة 148 ثم رفعنا العلم المصري على الجبهة ووجدنا أنفسنا نتغلب على العقبات وبدأ الجندي المصري يقاتل باستمتاع.. أتذكر أن الجندي كان يحمل المدفع 85 مللي مع حبلين ثم يرفعه إلى أعلى ويضرب بكل شجاعة رغم وجود الساتر الترابي أمامنا. كنا في الحقيقة نبدع في التغلب على المشاكل والعقبات التي تعد من المستحيلات. مراكب العبور - اذكر لنا واحدة من هذه المشاكل؟ ــ عندك مشكلة المراكب.. بعد أن قمنا بتجهيزها للعبور عاكستنا حركة الرياح والمد والجذر لدرجة اننا فقدنا السيطرة عليها فاضطررنا إلى قلبها. وحاولنا تعديتها في برمائيات وحدثت أزمة فقد عاد اليهود يضربون الكباري من هنا وهناك وبدأنا نجري بعض المناورات بالقوات وألهمنا الله أن نعبر من كوبري الفرقة 16 في الجيش الثاني الميداني ونجح سلاح المهندسين في اقامة الكوبريين 135 و137 وبعد أن انتقلنا للجهة الأخرى وجدنا دبابة العدو وقد لفت على الجنزير ورقدت على ظهرها فانقضضنا على العدو وأغلقنا عليه المنفذ. - ما هي وقائع يوم العبور وهل تغير برنامجك في هذا اليوم؟ ــ لك أن تصدق.. انني لم أنم هادئا مطمئنا مستريح البال مثلما نمت ليلة السادس من أكتوبر لانني كنت على يقين كامل بأننا أدينا المهمة كاملة وليس علينا إلا أن نجني الثمار.. ورغم انه من الطبيعي ألا أنام أبدا لكن النوم غلبني في هذه الليلة وكنت مدركا فيها أننا منتصرون ــ بإذن الله ــ لان التخطيط كان سليما ودقيقا ولحظة العبور لا يمكن أن أنساها فعندما عبرنا القناة بفرقتين في ثلاث ساعات إلا ربعا توجهت إلى الله وصليت ركعتين شكرا له, وقد اعتدت ألا أتخذ قرارا إلا بعد الصلاة لان أي قرار في الحرب يتوقف عليه مصير مئات الأسر والعائلات المصرية وسمعة مصر والقوات المسلحة, وبعد هذه اللحظات الأولى مباشرة بدأت الأمور تسير بشكل طبيعي وكأننا نقوم بتنفيذ مشروع تكتيكي. - وأنت قائد لأهم جيش متى علمت بساعة الصفر؟ ــ نحن قادة الجيوش وقادة القوات المسلحة والعمليات والقائد العام والقائد الأعلى للقوات المسلحة الذين نحدد الساعة (س) وفي الغالب يقوم كل جيش بتحديدها وفقا لظروفه وطبيعة الأرض والشمس والضوء والمطر وظروف العدو مثلما قيل أننا اخترنا توقيت الراحة للعدو.. ففي ضوء كل ذلك حددنا الساعة (س) في البداية لكنه طرأ تغيير ثان عليها بسبب انها كانت لا تتوافق مع ذات الظروف مع الموقف السوري. الحرب التي خسرتها اسرائيل - في ضوء حرب أكتوبر إذا ما أردنا أن نقيم حرب الاستنزاف فهل يمكن القول بأنها الحرب التي خسرتها اسرائيل؟ ــ هذا سؤال في غاية الأهمية.. وسوف أجيب بتقييم اليهود أنفسهم وبالتحديد ما جاء على لسان (عيزرا وايزمان) رئيس اسرائيل الحالي في كتابه النسور الزرقاء قال: (إن بلادي كانت الطرف الخاسر في حربها الاستنزافية مع مصر في كلا المجالين السياسي والعسكري لفشل القائمين على التخطيط وإدارته في تجنب الثغرات التي أدت إلى تحرك الصراع لصالح الطرف العربي وذلك لجهلهم بأسباب ونتاج غارات العمق التي فشلت في اسقاط الزعامة المصرية أو ترهيب الشعب المصري كما كانوا يأملون بل كشفت عن التطرف الاسرائيلي في قصف أهداف مدينة راح ضحيتها أطفال أبرياء مما أثار الضمير العالمي ودفعه إلى التعاطف مع العرب.. إن غياب الهدف السياسي العسكري في الخطة الاسرائيلية للاستنزاف إلى جانب التخطيط في إداراته والتقدير الخاطئ لنتائجه مقابل التقليل من أهمية الأداء العسكري المصري والتهويل من شأنه قد أهدر كل ذلك حتى نصر عام 67 ــ يقصد لاسرائيل ــ خاصة من جانبه المعنوي, ثم جاء الفشل الأكبر في منع اقامة حائط الصواريخ المصري وزحفه إلى القناة ثم الفشل في تدميره بعد أن أصبح حقيقة واضحة واقعة.. ظهرت آثاره عصر السادس من أكتوبر في تحييد القوة الجوية الاسرائيلية, فترك الجنود المصريون يخوضون المعركة لأول مرة دون أن تنهال عليهم قذائف الطيران وقد مروا ولم تتحطم جسورهم, ان تلك الطائرات العميقة التي هدفت إلى احراج بل اسقاط نظام الحكم في القاهرة قد جاءت بنتيجة مختلفة تماما إذ زادت قواعد الحكم المصري ثباتا.. إن حرب الاستنزاف يجب أن تدخل التاريخ العسكري بوصفها الحرب التي خسرتها اسرائيل.. هنا انتهى كلام وايزمان الذي أثبت بهذا التقييم المنصف ان مصر قد انتصرت في حرب الاستنزاف.. وهذه حقيقة لا ينكرها أحد ولا يخفيها التاريخ فنحن كنا نعاقب الجندي أو الضابط الذي يثبت انه تخاذل أو تراجع عن معاملته للعدو.. كما اننا نؤكد ان ميدان الاستنزاف جعلنا نخوض ميدان أكتوبر بجسارة وعزم كبيرين.. وهو ما أكده أيضا وايزمان في مقولة أخرى هي: (حقا ان التخطيط المصري خلال هذه الحرب ــ يقصد حرب أكتوبر ــ ليست من فراغ بل اعتمدت أساسا على الدروس المستفادة من حربي 67 والاستنزاف والخبرات التي اكتسبها القادة والتشكيلات) . نداء النصر - ما هي حكاية نداء النصر الذي كنت تأمر بقراءته صباح كل يوم على المحاربين؟ ــ أنا مؤمن تماما وموقن أن الحرب عقيدة والمحارب لابد أن يسلم نفسه وروحه لله تعالى لانه إذا اقتنع بهذا الواجب الديني انتزعت منه نقطة الخوف وبالتالي يكون اقدامه على العدو حارقا له.. في ضوء ذلك كنا نعتمد على المحاضرات الدينية التي تبين للجنود أهمية الجهاد في سبيل الله وضرورة الزود عن الوطن وكان في الحقيقة يأ تينا رجال دين كثيرين وكل كتيبة كان بها لا يقل عن ستة مساجد ولما خشيت أن مآذن المساجد قد يرصدها العدو وبالتالي يحدد بعض المواقع فأمرت بإزالة كل مآذن الجيش الثالث.. المهم كتبت نداء كان يردده الجنود صباح كل يوم وعندما كانوا ينطقون به كانت الأرض تزلزل من تحت أقدامهم. - وماذا يقول هذا النداء؟ ــ نداء من اللواء عبدالمنعم واصل.. أبنائي الشجعان محاربي الجيش الثالث الميداني أمامكم القناة, (قناتكم) وها أنتم تسمعون أمواجها, وهناك على الضفة الشرقية أرض سلبها عدوكم والآن حان اليوم والوقت لاستعادتها وتطهيرها.. أيها الرجال حانت ساعة جهاد.. قال الله تعالى: (جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين). أبنائي الشجعان.. خذوا سلاحكم بقوة, اعتمدوا على الله وثقوا في بركته. ولا تشعروا بالشفقة أو الرحمة تجاه أعدائكم.. اثأروا لآلام شعبكم وعذابه, اثأروا للشهداء الأبرار. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم). وكنت قد أعددت هذا النداء قبل الحرب بعدة أيام ألقيته بصوتي على الجنود يوم الخامس من أكتوبر وأطلقنا عليه نداء النصر. الدعاية الاسرائيلية - الصياح والضجيج.. التهديد والوعيد.. المؤتمرات الصحفية.. العروض التلفزيونية.. الجندي الاسرائيلي الذي لا يقهر.. خط بارليف الحصين.. أنابيب النابالم التي تحيل القناة إلى جحيم.. كل هذه المعاني والكلمات التي رددتها اسرائيل.. ماذا كان وقعها عليكم وهل كانت تسبب لكم رهبة وأنتم قادة؟؟ - لا أخفيك سرا ان هذا الصياح الاسرائيلي كان يسبب لنا بعض الرهبة وربما دفعنا إلى أن نحسب حساباتنا جيدا وأن نعد العدة بما يتلائم مع هذه الاسطورة وفي بعض الأحيان كنا نتخيل أن بعض هذه الموانع والتحصينات تمثل لنا مستحيلا وأن عبورها يحتاج إلى معجزة من السماء لكن عناية الله والتخطيط السليم وطرح العديد من البدائل لكل المشكلات كانت كلها عونا في طريق النصر ــ والحمد لله ــ لكنني كقائد في هذه المعركة لا يمكنني نسيان الروح المعنوية التي كان يقاتل بها الجندي المصري والسوري لقد تحققت كل المقولات النظرية في هذا الميدان.. لأن الجندي بدون روح هو جثة هامدة.. كما ان المقاتل ــ أيا تكون جنسيته ــ المشبع بروح معنوية عالية يمكنه التصدي لعشرة دروع.. أكتوبر ــ وهذا الكلام للتاريخ والحقيقة ــ كانت له روح معنوية خاصة جدا يمكننا أن نطلق عليها التعبير الذي يردده الرئيس مبارك في بعض خطاباته (روح أكتوبر) هذه الروح لا يستطيع أحد أن يصفها لانها كانت تقاتل بطريقة خاصة جدا استعذب فيها المحاربين المصريين الموت من أجل النصر. أم المشاكل - لكن ما هي تفاصيل معركة بور توفيق التي احتار العالم كله في ايجاد تفسير لها والتي اشتهرت بمعركة (الحصد) ؟ ــ هذه المعركة كانت أم المشاكل.. أولا نحن نجحنا في اسقاط كل النقط القوية للعدو حتى يوم التاسع من أكتوبر وفي ليلة اليوم التاسع كنا أخذنا مركزا متقدما فقد سيطرنا على عيون موسى بدون قتال رغم انها كانت محصنة تحصينا منيعا بعد أن فرت القوات الاسرائيلية أمامنا منها وأذكر اننا عندما استولينا على هذا الموقع وجدنا ما يخص العدو من أدوات الحلاقة لدرجة أنهم كانوا يعدون طبيخا ساخنا وكان الجنود في غاية الجوع فاستولينا على الأكل وكان ألذ طعام أكلناه في الحرب لكن العقبة كانت في بور توفيق ــ بعد ذلك ــ فنظرا لانه عبارة عن لسان خارج البحر الأحمر عرضه حوالي 150 مترا بطول كيلو مترين وكانت اسرائيل تحتله بالكامل وفي أثناء فترة احتلالها له أخذته وحصنته تحصينا كبيرا وكان الحصن عبارة عن دشمة خرسانية بها مجرى داخلي محدد بحجر ونوع السلاح الذي بداخله وهذه الدشمة الخرسانية تشبه الغرفة وسقفها يشبه قضبان السكة الحديد ومن فوقها يوجد حوالي عشرة طوابق بهذه الطريقة وفوق العشرة طوابق يوجد عشرة طوابق ثانية مصنوعة من البلاط الخرساني الواحدة منه حوالي متر ونصفا وهذا البلاط مخروم من المنتصف ومثبت به ما يشبه الشباك السلكي لكنه في الواقع مكان لتثبيت القنبلة زنة الألف رطل.. هذا الوصف بالطول كيلو مترين والعرض الذي ذكرته لك كان يجب علينا أن نقتحمه. - وكيف حدثت عملية الاقتحام والسيطرة عليه؟ ــ جاء اللواء منير شاش ــ وكان قائدا للمدفعية في الجيش وقلت له دبرني يا منير وقل لي ماذا تفعل في هذه المصيبة فقال منير شاش هذه عملية بسيطة.. ففرحت لان منير ظن انه سوف ينجح في اختراقها بالهاون.. وبدأ يضرب بالهاون 120 مللي فلم تؤثر ثم بالهاون 240 مللي لكن ليست هناك فائدة, ويبدو ان نوعية الحديد المستخدمة صلبة ولم تتأثر بكل هذه الضربات.. المهم كان عندنا عقيد اسمه نور خيري وهذا العقيد كان معروفا عنه انه أمهر ضابط مدفعية في الجيش المصري كله وأحضرته ومعه سرية دبابات من اللواء الثاني مدرع في سلاح الفرسان وبدأ نور يفكر في إحداث ثقب في جدار الحصن فراح يركز مدفعيته وكان يضرب ثلاث طلقات في نقطة واحدة ثم يضرب بعدها زخيرة ودخان واستمر على هذا الحال لمدة ثلاثة أيام متصلة ليل نهار وهو لا ينام هو وفريق العمل الملازم له حتى تمكن من احداث ثقب استطعنا منه أن نقتحم هذا الحصن المنيع وقد استشهد في هذه العملية من استشهد وجرح من جرح إلى أن طلب القائد الاسرائيلي تسليم نفسه للصليب الأحمر. - وكيف تمت عملية التسليم؟ ــ في حوار دار بينه وبين قيادته سألوه هل تستطيع الصمود فأجاب: حالتنا صعبة جدا أريد الاستسلام فقالت القيادة له: غير القرار السابق أنت لست ملزما بالاستسلام فما زال الأمر يتوقف على اعتباركم. فرد قائد الحصن بعد فترة صمت.. كم علينا أن نصمد.. فقالت القيادة لا نستطيع الالتزام بوعد.. فقال لهم قائد الحصن بعد فترة صمت طويلة.. أليس متأخرا تغيير قرار القيادة هذا يرجع لاعتبارات الحصن: فرد عليهم مرة أخرى: المسألة هي كم من الوقت في الحصن أن نصمد فقالت القيادة إذا قررتم الصمود فإننا سنساعدكم بقدر ما نستطيع. فرد الحصن بأن هذا لا يكفي فقالت القيادة: هذه هي الظروف والأمر يخضع لقراركم فأجاب قائد الحصن: أخشى ألا نستطيع الصمود لذلك نقرر الاستسلام.. وكان من المفترض أن يسلم هذا القائد نفسه يوم 12 أكتوبر لكنهم أرسلوا له كتيبة كوماندوز (بحرية) وكانت هذه الكتيبة مستعدة تماما للهجوم علينا ثم تحاول تخليصهم من الأسر لكن إحدى كتائب الصاعقة المصرية تصدت لهم ببسالة فاضطروا للاستسلام بالكامل وكان عددهم 37 بما فيهم قائد الحصن. غدر اليهود - بما انك تحدثت عن عملية الأسر كيف كان يعامل اليهود الأسرى المصريين وكيف كنا نعامل أسراهم؟ ــ اليهود ليس لهم مواثيق أو عهود وكانوا عندما يقع تحت أيديهم أحد أبناءنا يقتلونه ليرفعوا لنا عدد الخسائر لذلك كان المحارب المصري حريصا ألا يقع تحت الأسر الاسرائيلي.. وكان يفضل تفجير المنطقة وهو يعلم انه سوف يموت قبل الاسرائيلي على أن يسقط في أيدي الاسرائيليين.. أما نحن فكنا نعامل الأسرى اليهود أفضل معاملة ــ (كما علمنا إياها ديننا الإسلامي الحنيف) وكانت حسب تقاليد الشهامة العربية ولعل ما يؤكد هذا الكلام ما كتبته الصحافة العالمية فقد كتب أحد الكتاب الفرنساويين أن الطبيب السوري (هنري زازا) ومعه ممرضات المستشفى الجميلات ــ على حد قول الكاتب ــ احتفلوا يوم 20 نوفمبر 1973 بعيد ميلاد الضابط الاسرائيلي الذي ضرب مستشفاهم بالقنابل وكذلك احتفلوا في مستشفى دمشق العسكري بعيد ميلاد الضابط (جالي أورسون) لبلوغه الثلاثين وقدم له طبيب المستشفى بالمناسبة تورتة وشموعا وشرابا وعلبة سجائر (ويلسون) وقال الأسير والدموع تترقرق في عينيه ــ لقد عاملوني معاملة كريمة. لدرجة أني لا أطلب الآن شيئا في الحياة سوى أن أرى زوجتي.. وقال أسير آخر يدعى (يوري شخات) وقد كان قائد فانتوم: لقد عدت إلى طفولتي.. ولن تعرفني عائلتي.. وما السبب. حلقت شنبي.. ورغم كل ذلك كانت اسرائيل ترفض اتفاقية جنيف الخاصة بالأسرى فقد أعلن مندوب اسرائيل في 19 نوفمبر 1973 أمام اللجنة السياسية للأمم المتحدة: ان اسرائيل ترفض تطبيق المادة الرابعة من الاتفاقية الخاصة بحماية الأهالي المدنيين وممتلكاتهم ورفضت اسرائيل السماح لرجال الصليب الأحمر بدخول المناطق المحتلة في الجولان وهكذا لم نسمح بدورنا للصليب الأحمر بزيارة أسراهم.. ولكننا عاملناهم كما يجب. ادعاء كاذب - لقد نشروا في صحفهم وفي الصحافة الأوروبية عن مذبحة للأسرى.. من أين جاء هذا الادعاء؟ ــ ادعاء كاذب والعكس هو الصحيح, فقد اعترف رجل عسكري اسرائيلي باستخدام الأسرى السوريين في اقتحام حقول الألغام في جبل الشيخ وان الطبيب الهولندي (بياليستون) قد أجرى عمليات زرع أعضاء مستخدما فيها أجسام الأسرى السوريين.. كذلك نشرت صحيفة أخرى في ذلك الوقت اعترافات جندي اسرائيلي بتعذيب العرب وحدث بعد نشر هذا التحقيق ومعه الصور أن فزع المسؤولون عن الاعلام الاسرائيلي, لكشف هذه الحقائق فشنوا حملة على مجلة (ياري ماتش) وطالبوها بنشر ردود كاذبة ورفضت المجلة النشر في ذلك الوقت بل انها طالبت اسرائيل بأن يجري مندوب المجلة تحقيقا في الجولان السورية ونجحت وسائل اعلامية أخرى كثيرة, في فضح الهمجية التي عاملت بها اسرائيل الأسرى العرب. - كلما تذكرت حرب أكتوبر ماذا يكون شعورك وخاصة أننا الآن نحتفل بذكرى مرور ربع قرن على هذه المناسبة؟ ــ أقسم لك انني رغم شيبتي وبلوغي من العمر أرزله إلا انني كلما تذكرت أيام القتال المباشر مع العدو وكلما تذكرت اللحظة التي رفعنا فيها علم مصر على الجبهة وكانت أول منطقة رفع عليها العلم في الجيش الثالث الميداني.. كلما تذكرت كل ذلك أشعر بدماء الشباب تدب في عروقي بقوة وأشعر بالرضا والفخر وأقول ليت كل شعب مصر كان قد شارك في هذه المعركة حتى يشاركنا هذا الشعور الذي نعجز عن وصفه. وكلما عادت هذه الذكرى أشعر بالزهو.. وأجد قلبي يفيض بالعرفان لكل من ساهم في صنع هذه الملحمة الخالدة وأرى من واجبي أن أحتضن كل جندي وكل ضابط وأن أنحني بالاحترام أمام كل شهيد لأقول لهم انني مدين لهم بما نحن فيه من كرامة.. وحرية. خطة الخداع - خطة الخداع والمناورة هل كانت عاملا أساسيا وراء عملية الحسم لصالح الجيش المصري؟ ــ أعتقد انه من كثرة المناورات والمشاريع فلم يعد العدو بامكانه تحديد لحظة النهاية والحسم وكجزء من خطة الخداع تم التوزيع النهائي للقوات تحت ستار الاستعدادات للمناورات السنوية التي تجرى في الخريف وهذه المناورات التي أطلق عليها الاسم الرمزي (تحرير 23) قد وضعت خططها المستقلة منذ مدة طويلة وكان لابد للمخابرات الاسرائيلية أن تكون على علم بها خصوصا ان الاشارات الخاصة بها كانت ملأ الجو وتبعا لذلك فإنه حين انتقلت القيادة إلى نقطة متقدمة على طريق القاهرة ــ السويس عرفت فيما بعد باسم المركز رقم (10) لتتخذ منه مقرا لعمليات المعركة, وشهد المركز عملية تغطية جدرانه بخرائط مناورات (تحرير 23) وكان من السهل نسبيا أن تتحول القوات المشتركة في مناورات تحرير (23) لتتخذ مراكزها استعدادا لشن حملة (بدر) وهو الاسم الرمزي الذي أطلق على حملة الهجوم المصري ــ السوري المشترك.. وكذلك فإن الدراسات التي أجريت في شأن خطة الخداع بدأت مع خطة العمليات في وقت واحد واستمرت متوازية معها, وشملت كل الميادين: العسكرية والدبلوماسية والاعلامية, فكانت القوات تتحرك إلى جبهة القناة في أثناء الليل, بينما كان بعض عناصرها يسحب في أثناء النهار بطريقة لافتة للانتباه (لتعود إلى مراكزها في الليل بطبيعة الحال) وكان مندوبو مصر وسوريا في مؤتمرات عدم الانحياز وفي الأمم المتحدة وفي غيرها من الاجتماعات يتحدثون بأسلوب السلام. ولا بد هنا من القول بأنهم لا يعرفون الغرض من التوجيه الصادر إليهم بالتحدث بهذا الاسلوب, بينما كانت الصحف والاذاعة قد وجهت هي الأخرى إلى ابراز اهتمام مصر وسوريا بالبحث عن حل سلمي للنزاع في الشرق الأوسط واظهار عدم الرضا عن العمليات العسكرية التي يقوم بها الفدائيون الفلسطينيون.. ومن حسن الحظ ان رئيس المخابرات الاسرائيلية كان يعتقد اعتقادا جازما ان المصريين لن يستطيعوا في أي ظرف من الظروف أن يشنوا هجوما على اسرائيل. الحقيقة ان خطة الخداع كانت لها نتائج ايجابية كبيرة جدا اضافة إلى عدة عوامل أخرى كثيرة لعل أهمها إلى ما سبق هو انهماك الرأي العام الاسرائيلي في بداية اكتوبر في مواجهة القرار الذي اتخذته الحكومة النمساوية باغلاق معسكر اللاجئين في (شناو) . القاهرة ــ أحمد عمر