ينتظر ان يصدر العاهل المغربي الملك الحسن الثاني خلال الايام المقبلة, قرارا يقضي بتسوية ملفات حقوق الانسان العالقة منذ العفو العام الذي اصدره في يوليو 1994 وشمل وقتذاك اعدادا من المنفيين واطلاق نحو 400 من معتقلي الرأي . وكان ادريس الضحاك رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الانسان, وهو جهاز استحدث عام 1990 ويضم مسؤولين حكوميين ومنظمات تعنى بحقوق الانسان وممثلين عن الاحزاب والنقابات, قد رفع (رأيا استشاريا) الى العاهل المغربي بهذا الخصوص في ختام الدورة الاخيرة للمجلس التي درست ملفات المختفين والمعتقلين السياسيين. ووفقا لمصادر متطابقة, ستباشر السلطات المعنية قريبا اجراءات لاطلاق سراح نحو 40 شخصا من السجناء الذين حوكموا خلال السنوات الماضية بسبب احداث مختلفة, والكشف عن مصير حوالي 112 من (المختطفين والمختفين) , اضافة الى حسم قضايا اخرى مرتبطة بالحرمان من جوازات السفر والوفيات داخل مخافر الشرطة وتعويض معتقلين سابقين في سجن تازمامرت الذي كان قد اغلق في وقت سابق استجابة لدعوات منظمات حقوقية اوروبية وامريكية, لكن لم يعرف فيما اذا ستشمل الاجراءات المرتقبة رفع الاقامة الاجبارية عن الشيخ عبدالسلام ياسين زعيم جماعة (العدل والاحسان) الاصولية المحظورة والسماح للمعارض اليهودي ابراهام السرفاتي بالعودة من فرنسا. وعلى هذا الصعيد ينتظر ان تعترف الحكومة المغربية بوفاة 70 شخصا (فقدوا) بين 1960 و,1980 وتسليم عائلة كل واحد منهم شهادة وفاة وتعويضا ماليا, فيما سيستثنى من عملية التسوية هذه عشرون معتقلا اصوليا لارتكابهم (جرائم دموية) , حيث قامت مجموعة تضم 12 منهم بذبح طالبة ماركسية في مدينة وجدة (شمال شرق), اما الثمانية الاخرون فمتهمون باغتيال عمر جلون احد قياديي حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) عام 1975. والجدير بالاشارة ان المغرب اتخذ سلسلة من المبادرات في مجال حقوق الانسان منها اقامة المؤسسات المعنية بهذه الحقوق كالمجلس الاستشاري لحقوق الانسان (1990) , وتخصيص حقيبة وزارية لحقوق الانسان (1993) , كما صادق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية حقوق الانسان وتنميتها كاتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حماية العمال المهاجرين واسرهم, واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية, وتحويل عقوبات الحكم بالاعدام الى عقوبات سجنية, الا انه ورغم التحسن البالغ الاهمية الذي عرفته وضعية حقوق الانسان في المغرب, فانه لم يحل دون ممارسة التعذيب وسوء المعاملة المفضية الى الموت, واستمرار انتهاكات الاجراءات القانونية المفترض اتباعها في السجون المغربية, ومن ضمن هذه الانتهاكات استخلاص الاعترافات من المحتجزين بالقوة واختلاق اعترافات مزورة والاحتجاز لفترات زمنية طويلة (بخلاف ما ينص عليه القانون) وتقصير السلطات في التحقيق بدعاوى التعرض للتعذيب. في هذا السياق طالبت (المنظمة المغربية لحقوق الانسان) بتسوية مشاكل حقوق الانسان تسوية نهائية, وقالت في مذكرة وجهتها مؤخرا الى رئيس الحكومة (ان عشرات السجناء المحكوم عليهم في قضايا ذات طابع سياسي لم يستفيدوا من قرار العفو الشامل, كما ان ملفات ذات طابع فردي لم تسو بعد كملفي ياسين والسرفاتي) . ويذكر ان بيير ساني امين عام منظمة العفو الدولية كان قد ادلى بتصريحات خلال زيارته المغرب في يونيو الماضي اثارت ردود افعال متضاربة داخل الاوساط السياسية المغربية, كونه لمح الى وجود مراكز في الحكومة تقاوم تصفية ملفات معتقلي الرأي والمختطفين, فضلا عن مطالبته بالافراج عن جميع المختفين الذين لا يزالون على قيد الحياة واجراء تحقيقات في جميع حالات الوفاة في الحجز وحالات التعذيب, وتقديم المسؤولين عن وقوع هذه الانتهاكات الى العدالة. ويرى مراقبون ان التعجيل بمعالجة ملفات حقوق الانسان التي طالما اثارتها تقارير المنظمات الحقوقية والهيئات المغربية والدولية يأتي في سياق الاصلاحات التي تنهمك الحكومة الحالية في انجازها, خصوصا اصلاح الادارة والقضاء, وطي صفحة الماضي بما فيها ملفات حقوق الانسان كجزء من برنامجها الذي صادق عليه البرلمان, وفي كل الاحوال تنطوي الخطوة المغربية على ارادة سياسية من اعلى المستويات للانتقال الى مرحلة جديدة تتجاوز القضايا المستعصية الشائكة والتي سببت عدم الحسم فيها كثيرا من الضرر في الداخل والخارج. الرباط ــ رضا الاعرجي