بالرغم من ان لجان الامم المتحدة وفرق التفتيش او بعثات المهام التابعة لها هي في النهاية لجان تحمل الصفة الدولية وتمثل المجتمع الدولي في ممارستها لمهامها وهو مايفرض عليها اقصى درجات الموضوعية والالتزام بقواعد القانون الدولي, الا انه لا مناص من التسليم بأن هذه اللجان او البعثات او غيرها تتأثر بدرجة او بأخرى بعوامل سياسية وضغوط من جانب هذه القوة الدولية او تلك للتأثير في عملها او محاولة توجيهه في اتجاه محدد في اوقات معينة وذلك نتيجة لتفاعلات القوى السياسية ومصالحها داخل وخارج الامم المتحدة. غير ان المفارقة التي كشفت عنها الايام الاخيرة وعلى نحو يتجاوز كل الاعراف وتقاليد العمل الدولية في هذا المجال هي ما يمكن تسميته بمهزلة (ريتر) فسكوت ريتر كبير مفتشي اللجنة الخاصة المكلفة بتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية, والذي استقال في شهر اغسطس الماضي بعد ان انكشفت علاقاته الوثيقة مع اسرائيل قدم نموذجا لانحراف الموظفين الدوليين في قيامهم بوظائفهم. وتزداد المهزلة عندما يكون هذا الانحراف المتعمد موجها في صالح طرف ـ اسرائيل ـ ضد طرف اخر هو العراق وبمباركة السلطات الامريكية ولجنة الامم المتحدة ـ الاونسكوم ـ التي يترأسها ريتشارد بتلر. لقد تبجح ريتر عندما تحدث لصحيفة (هاآرتس) الاسرائيلية يوم 28/9 عن تعاونه مع اسرائيل ـ الموساد ـ بالطبع مما أدى الى التوصل الى حل الشفرة العراقية, وكان المتحدث باسم اونسكوم ساذجا ومغالطا عندما حاول تبرير تعاون اللجنة مع المخابرات الاسرائيلية بزعم ان اللجنة تتعاون مع 40 دولة منها بعض دول المنطقة وان قرارات الامم المتحدة بشأن العراق تنص على هذا التعاون. وهنا لا بد من التوقف قليلا, لان كل قرارات الامم المتحدة الخاصة بمثل هذه المهام وغيرها تنص بشكل تقليدي على اهمية تعاون الدول الاعضاء مع اللجان والبعثات او القوات التي تشكلها الامم المتحدة للقيام بمهام محددة. ولكن ما قام به الامريكي (سكوت ريتر) يتجاوز التعاون الى حد التعاون التجسسي مع الموساد ومن ثم دخلت المخابرات الاسرائيلية من خلاله هو وعدد من المتعاونين الاخرين معها من اعضاء الاونسكوم الى صميم عمل اللجنة والى حد سمح بتوجيه عمل اللجنة من جهة, والتركيز على جوانب او انشطة تريد اسرائيل تحديدا التركيز عليها والتأكد منها من جهة ثانية, كما ان كثير من صور الاقمار الصناعية وتقارير اللجنة كانت تصل اسرائيل سواء من خلال ريتر نفسه او من خلال مصادر اخرى. صحيح انه من الواضح تماما ان عمل لجنة المفتشين الدوليين في العراق سواء قبل بتلر او بعده قد تحول بفعل الضغط الامريكي البريطاني الى عملية تدمير منظمة, وطويلة المدى لكل القدرات التسليحية العراقية وعلى نحو يدفع بالعراق اكثر من 20 عاما الى الوراء, ولم يكن ذلك تنفيذا لقرارات دولية واخلاصا في القيام بتنفيذ قرارات الامم المتحدة, ولكنه كان تنفيذا لرغبات قوى دولية واقليمية ـ اسرائيل تحديدا ـ في العمل بكل السبل من ا جل اخراج العراق ولسنوات طويلة من معادلة القوة العربية. وبغض النظر عن ان تقاليد العمل الدولية لا تسمح بان تشارك دولة بشكل مباشر او غير مباشر في عمل لجان دولية تتصل بدولة اخرى على خلاف او عداء معها, فان اسرائيل استطاعت استغلال الموقف الامريكي العدائي السافر ضد العراق للقيام باختراق لجنة الاونسكوم وخلق محاور تعاون مع عملاء لها بمعرفة الولايات المتحدة ورئاسة اللجنة تحت لافتة التعاون مع اللجنة. ومما لا شك فيه ان هذه القضية التي تحتاج الى وقفة كبيرة مع لجنة الاونسكوم ومع الامانة العامة للامم المتحدة, تثير قضية اكبر وهي استخدام بعض الاطراف الدولية والاقليمية لجان الامم المتحدة العاملة في الدول العربية لممارسة انشطة تجسسية او حتى انشطة معادية لها والامثلة في هذا المجال عديدة ومتنوعة, ومع ذلك فانه من الواقعية القول بان الدول العربية, ومنها العراق, لن تجد على الارجح من يقف الى جانبها او يدعم موقفها بقوة خاصة في ظل المناخ الدولي الحالي وفي ظل ما يمكن تسميته بغطرسة القوة سواء من جانب الولايات المتحدة او اسرائيل في تناولهما ما يتصل بالاوضاع العربية. ولكن ذلك لا يعني السكوت او التجاوز على قاعدة ان ما حصل قد حصل اذ من الضروري اثارة هذه القضية في اجتماعات الامم المتحدة سواء داخل مجلس الامن أو امام الجمعية العامة للامم المتحدة وكذلك مع الامين العام للامم المتحدة. فالعقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ اكثر من سبع سنوات ليس هدفها تدمير قوة العراق او فتح اراضيه ومواقعه العسكرية امام الموساد. على اية حال فان ما يؤكد الرائحة الكريهة لعمل بعض اللجان الدولية في العراق وانحرافها, ان نتائج فحص رؤوس الصواريخ العراقية والتأكد مما اذا كانت ملوثة بغاز (في ـ اكس) , وهو غاز الاعصاب القاتل يجري التلاعب فيها او بالاحرى العمل على صياغتها بشكل لا يحرج واشنطن. فمن المعروف ان النتائج الامريكية لرؤوس الصواريخ العراقية اثبتت ـ كما اعلنت واشنطن ـ وجود اثار لهذا الغاز وهو ما يشكل قاعدة لاتهام بغداد وشن حملة اخرى عليها. اما نتائج الفحص الفرنسية والسويسرية فانها لم تتوصل الى وجود مثل هذه الاثار وهو ما يكذب نتائج الفحص الامريكية ويحرج واشنطن. ومع ان النتائج الاوروبية انتهت قبل عدة ايام الا ان اعداد التقرير الخاص بها سيستغرق بعض الوقت حتى يتم التوصل الى صياغة لا تحرج واشنطن ولا تبرىء العراق بشكل كامل ايضا. وفي ضوء ذلك فانه من غير المستبعد ان تفرض الة الاعلام الغربية نهاية لتناول هذين الامرين ـ مهزلة ريتر وفحص رؤوس الصواريخ العراقية ـ لانهما يشكلان في الحقيقة فضيحة للولايات المتحدة توضع الى جانب فضيحة مونيكا لوينسكي. اما الدول العربية فعليها التدقيق بشكل اكبر واعمق في انشطة العديد من اللجان الدولية التي تعمل بها خاصة بعد ان اعتادت اسرائيل استخدام الجنسية المزدوجة لزرع جواسيسها داخل تلك اللجان من خلال استخدامهم الجنسية الاخرى غير الاسرائيلية سواء كانت الجنسية الامريكية او الاسترالية او غيرهما.