يبدو ان النخبة الحاكمة في السودان عازمة على تغيير راديكالي في مواقفها السياسية عبر اشارات غير معهودة منها بقبولها ان يشارك الآخرون في ادارة الحكم بعد ان استأثرت به تسع سنوات ونيف, كانت خلالها اجهزة الدولة كافة وتنظيمها السياسي واغلب قياداتها تحاول بكل قواها قطع الطريق امام كل مبادرة للوصول الى مثل هذه المشاركة في السلطة او فتح الساحة السياسية لخصومها لممارسة نشاطهم, وان كانت في السنوات الاخيرة غضت الطرف عن اصوات كثيرة استغلت المنابر العامة للتعبير عن اراء مخالفة بتوجهات النظام, ولكن دون ان يبلغ تسامح الحكومة درجة تكوين التنظيمات او الاعتراف بها, وظل هذا هو الحال الى ان ظهر تعبير (التوالي السياسي) باعتباره الحل الامثل لشكل من الديمقراطية تضمن للمؤتمر الوطني وهو التنظيم السياسي للدولة تفوقا في الساحة, استنادا الى رصيد تسع سنوات من تجربة الحكم تعتبرها الحكومة ناجحة بكل المقاييس وارتكازا ايضا على قاعدة الجبهة الاسلامية التي نالت في آخر برلمان ديمقراطي خمس مقاعده, اضافة الى القناعة في اوساط الحكم والجبهة بان دولة الشريعة القائمة ترفد النظام بقطاعات كبيرة من المتدينين غير المنتمين سياسيا وكذلك الطرق الصوفية, وهناك ايضا رصيد للنظام لايستهان به وهم السلاطين والقيادات العسكرية والزعامات السياسية من جنوب السودان الذين صقلتهم الحكومة طوال السنوات الماضية داخل اجهزتها وبوأتهم مواقع متقدمة في الحكم الاتحادي وافردت لهم مساحة مقدرة في ادارة شؤون الجنوب. لكل هذا وغيره يبدو ان السلطة قررت ان تلج الديمقراطية من اوسع ابوابها والسعي حثيثا باتجاه خصومها السياسيين للوصول الى وفاق وطني, فيما يعد اول مبادرة من جانبها وبحجم غير عادي مما اعتبره بعض المراقبين تحولا مائة وثمانين درجة عن خطها السابق, خاصة وان التوجه الجديد صادر عن اكبر هيئة سياسية في الدولة وهو (المؤتمر الوطني) الذي عقد اجتماعات مغلقة ومتصلة يومي الخميس والجمعة الماضيين برئاسة الدكتور حسن الترابي الامين العام للمؤتمر شارك فيها كل قيادات الدولة باستثناء الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية, وبالرغم من انه لم يصدر حتى الآن بيانا رسميا بنتائج الاجتماعات كما تم حرمان الصحفيين من متابعته عن قرب, فان انفراد الدكتور الترابي الامين العام للمؤتمر وكذلك الدكتور معتصم عبدالرحيم امين المؤتمر بولاية الخرطوم بتصريحين عما دار في الاجتماعات يشكل زاوية هامة في التوجه الجديد, خاصة وانهما يعتبران من اكثر الزعامات تشددا نحو الخصوم السياسيين ودعاوى الوفاق والديمقراطية والحزبية. فقد اكد الدكتور الترابي بانه تمت مناقشة السمات العامة لمشروع قانون (التوالي السياسي) للالتزام بما جاء في الدستور والتأكيد على الحريات العامة وتحقيق وعد الحكومة باصدار ذلك القانون لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي, واضاف ان الاجتماع ناقش ايضا مشروع قانون تنظيم الانتخابات في البلاد. وجاء هذا التأكيد في الجلسة الثالثة والاخيرة للمجلس القيادي للمؤتمر الوطني (الجمعة) من خلال بيان صحفي مقتضب تم توزيعه بالفاكس لدور الصحف والمراسلين, ولاشك ان الاشارة الى ان المجلس ناقش ايضا قانون الانتخابات يعد تطورا كبيرا في الاتجاه الجديد, لم يكن في حسبان احد ان تسارع خطى اصدار قانون للانتخابات مع قانون (التوالي السياسي) ما يؤكد ان الدولة قررت فتح كل الطرق الى التعددية السياسية, كما ان الاشارة الى ان قانون التوالي السياسي وقانون الانتخابات وصلا الى مرحلة المشروعات القانونية يؤكد ان وزارة العدل المكلفة بذلك فرغت منهما, مع الاخذ في الاعتبار تصريحات بدأت تتوالى منذ ايام بان المجلس الوطني (البرلمان) سيناقش قانون التوالي السياسي, في دورته الحالية التي تبدأ يوم الاثنين المقبل وكان الاتجاه في الماضي ان يفرض القانون على البرلمان في هذه الدورة وربما العام المقبل من خلال اكثر التصريحات تفاؤلا, بل ان هناك من قال ان القانون لن يجاز من البرلمان الا بعد الوصول الى وفاق وطني, كما ان المعارضين كانوا على قناعة بان قانون التوالي السياسي للذين يدورون في فلك المؤتمر الوطني. ولكن جاءت تصريحات للدكتور معتصم عبدالرحيم لتدعم بقوة الاتجاه الجديد الذي عبر عنه الدكتور الترابي, عندما قال عبدالرحيم ان المجلس القيادي قرر فتح ابواب الحوار على اوسع ابوابها مع المعارضة وازالة كافة الحواجز التي تقف في طريق توحيد الصف الداخلي بغض النظر عن جراحات الماضي وخلافاته, واضاف ان المجلس القيادي يعتبر المرحلة المقبلة ميلادا جديدا في تاريخ الحكم الحالي السياسي (تجب) ما قبلها, وقال في تصريح لـ (الرأي العام) ان المؤتمر الوطني سيتقدم عشر خطوات نحو من يتقدم نحوه خطوة واحدة, وسيعتبر كل من يساهم في العمل السياسي داخل المؤتمر او من خارجه (شريكا اصيلا) ولن يتم (اكراه) الناس على (التوالي) داخل المؤتمر الوطني وستتاح الفرصة لمن يرفض الانتماء الى المؤتمر الوطني بالانضمام الى اي كيان آخر. وبهذه الصراحة المتناهية وغير المعهودة من الدكتور معتصم الذي يعد من صقور الجبهة الاسلامية بزعامة الدكتور الترابي, والذي ظل يقود التظاهرات ومن مسجد جامعة الخرطوم والى البرلمان للتصدي لممارسات المعارضة الداخلية والخارجية, وعدم صدور اعتراض حتى الآن من اي جهة اخرى فى السلطة او التنظيم بما توصل له المجلس القيادي للحكم, تكون الطريق قد تم تمهيدها تماما امام البرلمان في الايام المقبلة لتحقيق توجه واسع امام النواب برز خلال مناقشة وثيقة الدستور منذ اشهر بان ينص صراحة على اعادة الديمقراطية والاحزاب, ولكن رئيس البرلمان وهو الدكتور الترابي بمساندة مظاهرة قادها كبار مساعديه في الجبهة الاسلامية الى البرلمان جعل النواب يتراجعون وتم تمرير فقرة التوالي السياسي.. كما فسرها الدكتور الترابي بانها تأصيل وتدعيم للمؤتمر الوطني. الخرطوم ــ يوسف الشنبلي