في الوقت الذي تستعد فيه انقرة للاحتفال بمرور 75 عاما على استقلال الجمهورية التركية العلمانية في 29 اكتوبر الجاري, يبدو ان سياستها الخارجية في الوقت الحالي تمر بأسوأ مرحلها , اذ بدأت علاقات تركيا بالدول الاوروبية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص تأخذ بعدا جديدا لايمكن وصفه بأنه لصالحها, فأنقرة التي مازالت تعيش ذكرياتها ايام فترة الحرب الباردة والتي لعبت دورا فيها, يبدو انها قد نسيت بان شهر العسل والغزل الذي ابدته لها واشنطن قد انتهى بانتهاء هذه الفترة, والتطورات الاخيرة والمتسارعة على صعيد علاقات تركيا بالدول الاوروبية تظهر مدى تراجع هذه العلاقات. فمنذ مدة ورياح عاتية تهب على العلاقات الامريكية ــ التركية وبدأت تطفو على السطح خلافات كبيرة بين انقرة وواشنطن, بينما كانت علاقات البلدين قد بلغت ذروتها خلال حرب الخليج والفترة التي اعقبتها, واما الان فتزداد الخلافات في الرأي بين البلدين في العديد من المجالات ومن اهمها المسألة الكردية, وكان الاتفاق الذي توصل اليه الزعيمان الكرديان في واشنطن ونص على اقامة فدرالية في شمال العراق سببا في توتر العلاقات بين البلدين, اذ اعتبرت تركيا ذلك على انه نواة لاقامة كيان كردي في المنطقة, ومحاولة جديدة من قبل الولايات المتحدة لتمزيق وحدة العراق وهو ما ترفضه تركيا. في حين فشلت انقرة في منع انعقاد برلمان كردي بالمنفى وبالرغم من جميع المساعي الدبلوماسية التي بذلتها ومن خلال الرسائل التي بعثها مسعود يلماظ لنظيره الايطالي برودي ووزير الخارجية اسماعيل جام للوزير الايطالي البيرتو دينى, بالاضافة الى مذكرات الاحتجاج والاستنكار التي بعثت بها الخارجية التركية الى روما, اذ عقد برلمان المنفي الكردي اجتماعه المقرر في مبنى البرلمان الايطالي وبحضور عدد من البرلمانيين الايطاليين وآخرين من اليونان وقبرص ورومانيا واسرائيل. هذا الاجتماع الذي اثار غضب انقرة ادى لخيبة امل كبيرة لدى المسؤولين الاتراك وخاصة رئيس الوزراء مسعود يلماظ والذي استضاف نظيره الايطالي برودي في يوليو الماضي مفتخرا آنذاك بعلاقات الصداقة التي تربطه ببرودي, واثبت بأنه ليس صديقا لتركيا وعلى حد قول الدبلوماسيين الاتراك. فاستضافة برلمان المنفى الكردي تطور مهم جدا في نظر هؤلاء الدبلوماسيين الذين يتخوفون للبرلمان الايطالي ان يصادق قريبا على مشروع قرار يعترف رسميا باسم الدولة الايطالية بالمجازر التي يقول الارمن بان الاتراك قد قاموا بها ضدهم عام 1915, وسبق للبرلمان الفرنسي في ابريل الماضي ان صادق على قرار مماثل تسعى ارمينيا لاصداره في برلمانات دول اوروبية اخرى ومنها النمسا والنرويج وهولندا, ولتحلق بها دول اخرى بما فيها امريكا وكندا واستراليا, وليحلق بذلك مساعي ارفان لادراج هذا الموضوع على جدول اعمال الامم المتحدة. كل هذه التحركات الدبلوماسية والسياسية التي تقلق الاتراك يبدو انها ستدفع انقرة لنشاط مضاد وسلاحها في ذلك المصالح الاقتصادية لتلك الدول في تركيا, فكما سبق لانقرة ان قررت اعادة النظر في مشترياتها وعقودها العسكرية من فرنسا, فقد تحدثت الاوساط العسكرية عن استعداد انقرة لانهاء عقودها الاولية مع الشركات الايطالية التي تستعد لبيع مروحيات عسكرية لتركيا, وكما هي استدعت سفيرها لدى روما للتشاور, ودون ان يكون واضحا كيف ستستطيع انقرة التصدي سياسيا ودبلوماسيا لمواقف الدول المذكورة التي تخلق اساسا الكثير من المشاكل لتركيا وتتهمها بانتهاكات حقوق الانسان وعدم الاعتراف للاكراد بأي حقوق سياسية او قومية او ثقافية, وهي الاتهامات المتوقع لها ان تكتسب طابعا اكثر شدة بعد استلام الحزب الاشتراكي الالماني الحكم في المانيا ومع حزب الخضر المعروف عنه مواقفه السلبية ضد انقرة وفي المواضيع الانسانية, وخاصة اذا استمرت مواقف الحكومة التركية ضد الاكراد ويتحجج بهم حزب العمال الكردستاني وليكسب المزيد من الدعم السياسي والاعلامي له في اوروبا, وهذا ما اثبتته مواقف البرلمان الايطالي الذي فتح ابوابه لبرلمان المنفى الكردي وسبق له ان عقد اجتماعات مماثلة في البرلمان البلجيكي ومن قبله في البرلمان الروسي (الدوما). اذ يضم البرلمان المذكور شخصيات كردية من تركيا والمنطقة ومعروف عنها بانها موالية لحزب العمال الكردستاني التركي المحظور ويبدو انه قد حقق انتصارات دبلوماسية ضد تركيا وبعد ان اعلن زعيم الحزب عن قراره بوقف اطلاق النار من جانب واحد معبرا عن استعداده للحوار مع الاتراك ولايجاد حل سياسي وسلمى للمشكلة الكردية وهو مالا ولن تتشجع له انقرة وبشكل خاص القيادات العسكرية التي لا ولن تقبل وبأي شكل كان بأي حوار مباشر مع الحزب المذكور الذي يبدو انه يستغل الوضع الداخلي لتركيا التي تعاني من الكثير من المشاكل ان كان على صعيد الوضع السياسي او الاحاديث الخيرة عن علاقة الاحزاب والسياسيين الاتراك مع عصابات المافيا التي اعترف البعض من قياداتها بعلاقاتهم الخطيرة مع اطراف الدولة التركية التي تزعزعت ثقة الجماهير بكل مؤسساتها واجهزتها المختلفة باستثناء الجيش. اسطنبول ــ بشار فهمي