افتتح الرئيس المصري حسني مبارك القائد الاعلى للقوات المسلحة صباح أمس الندوة الاستراتيجية التي تنظمها القوات المسلحة في ذكرى مرور 25 عاما على انتصارات اكتوبر المجيدة وذلك بنادى الجلاء للقوات المسلحة بمصر الجديدة . وقد القى الرئيس مبارك كلمة في افتتاح الندوة اكد فيها ان مصر ستظل مرفوعة الرأس خالدة الذكر . وقال ان حرب اكتوبر لم تكن مجرد معركة عسكرية وانما كانت ايضا اختبارا تاريخيا حاسما لقدرة الشعب على ان يحول الحلم الى حقيقة وان يفرض على الخبراء ان يعيدوا حساباتهم . وقال الرئيس ان انجاز اكتوبر عمل فدائى خالص لوجه الوطن شارك فيه كل المصريين فجاءت المعركة معزوفة عذبة دفاعا عن الحق وكان عملا جماعيا تحمل مسؤوليته الكبرى الرئيس الراحل محمد انور السادات بطل الحرب ورجل السلام الذي قدم حياته فداء لوطنه وامته . يوم مشهود ربع قرن مضى على هذا اليوم المشهود الذي حقق فيه شعبنا العريق واحدا من أعظم انتصاراته على امتداد تاريخه الحافل وسجل به ملحمة رائعة في الوطنية ومعزوفه قومية مهيبة لايمكن أن يمحوها الزمن الى يوم الدين فليس هناك ماهو أغلى على المصري من تحرير الارض والذود عن العرض وتخليص الارادة وممارسة السيادة واسترجاع الحق والكرامة وليس هناك شعب على وجه الارض يقدس التراب الوطنى مثلما يفعل الشعب يفتديه بروحه ودمه ويعلى قدرة في العالمين فهو أرض الاجداد ومهد أصحاب الامجاد صناع الحضارة وبناة المدينة والتقدم . فليس غريبا اذن أن ينظر كل مصري أصيل الى أرض الوطن المفدى باعتبارها كيانا عالى القدر لايمس ولايمتهن ولو كلفه هذا التضحية بنفسه وولده وقوته ورزقه لان الارض فى ضمير المصري تنصهر في سبيكة واحدة مع العقيدة والقيم والتراث والمستقبل والعلم والمعرفة وهي عرين الرجال و قلعة الابطال الذين يتحدون الدنيا بأسرها لكى تبقى رايات الوطن عالية فوق هامات البشر وتظل مصرنا الحبيبة مرفوعة الرأس خالدة الذكر بين الامم الى أبد الابدين. لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية خاضتها البلاد وحققت فيها أكبر انتصاراتها وانما كانت اختبارا تاريخيا حاسما لقدرة الشعب على أن يحول الحلم الى حقيقة ويترجم الامل المنشود الى عمل وأن يفرض على الخبراء والمحللين أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا حساباتهم وأن يأخذوا بعين الاعتبار أن نتائج المعارك الحربية لاتتحدد فقط حسبما يتوافر لديها من سلاح وعتاد وانما تتحدد اساسا بارادة الرجال وعزائم الابطال القادرة على اختراق أضخم الحصون وهز رواسخ الجبال. اعجاز يفوق الخيال واذا كان البعض يصف ما حدث في تلك الايام المباركة بأنه كان اعجازا يفوق الخيال فقد كان عليهم أن يدركوا أن أى عمل بطولى خارق مهما كانت تبعاته ومتطلباته لا يمكن أن يتجاوز قدرة الانسان المصري الذي حقق للبشرية أعظم انجازاتها في تاريخها الطويل وحطم كل الحواجز التي كانت قائمة أمام الابداع البشرى فبلغ الذروة في العلوم والاداب والفنون وتخطى حدود الزمن وانطلق يفكر في الحياة الابدية وباختصار فقد كانت أعماله الكبرى سلسلة من الانجازات الخارقة بكل المعايير المتعارف عليها لدى سائر الامم والشعوب أما بالنسبة لهذا الشعب العريق فقد كانت مواصلة لمسيرة حضارية كبرى سجلها التاريخ بأحرف من نور في اللوح المحفوظ . لقد كان هذا الانجاز العظيم عملا بطوليا فدائيا خالصا لوجه الله والوطن شارك فيه كل مواطن مصري بكل ما ملكت ايمانه واستوعبت قدرته فجاءت المعركة في اليوم الموعود معزوفة عذبة كفيلة بأن تتناقلها الاجيال القادمة من ابناء مصر بكل مشاعر الفخر والاعتزاز وبكل ولاء للوطن ووفاء للابطال الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم وخرجوا في مسيرة مظفرة يذودون عن الارض ويدافعون عن الحق ويروون بدمائهم الزكية أشجار الحرية كما يروون للتاريخ أعظم قصص البطولة والفداء . كان هذا الانجاز الرائع اذن عملا جماعيا شارك فيه كل مصري ومصرية وتحمل مسؤوليته الكبرى أحد قادة مصر العظام الرئيس الراحل محمد أنور السادات بطل الحرب والسلام الذي قدم حياته فداء لوطنه وامته وكرس كل قطرة من دمه لخدمة الاهداف القومية العليا فكان عظيما في حياته شجاعا في مماته فلم يبال حين لقى قدره مقاتلا في أى جنب كان في الله مصرعه بل انه لم يأبه بالمخاطر والاهوال منذ اللحظة الاولى التي اتخذ فيها قرار الحرب وكان كل ما يشغل فكره ليل نهار هو مصير وطنه ومستقبل شعبه وامته ويستحق بهذا أن يحتل منزلة عالية في صفوف الخالدين من أبناء مصر . انجاز غير مسبوق كان هذا العبور العظيم انجازا هائلا غير مسبوق في التاريخ الحديث حققته القوات المسلحة المصرية الباسلة بالتخطيط السليم والاعداد العلمى القائم على أحدث فنون العصر وتم هذا في ظل ظروف قاسية بكل معنى الكلمة تسابق فيها كل رجال قواتنا المسلحة في ساحة البذل والعطاء ولم يضن أحد منهم على الوطن بقطرة من دمه أو حبة عرق سالت على وجهه المثقل بالهموم والاعباء ولم يتردد فرد واحد في خوض المعركة ببسالة وشجاعة منقطعة النظير فمنهم من قضى نحبه ومنهم من انتظر . وسوف أظل أعتز ما حييت بالدور الذي هيأت لى المقادير أن أؤديه في هذه المعركة الفاصلة في اللحظات الاولى التي بدأت بدك حصون العدو المنيعة وقصف مواقع القيادة والتحكم لديه وقطع خطوط اتصاله في عمق سيناء وتم هذا خلال ساعات معدودة مما أفقد العدو توازنه وأصابه باليأس والاحباط بعد أن كان يباهي بقوته التي لا تقهر وتفوقه الذي لا يجارى رغم أنه كان يعتمد في معظمه على مصادر خارجية تمده بأحدث الاسلحة والمعدات بغير حساب وتقدم له الغطاء السياسى والاقتصادى والدبلوماسى حتى يبدو صاحب حق وهو يحتل أرض الغير ويستمرىء الاثم والعدوان . ولن تغيب عن مخيلتى لحظة واحدة صور بطولات خارقة شهدتها في تلك اللحظات الخاطفة سجلها بدمائهم رفاق سلاح من كافة الافرع الرئيسية للقوات المسلحة وتشكيلاتها القتالية فلم يكتفوا بتحطيم مواقع العدو الحصينة ونسف خط بارليف الذي استغرقت اقامته سنوات طويلة ولكنهم حققوا لبلادهم وأمتهم العبور العظيم ليس فقط في أرض سيناء المباركة بل انهم عبروا بها الى ما هو أخطر من ذلك وأجل وهو العبور من واقع النكسة الاليم الى عصر الانتصار الكبير والفتح المبين واسترداد الحق والكرامة واستعادة الثقة بالنفس والعزة الوطنية . اعادة التوازن الى المنطقة سنوات طوال تحمل فيها ابطالنا الالم والعرق والدموع لكى يعدوا لعمل خاطف لم يستغرق اكثر من لحظات معدودة أعادوا به الى المنطقة توازنها وصححوا ماأعترى النظام الاقليمى من خلل بل انهم قوموا جوانب القصور في النظام العالمى كله الذي كان قد اختل هو الاخر واصبح يعانى من تخبط القوى الكبرى وانزلاقها الى شرك الاتفاق على تثبيت الاوضاع الاقليمية على ما هي عليه من خلل وجور دون اكتراث بالحقوق المسلوبة للشعوب الاخرى او اعتداد بمصائرها واقدارها . وقد توفر لهذا العمل التاريخى عنصر لا يمكن ان نسقطه من حسابنا وهو البعد الاجتماعى الذي تمثل في تنسيق خطة متكاملة بين مصر وسوريا اضطلع فيها أخى الرئيس حافظ الاسد حليفنا في الحرب وشريكنا في السلام بدور بارز فكان أزيز الطائرات المصرية المقاتلة والقاذفة في سيناء يختلط بزئير مدافع الابطال في هضبة الجولان بايقاع متناغم متجانس جدد الامل في نفوس العرب وأحيا العزة في قلوبهم بعد كبتها فكان طبيعيا ان يهب الاشقاء في المشرق والمغرب للمشاركة في هذا الموكب الذي لن يمحى من ذاكرة عربى في اى عصر وتم توظيف سلاح البترول لخدمة الاهداف العربية بمبادرة من قادة عظام ارتفعوا الى مستوى الحدث في لحظات معدودة وبادروا باتخاذ خطوات تاريخية من تلقاء انفسهم اذكر منهم فقيد العروبة والاسلام الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز الذي سنظل جميعا نذكر له دوره وشهامته الاصيلة بكل اجلال وتقدير . وسط هذه النفحات المباركة لحرب اكتوبر المجيدة هناك حقيقة لابد ان نصارح بها انفسنا وهي ان هذه الصفحة الناصعة من التاريخ المصري لم تحظ في تقديرى وتقدير الكثير من المواطنين بما تستحقه من الاهتمام من مثقفى مصر ومبدعيها وكان جديرا بهم ان يسجلوا اللقطات الحاسمة فيها بأقلامهم ورسومهم وأشعارهم وأفلامهم حتى تظل حية في وجدان الاجيال المتعاقبة من أبناء مصر والامة العربية وتبقى الى الابد مثالا مضيئا لعودة الوعي وتجدد الثقة في نفوس الملايين حين يتحدد أمامهم الهدف المشروع والامل المنشود وحين يعرف الشعب طريقه . وأقول مرة أخرى اننا كنا ننتظر الا يقتصر الامر على تسجيل كل ما يتصل بالحرب المباركة من الاعداد الى الاداء وتلك مهمة تحملت فيها القوات المسلحة المسؤولية الاولى والنصيب الاوفر وانما كنا ومازلنا ننتظر من المبدعين المصريين والعرب ان يسهموا في تخليد هذا الحدث الخطير في كتب رصينة وأبحاث مستفيضة وفي لوحات رسم واعمال درامية محكمة تتناسب مع جلال المناسبة وطبيعة الانجاز. ــ أ.ش.أ