البلجيكيون, مرة أخرى, في حالة غليان, ففيما تجري وقائع محاكمة المتورطين في قضية شركة اوجوستا الايطالية لصناعة المروحيات التي ارغمت عند تفجرها قبل سنوات النائب الاول لرئيس الوزراء جي كومي على الاستقالة بعد اتهامه بتلقي رشوة من الشركة جاء موت اللاجئة النيجيرية سميرة امادو لتجعل المجتمع المدني ينتفض ويفرض رؤية جديدة الى سياسة الهجرة واللجوء, والى اللاجئين والمهاجرين. فلم تمض ساعات على اعلان النبأ حتى كانت بروكسل ومدن بلجيكية مسرحا لتظاهرات احتجاج على (قرارات الترحيل وطرد المهاجرين اللاجئين واستخدام العنف لتنفيذها) . بينما تسلل عدد من المتظاهرين الى مبنى البرلمان,حيث كانت لجنة الداخلية تعقد اجتماعا مغلقا مع وزير الداخلية, مرددين شعارات من بينها مطالبة الوزير باعلان وتفسير ما حدث امام المواطنين والرأي العام. تفاصيل القصة, التي مازالت تتصدر عناوين الصحف البلجيكية. تقول ان سميرة فتاة نيجيرية في العشرين من عمرها وصلت الى بلجيكا قبل بضعة اشهر وقدمت طلب اللجوء هربا من محاولة تزويجها من احد الاقارب المسنين المشرف على السبعين, غير ان مكتب الاجانب رفض طلبها, ودعاها الى مغادرة البلاد. وبقية القصة باتت معروفة للقاصي والداني, فقد قرر مكتب الاجانب ترحيل سميرة بالقوة على ايدي رجال درك مطار زافانتيم ببروكسل ما ادى الى موت اللاجئة داخل طائرة سابينا التي كانت متوجهة الى العاصمة النيجيرية لومي. احدى الوسائل التي استخدمت مع سميرة والتي تلجأ اليها قوات درك المطار لاحباط مقاومة الرافضين طردهم, هي وضع وسادة على وجوههم لمنعهم من الصراخ, وهي (طريقة ناجحة وبدون اضرار) كما قال وزير الداخلية السابق فان دولانوت الذي اطاحت به فضيحة تورط رجال أمن في افلات وتهريب المجرم دوترم من السجن قبل عام تقريبا. الا ان هذه الطريقة (الحضارية) كانت قاتلة مع سميرة امادو رغم تدخل رجال الاسعاف والتحقيق ومحاولات التنصل والتبرير. وعلى الرغم انه من الصعب تحديد اسباب وفاة اللاجئة النيجيرية, فأحد الاطباء صرح ان الضحية عانت من نزيف دماغي ادى سكتة قلبية, وهو مجرد تفسير طبي, فنتائج التشريح الذي امرت به النيابة العامة في التحقيق المباشر لن تظهر الا بعد ايام. لكن المسلم به هو ان هذا الحادث الجديد ستكون له ابعاد تتجاوز الحدود الطبية او القضائية, ذلك ان سميرة هي واحدة من 15 الف مهاجر سري أو علني وطلب لجوء مرفوض ممن فرض عليهم مكتب الاجانب (شرطة الاجانب سابقا) مغادرة البلاد هذا العام في ظل سياسة الهجرة الى بلجيكا طوعا أو بالقوة لعدم استيفائهم شروط وقوانين الهجرة والاقامة واللجوء. المسؤولون البلجيكيون من جهتهم يؤكدون انهم يحترمون في سياستهم الخاصة بالهجرة واللجوء بنود اتفاقية جنيف لعام 1951 والتي تقر حق كل فرد في اللجوء الى بلد آخر وواجب هذا البلد ان يعمل على استقراره. الا ان تأويل بنود الاتفاقية هو الذي يؤدي بالضبط الى مآس انسانية كمأساة سميرة. اما المدافعون عن حقوق الانسان فلهم رأي آخر. فجاك هنري بوتيي رئيس العصبة البلجيكية لحقوق الانسان قال في اعقاب حادث طرد سميرة ومقتلها (على بلجيكا ان تعيد النظر في سياسة الهجرة المطبقة فيها, وفي قوانين اللجوء بدءا من اصلاح الجهاز القائم علي هذه السياسة, اصلاحا جذريا) ولان صاحب الدار ادرى بالذي فيه, اكد بوتيي انه (رغم كل ما قيل عن سريان هذا الاصلاح منذ انفجار قضية دوترو والفضائح القضائية الاخرى, ورغم تقارير لجنة التحقيق البرلمانية حول اختطاف الاطفال, خصوصا قضية الطفلة اختطاف وقتل المغربية لبنى بن عيسى, ما زال في الادارة موظفون وعقليات لا تراعي للانسانية وجها ولا تحترم حقوق المواطنين) . لقد سبق لمطار زافانتيم البلجيكي ان شهد حالات طرد تخللها استخدام العنف الذي تسبب في وفاة لاجىء زائيري العام الماضي, لم تحط احتجاجات بشأنه باية اذن صاغية, لكن حالة سميرة النيجيرية كانت القطرة التي افاضت الكأس, فهذه الانسانة البائسة استطاعت ان تكشف مدى العنف الممارس على امثالها ممن اجبرتهم ظروف متعددة على مغادرة اوطانهم, والاحرى الفرار منها طالما لم يجدوا فيها ابسط حقوقهم او ما يصون كرامتهم كبشر. والنتيجة المستخلصة من كل ذلك ان المعاناة هي قدر هؤلاء اينما كانوا. وكما يستريح بعض الهاربين من افريقيا في قاع البحر, تستريح سميرة حتى تراب عاصمة بلجيكا لقد هربت سميرة امادو من وطن قاس وتقاليد مجحفة. لكنها لم تعرف من محنتها ومغامرتها إن وطنها الحقيقي هو الموت.