شهدت العلاقات التركية ــ الاسرائيلية منذ بداية التسعينات تطورا ملحوظا, ووصلت الى ذروتها باعلان كلا الدولتين عن نيتهما عن اجراء مناورات مشتركة . وفي اطار اتفاقية التعاون العسكري التي وقع عليها في مارس لعام 1996. فالعوامل والاسباب العديدة التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط ساعدت على تطوير هذه العلاقات, فقضية المياه المتنازع عليها بين تركيا وسوريا والعراق أدت لتراجع علاقات انقرة بهذه الدول, بالاضافة الى خلافاتها مع اليونان في بحر ايجة, وفشلها في الانضمام للاتحاد الاوروبي, هذا بالاضافة الى العوامل الداخلية التي تمثلت في تنامي الحركات الاسلامية وفوز حزب الرفاه الاسلامي في الانتخابات الاخيرة التي جرت نهاية عام 1995. كل هذه الاسباب دفعت انقرة للبحث عن بديل استراتيجي يبقيها كدولة مهمة في المنطقة, وبحكم موقعها الجغرافي الذي اتاح لها لأن تلعب دورا مهما وأساسيا في حماية الامن الاوروبي وعلى مدى سنوات طوال وضد الخط الشيوعي, ومن هذا المنطلق وجدت تركيا نفسها مضطرة لتطوير علاقاتها مع اسرائيل, وهي بالاساس قائمة بين الدولتين منذ اعلان الدولة العبرية, والتي اعترف بها انقرة بعد اشهر, وبدأت هذه العلاقة تزداد وثوقا في مراحل معينة, وخاصة خلال مواجهة التيار القومي الناصري في الخمسينات. وهناك من يعتقد بأن هذا التعاون الجديد مع تل ابيب يشكل نواة لحلف مشترك بين تركيا واسرائيل والولايات المتحدة, باعتبار ان امريكا تبنت الدولة اليهودية منذ ولادتها. وباعتبار ان هذا التعاون هو احد اسس السياسة الامريكية الجديدة في منطقة الشرق الاوسط, اذ تسعى واشنطن لاعادة ترتيب امورها من جديد, ومن هذا المنطلق ادركت تركيا اهمية الارتباط الاستراتيجي مع اسرائيل, فهي تسعى لان تكون احد أقطاب النظام الدولي الجديد وانطلاقا من اهمية مكانتها الاستراتيجية, ولتضمن من خلال ذلك لعب دور مؤثر في السياسة الجديدة في المنطقة, كما ترى انقرة بالمتحرك العسكري الجديد استراتيجية جديدة بعيدة المدى تستهدف من خلالها الدول المجاورة بالتحديد ودول المنطقة بشكل عام. ورغبة تركيا في تحقيقها لهدفها هذا لم يمنع دوره تضارب المصالح والتوجهات الداخلية ايضا. فالنظام التركي الذي يمثله التيار العلماني على مدى 75 عاما سيدفع البلاد باتجاه الغرب متجاهلا حقيقة الهوية التركية وارتباطاتها التاريخية والدينية مع العرب والمسلمين. فهناك حدود مشتركة بين العرب وتركيا لا يمكن تجاهلها, فكلا الطرفين بحاجة لبعضهما البعض, وهو واقع لا مفر منه ونتج عن تاريخ مشترك استمر لقرون طويلة. وقد لعب اليهود دورا فعالا في هدم الخلافة وفي تكوين الدولة التركية الجديدة منذ نشأتها. وكما لعبوا دورا في ثورات الاتراك ضد السلطان العثماني, ومنها ثورة حركة الفتات عام 1909... وربما كان لرفض السلطان عبدالحميد الثاني لطلب ثيودور هيرتزل رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بالسماح لليهود بالهجرة الى فلسطين الدافع الاساسي وراء تدخل اليهود لتغير نظام الحكم في تركيا والعمل على ذهاب السلطان بدون عودة. اذ بدأت الحركة الطورانية القومية تعمل بتأثير من اليهود للتخلص من الحكم الاسلامي المتمثل بالخلافة الاسلامية. ولم ينس يهود العالم واسرائيل جميل الاتراك احفاد العثمانيين هذا عليهم, فأسسوا عام 1992 جمعية سميت بوقف الذكرى الخمسمائة لهجرة يهود اسبانيا الى الدولة العثمانية. كما لعبت وسائل الاعلام التركية و يؤثر عليها احيانا اليهود الاتراك دورا مهما في هذا التقارب, اذ عملت على تهيئة الشعب التركي لهذا التعاون واكتسب بسرعة طابعا استراتيجيا مهما وخطيرا بالنسبة للعرب. وبالرغم من اعتراف تركيا باسرائيل منذ العام 1948 غير انها في نفس الوقت عملت على اقامة علاقات متوازنة مع كل من العرب واسرائيل, ففي الوقت الذي استنكرت فيه اجتياح اسرائيل للاراضي العربية رفضت في نفس الوقت التصويت على القرار الذي ادان تل ابيب في الامم المتحدة. واستغلت تركيا هزيمة اسرائيل في حرب 1973 لتدعم علاقاتها مع الدول العربية وقامت بالتصويت عام 1975 على قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية. واحتجت انقرة على قرار اسرائيل بضم القدس اليها عام 1980 وخفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي في اسرائيل الى القائم بالاعمال, الا ان الاحداث التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط مع بداية التسعينات, دفعت تركيا لان تبحث لنفسها عن دور جديد في المنطقة ودون ان تخفي قلقها من هذه التطورات. وقد اولت اسرائيل زيارة رئيس الجمهورية سليمان ديميريل في مايو عام 96 الى تل ابيب اهمية بالغة وقد نجحت المؤسسة العسكرية التركية طيلة هذه الفترة في فرض وجهات نظرها على السياسيين المدنيين, ومن خلال الحجج التي تبنتها والخاصة بالتعاون مع اسرائيل, كما نجح العسكر في الضغط على رئيس الوزراء السابق نجم الدين اربكان وارغامه على الاستقالة, ولأن اربكان حاول تجميد الاتفاقيات العسكرية الموقعة بين تركيا واسرائيل, وانعكس ذلك على اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي وزار تركيا في ابريل الماضي. وأما زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو لانقرة والمتوقع لها ان تكون قبل نهاية العام الجاري فهي الخطوة الاخيرة على طريق تحقيق التحالف الاستراتيجي بين الدولتين, وبكل ابعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية, في الوقت الذي بدأت فيه بعض الاوساط العسكرية تعبر فيه عن تخوفها من ان يصبح معظم سلاح الجيش التركي من صنع اسرائيلي, في حين ما زالت انقرة تعقد امالا كبيرة على الدعم الاسرائيلي لها ليس فقط في الشرق الاوسط بل في اوروبا وامريكا. وهذا التحالف الاستراتيجي بين تركيا واسرائيل, تحت الدعم والغطاء الامريكي يعيد في نفس الوقت للاذهان ذكريات حلف بغداد الذي أعلن عنه في منتصف الخمسينات, وضم آنذاك كلا من تركيا وايران وباكستان والعراق, وأدى لردود فعل غاضبة في جميع ارجاء الوطن العربي, اذ كان واضحا بأنه حلف تأسس لحماية اسرائيل... وان اختلفت الاسماء الآن فيبقى الهدف الاستراتيجي واحد, فاسرائيل تسعى لتنفيذ مخططها المسمى (باسرائيل الكبرى) من النيل الى الفرات وللتحكم بمقدرات هذه المنطقة الاقتصادية. ومن خلال احياء فكرة حلف بغداد اذ ان الحلف التركي ــ الاسرائيلي الجديد سيشهد توسعا قد يشمل كل الدول التي تساند السياسة الامريكية في المنطقة. وليصبح حلفا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا وأمنيا يستهدف تدمير كل الطاقات والمقومات التي تقوم عليها الامة العربية والاسلامية. ومن هذا المنطلق يأتي دور تركيا بموقعها الاستراتيجي لتنفيذ المخطط الاسرائيلي والامريكي الذي يهدف لتحويل الانظار عن جوهر النزاع في منطقة الشرق الاوسط. اسطنبول ــ بشار فهمي