تحرش تركيا بسوريا عسكريا ليس فضيحة جديدة. ربما يكون فقط فصل نزق في مسلسل الانحراف السياسي الذي ظلت انقرة تجاهر به مؤخرا متجردة من كل الارتباطات التاريخية . قرع طبول الحرب على حدود سوريا لا يشكل ـ رغم خطورته ـ مفاجأة على المسرح السياسي الاقليمي. العديد من التحذيرات واكبت التقارب التركي الاسرائيلي منذ البداية. بعض العواصم العربية لم تأخذ كالعادة تلك التحذيرات على محمل الجد. التقارب التركي الاسرائيلي اتخذ مؤخرا صيغة التحالف العسكري المكشوف. لتركيا ازمة مزمنة مع العرب. للاتراك ازمة مزمنة مع انفسهم. المنطقة العربية ظلت تعاني من ازدواجية الازمة التركية المزمنة. كلما تحدث العرب عن التاريخ المشترك عمدت انقرة إلى القفز فوق اسوار الجغرافيا. النظام التركي في حالة ارتباك دائم امام مسألة الانتماء. تركيا بلد جزعها في آسيا ورأس هائم في منطقة وسطى ــ بعدها أوروبا. عمدا ينزع العرب إلى تجاهل التداعيات المؤلمة التي عطلت اندفاعهم تحت المظلة التركية رهانا على انقسام منطقة ومستقبل افضل. على النقيض يصر الاتراك على عدم الاعتراف بماضي أو مستقبل مشترك. العيون التركية لا ترنو إلى المنطقة العربية على نحو ما تتطلع إليه القارة الأوروبية. تركيا مسكونة بعقدة الشمال. النظام التركي مصاب بانفصام تجاه العرب منذ كان يأتمر بأمر الخليفة حتى صار ينفذ أوامر رئيس الاركان. تركيا بلد ديمقراطي تحت قبعة عسكرية. الجنرالات الاتراك ضد دولة الخليفة الاسلامي وضد العلمانية. في فنون الاستراتيجية الوصول إلى عضوية الناتو يمر عبر اسرائيل. تركيا حلقة في طوق الاعاجم الذي يسور الامة العربية. التقارب التركي الاسرائيلي مطرقة على رأس العرب. سوريا اكثر المستهدفين الان. في غياب التضامن العربي لا يوجد رادع قومي امام الانحرافات الفاضحة في المنطقة. في زمن التطبيع العربي مع اسرائيل لا احد يملك القدرة على صد التحالفات بين الاعداء المحتملين في المنطقة. في موسم الهرولة العربية باتجاه اسرائيل لا احد يجرؤ على رفع يده امام المغامرات العسكرية في المنطقة. في زمن الصفقات الانفرادية العربية مع اسرائيل تصبع كل المنطقة عرضة للتجزئة. طبول الحرب التركية على الحدود السورية تستوجب اعادة اعمال الذهن فيما يجري حولنا. من الذي يدفع المنطقة باتجاه الهاوية؟!