عاد الخلاف المغربي ــ الاسباني حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلة المغربيتين اللتين تحتلهما اسبانيا ليرتدي طابع المواجهة الدبلوماسية والاعلامية على خلفية الكلمة التي القاها وزير الخارجية المغربي الدكتور عبد اللطيف الفيلالي امام الدورة الحالية للجمعية العامة للامم المتحدة والتي دعا فيها الى حل نهائي وجذري يحفظ للمغرب سيادته على مناطقه المحتلة, ويضمن لاسبانيا مصالحها بما يمكن من دعم ديناميكية التعاون الجديد بين ضفتي المتوسط. وكان الفيلالي اكد رغبه المغرب في استعادة ثغوره التي تحتلها اسبانيا (سبتة ومليلة والجزر المجاورة لهما) مرجحا الحوار وسيلة لتأمين السلام وحل كل المشاكل العالقة معها واعتبر ان الآلية التي اقترحها العاهل المغربي الملك الحسن الثاني قبل سنوات بتشكيل (خلية تفكير) من المغرب واسبانيا مازالت تحتفظ براهنيتها وتعد اطارا ملائما للبحث عن تسوية لانهاء السيطرة الاستعمارية على المدينتين المحتلتين.وظل المغرب على الدوام يشدد عل ان الحل النهائي للقضية يتركز على بسط المغرب لسيادته على اجزائه الشمالية المحتلة مقابل ضمان مصالح اسبانيا الاقتصادية. معتبرا ان الاساس هو طي صفحة النزاع الاستعماري في تاريخ العلاقات الثنائية, وفتح امكانيات تعاون متكافىء في مختلف المجالات بما يمثل نموذجا لما يمكن ان تكون عليه علاقات الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية. وسبق للرباط وان احتجت عام 1994 على محاولة تطبيق خطة للحكم الذاتي في المدينتين اقرها البرلمان الاسباني السابق, ورفضت ادخال المدينتين ضمن الفضاء الاوروبي عند اقرار اتفاق شينجن) لتنقل الاشخاص بين البلدان الاوروبية, بيد انها في غضون ذلك قللت من اهمية التصعيد الذي تدعو اليه جهات اسبانية متشددة في اسبانيا ولوحت مرات عدة بامكان دخول البلدين في مواجهة في شأن المدينتين, كما حرصت الرباط على التعاطي مع ملف مستقبل المدينتين بنوع من المرونة. خصوصا عند زيارة مسؤولين اسبان رفيعي المستوى ولاسيما رئىس الوزراء السابق فيليبي جونزاليس وخلفه الحالي خوسي ماريا أزنار. وكانت الاجراءات التي عمدت اليها السلطات الاسبانية, لجهة اقامة جدار من الاسلاك الشائكة ونقاط الرقابة الالكترونية حول معايير المدينتين المختلفتين بحجة مكافحة الهجرة غير المشروعة, اثارت ردود فعل من جانب السلطات المغربية. فردت على ذلك بطرق غير مباشرة من خلال الاعلان عن تعليق اتفاق الصيد البحري المبرم بين المغرب وبلدان الاتحاد الاوروبي بمجرد نهاية فترته الراهنة, ما اثار ايضا تساؤلات في مدريد حول مستقبل العلاقات مع المغرب التي تشهد فترة مد وجزر ليست قصيرة. واللافت ان الخلاف المغربي ــ الاسباني حول مستقبل سبتة ومليلة انفجر في وقت تدافع فيه اسبانيا عن احتلالها لسبتة ومليلة, فيما تواصل هي نفسها حملة دبلوماسية مكثفة لانهاء الاحتلال البريطاني على جبل طارق واستعادة سيادتها عليه. ويشار بهذا الصدد الى ان وزير الخارجية الاسباني ابيل ماتوتيس اعلن مؤخرا ان النظام الذي تطبقه بريطانيا على جبل طارق اصبح متجاوزا (وغير مقبول) وانه ليس هناك سبب لتبقى آخر مستعمرة في اوروبا تحت سيطرة بلد حليف وصديق وينتمي الى الاتحاد الاوروبي. ويذكر ان السلطات المغربية كانت ترى ان تسوية ملف الخلاف القائم بين اسبانيا وبريطانيا حول مستقبل صخرة جبل طارق يفسح في المجال لتسريع المفاوضت بشأن سبتة ومليلة. الا ان التطورات الراهنة بعد الاتفاق الاسباني ــ البريطاني على الاستخدام العسكري لقاعدة جبل طارق اثنا ء مناورات حلف شمال الاطلسي في المنطقة أخذت تلقي بظلال من الشك على ذلك الربط, كونه يؤثر على مستقبل اية مفاوضات مرتقبة بين الرباط ومدريد حول المدينتين المحتلتين. فضلا عن تأثيره على معطيات التوازن الاستراتيجي في المنطقة. وتعزو المصادر المعنية انشغال المغرب بهذه التطورات الى الانعكاسات التي يمكن ان تنجم عن استمرار الخلاف الاسباني ـ البريطاني حول جبل طارق على مستقبل مدينتي سبتة ومليلة. فعلى رغم خلافاتهما ترتبط الرباط ومدريد باتفاقات عسكرية تقتضي بتبادل الخبرات واقامة المناورات والافادة من التعاون الامني والعسكري. وسبق للبلدين ان نظما مناورات عسكرية في المناطق المحاذية لمدينتي سبتة ومليلة. ويقول المغاربة ان التطورات السياسية التي آل إليها الوضع الدولي تنفي عن المدينتين المحتلتين طابع القاعدة الاستراتيجية كما كان الحال ابان فترات الحرب الباردة. وتبدو جبهة سبتة ومليلة مرشحة لتصعيد دبلوماسي واعلامي بين المغرب واسبانيا, لا أحد يعلم على وجه الدقة الى ماذا سيؤدي. الرباط ــ رضا الاعرجي