الغريب في اوروبا ان يستمر حاكم في سدة الحكم مدة طويلة من الزمن دون ان يقال له: يا جبل مايهزك ريح . في الديمقراطيات الغربية تغيير وجوه الحكام بعد دورة انتخابية او دورتين هو من الثوابت الماضية لديها منذ عقود. فألمانيا من دون دول اوروبا هي التي ظل وجه كول فيه مكررا طوال ستة عشر عاما متتالية ومع ان هذه المدة في حساب النظام الديمقراطي الغربي طويلة جدا الا ان التغيير قد لحقها ولو بعد حين, ولو لم يكن هلموت كول مؤهلا لقيادة بلاده لما استمر دورة واحدة فكيف بأربع دورات متعاقبة؟! والاهم من ذلك ان تركة كول لخلفه شرودر جاءت خفيفة على قلبه وفي هذه النقطة من المفارقة الكبيرة بين اوروبا عندما تسلك خط التغيير منهجا وبين العالم العربي والاسلامي على وجه العموم لان النظرية الحتمية في تغيير الحكم والحكام كلما جاءت أمة لعنت اختها ووالديها وكل من يمت بشعرة اليها. فتقدم اوروبا يتجاوز تغيير المسؤولين وتغيير شخصياتهم, هكذا خرجت الديمقراطية في ألمانيا بكل نزاهة وترفع عن المهاترات, كانت حامية لكنها لم تكن حادة او عنيفة. وبعد اعلان النتائج ظهر النبل في الكلمة التي ألقاها المرشح الفائز شرودر لدى توجيه تحية التقدير الى سلفه هلموت كول ووصفه بأنه كان خصما محترما ومستشارا سجل في التاريخ انه حقق الوحدة الألمانية, بعد انهيار جدار برلين, كما انه جعل ألمانيا تتخلى عن عملتها الوطنية (المارك) الاقوى في اوروبا, لمصلحة العملة الاوروبية الموحدة الـ (ىورو) بالاضافة الى انه طيلة مدة حكمه, جعل من المحور الالماني - الفرنسي العمود الفقري لعملية بناء الوحدة الاوروبية. تركة كول لخلفه اصبحت من الثوابت للحكومة القادمة ومما تفتخر بها الاجيال في كل اوروبا. ومع ذهابه بعيدا عن الحكم ورفضه ترشيح نفسه لانتخابات حزبه المسيحي الديمقراطي سيظل مسمى كول برجل الوحدة ومهندس الوحدة الاوروبية ومحرك البريسترويكا ماثلا لكل ذي عينيه بصيرتين. رياح التغيير السياسي في اية دولة وان كانت تعيش على قمة الديمقراطية لابد وان تكون عاتية ومردودها قد يكون عكس الاتجاه الذي كان سائدا في العهد السابق, الا المؤشرات في الحالة الالمانية تدل على وجه العموم بأن التغيير لن يطأ ارض السياسة الخارجية لها. ونحن نتحدث عن وداع هلموت كول حري بنا ان نعرف اذن هذا الرجل اثناء ادائه لدور المستشار الذي قيل عنه, بأنه الاعلى بدون حدود في حزبه وكان يحظى بالتأييد المطلق ويعرف كيف يستغل الفرصة النادرة من اجل التمتع بها ليلعب دور المستشار والسبب المباشر لنجاحه في ممارسة تلك الادوار هي ادراكه في كل لحظة انه لا يعيش حلما بل حقيقة. مع هذه المؤهلات الفريدة في شخصيته الا ان اختبار صناديق الاقتراع كان اقوى صوتا عندما نطقت الارقام والالمان معها: وداعا هلموت كول وأهلا برياح التغيير التي يقودها جيرهارد شرودر.