ابان الحملة الانتخابية الالمانية التي نظمت في السابع والعشرين من الشهر الماضي , رفع الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يتزعمه المستشار المهزوم هلموت كول, شعارا لافتا هو (نحن حزب الوحدة الاوروبية والقضاض الاطلسي) , بينما رفع زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي جيرهارد شرويد شعارا مختلفا: (المانيا بحاجة الى تغيير) . ويبدو ان الناخب الالماني قد استجاب الى شعار الاشتراكيين وصوت لصالح التغيير الذي لم يحدد شرود طبيعته, ربما لان حزبه القادم الى الحكم لايزال يبحث عن الاولويات التي يجب اعطائها الاهتمام مع بداية الولاية الانتخابية التي تستغرق اربع سنوات. بيد ان الواضح من نتائج الانتخابات ان المواطن الالماني لم يعد متحمسا لشعارات وانجازات خارج الحدود, في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من بطالة بلغت نسبتها مستوى قياسي لم تشهده المانيا منذ الحرب العالمية الثانية, اذ تشير الاحصائيات الى ان نسبة البطالة بلغت أكثر من 10.5 بالمائة, وان هذه النسبة تزداد في الولايات الشرقية (التي كانت تشكل دولة المانيا الشرقية قبل الوحدة) . كما ان الضمانات الاجتماعية تضررت بشكل كبير, والضرائب ازدادت نسبتها على السلع, ما اثر ذلك على الحركة الاقتصادية وسجلت العمليات التجارية تراجعا واضحا, فعمت الجريمة وتضاعفت عشر مرات خلال السنوات الخمس الماضية. لقد قرر الالمان إعادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الى السلطة بعد ستة عشر عاما من حكم الحزب المسيحي الديمقراطي والمستشار هلموت كول. ويبدو ان الشروط التي ادت الى اقصاء الاشتراكيين عام 1982م تتشابه مع الشروط والمعطيات التي جلبتهم مرة اخرى للحكم. فقد كان الوضع الاقتصادي, آنذاك, يواجه استحقاقات قاسية ايضا, وكان شبح البطالة يهدد بفقدان المزيد من العمال لوظائفهم, والخطأ الكبير الذي ارتكبه المسيحيون الديمقراطيون هو انهم لم يدركوا المزاج الشعبي الالماني, لذلك جاء شعارهم الانتخابي متحدثا عن انجازات حصلت واخرى محتملة خارج الحدود الالمانية, وحدد حزبهم الاخطار الجديدة بالارهاب الدولي ومشاكل البيئة والجريمة المنظمة والتجارة بالسلاح الاشعاعي النووي, في الوقت الذي تشير فيه مراكز المعلومات الالمانية الى استمرار التدهور الاقتصادي بسبب اهمال الوضع الداخلي لحساب الوحدة الاوروبية وتوثيق العلاقات مع دول حلف شمال الاطلسي. فبالرغم من ان الالمان يسجلون للمستشار هلموت كول دوره القيادي في اعادة توحيد المانيا ومغادرة الجيش الاحمر لاراضيها والمساهمة الفعالة في تفكيك الاتحاد السوفييتي, الا ان كل ذلك لم يغفر له. فبعد ثماني سنوات من اعادة الشطر الشرقي للشطر الغربي من المانيا لايزال المواطن يدفع مئات المليارات من الماركات ثمناً لهذه الوحدة, بهدف اعادة تأهيل الشطر الشرقي. ويبدو ان هذه المبالغ لم تسهم في اقناع المواطن في الشطر الشرقي بما يقوم به المستشار كول وحكومته, فالبطالة تصل في بعض الولايات الشرقية الى قرابة 20 بالمائة, ما جعل المواطن هناك يرفض تصديق وعهود المستشار بالرخاء الاقتصادي, وبسبب ذلك وجدت الاحزاب اليمينية المتطرفة, مثل حزب اتحاد الشعب, مواقع مهمة في استمالة الشباب الى تلك المواقع اضافة للحزب الشيوعي القديم. بمعنى ان وعود حكومة المانيا للمواطن الشرقي في الرفاهية والديمقراطية اصطدمت ببوابات المصانع المقفلة والمفلسة. ونتيجة لهذا الوضع يجد ثلثا مواطني المانيا الشرقية (سابقا) انفسهم بانهم مواطنين من الدرجة الثانية ولذلك كانوا هم من حسم نتيجة الانتخابات بالرغم من انهم يشكلون خمس القوة الانتخابية (12.5 مليون صوت) . الاخطر من كل ذلك هو عودة النازية الجديدة, او ما يسمى باليمين المتطرف, وتشير الاحصائيات الى ان نسبتهم زادت لتصل الى 13 بالمائة منهم 11 بالمائة في غرب المانيا و17 بالمائة في شرقها. وهذه معطيات تذكر بايام صعود النازية الهتلرية مطلع العشرينات, حين كانت ازمة الاقتصاد العالمي تعصف باقتصاديات كثيرة, منها المانيا التي عاشت ازمة حقيقية قادت الى وصول هتلر الى الحكم ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية أواخر الثلاثينات. صحيح ان الامور ليست بهذا السوء وليست كما كانت في عهد اوتوفون بسمارك الذي اطلق مقولته قبل شروعه في توحيد المانيا: (ان القضايا الراهنة الكبرى لا تحسم بالخطب وبقرارات الاكثريه, وانما تحسم بالحديد والدم) , لكن المانيا التي يفترض ان تكون القوة الدافعة لعملية الوحدة الاوروبية تواجه مشاكل داخلية جدية, حدت بالالمان اشاحة وجوههم, ولو قليلا, عن قضايا الوحدة النقدية الاوروبية والتبشير بأوروبا الموحدة كما كان يفعل المستشار هلموت كول. ومع ذلك فإنه لامناص لالمانيا من قيامها بالدور الريادي في عملية الوحدة الاوروبية, سواء كان ذلك مع المسيحيين الديمقراطيين او في ظل الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يتطلعون الى الاقتصاد المنافس والمجتمع العادل. فالاشتراكيون القادمون من رحم المشاكل الاقتصادية الداخلية يسعون لتشكيل محور قوي مع حلفائهم التقليديين, فرنسا التي سارعت لتوجيه دعوة للمستشار الجديد. بينما ابتهجت لندن بوصول يسار الوسط الى الحكم في المانيا, ليشكل فرصة تاريخية لتحالف فرنسي ـ الماني ـ بريطاني في سياق عملية توحيد اوروبا, بالرغم من ان بريطانيا لن تدخل في الاتحاد النقدي الاوروبي الذي سيبدأ العمل به مطلع العام المقبل تحت مظلة العملة الجديدة (يورو) التي ستشكل عملة وطنية لأحدى عشرة دولة في الاتحاد, لتلتحق باقي الدول فيما بعد. ثم ان بريطانيا التي جاءتها الفرصة التاريخية, هي على موعد مع فك الانسجام الحميم بينها وبين الولايات المتحدة الذي ركزه حزب المحافظين طوال عقدين من الزمن. ولكي تنجز هذه المهمة, فإن خطوات ضرورة على لندن القيام بها, يأتي في مقدمتها اعلان استعدادها لتقديم تضحيات مماثلة لتلك التي تقدمها باريس وبرلين لتجسيد حلم اوروبا الموحدة. نخلص الى القول بان أمام المانيا بزعامة المستشار جيرهارد شرويدر, العديد من المهام الداخلية التي يجب على الحكومة الجديدة وضع حل لها مثل البطالة والاداء الاقتصادي واخرى خارجية يأتي على رأسها كيفية استقبال مطلع يناير 1999م مع العملة الاوروبية الموحدة, مع ان بون وضعت ضمانات رئيسية لعدم تأثر وضعها المالي اضافة الى ان ثلث صادرات المانيا تذهب نحو دول الاتحاد الاوروبي. اما الاهتمامات الاخرى, كقضية التسوية في الشرق الاوسط, فإن المستشار السابق هلموت كول حدد ماهيتها, حيث تدار, عبر الكواليس, حوارات لا تخرج للعلن ولايبدو ان المستشار الجديد سيضيف الكثير امام الاوضاع الراهنة التي تحول فهيا الراعي, الامريكي حكما مطلقا. كاتب بحريني