لعل الهزيمة التي مني بها المستشار الألماني (هلموت كول)زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي على يد (جرهارد شرويدر)الاشتراكي اعادت الأذهان للوقت الذي كانت فيه الاشتراكية تسود أوروبا كلها لتصوغ كافة توجهاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما أثار عددا من علامات الاستفهام حول بعض القضايا الداخلية والخارجية التي تواجه الحكومة الألمانية الجديدة وطرق التعامل معها مثل مشكلة البطالة والتي أصبحت منذ قيام الاتحاد الألماني شوكة في خاصرة نظام الحكم بالبلاد وقضية مستقبل العلاقات الروسية ــ الألمانية من جهة والفرنسية ــ الألمانية من الأخرى وانعكاسات الرؤى التي قد تنشأ لدى حكومة (شرويدر) على الموقف الالماني من عملية السلام في الشرق الأوسط والعلاقة مع العرب في وقت تظلل فيه المخاوف سماء بعض الدول الأوروبية خوفا من أوروبا ــ حمراء جديدة. (الملف السياسي) في محاولة لمعرفة مختلف وجهات النظر لبعض من أعضاء هيئة التدريس بكليتي العلوم الانسانية والاجتماعية والعلوم الاقتصادية والادارية بجامعة الامارات التقاهم ليعرف منهم تحليلاتهم للاوضاع والمستجدات الألمانية وانعكاساتها داخليا وخارجيا. يقول أ.د (وسام عبد العزيز) مدرس التاريخ الأوروبي بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات ان الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة (جيرهارد شرويدر) بفوزه بتشكيل حكومة ائتلاف يسار الوسط مع حزب الخضر وهي اغلبية مريحة (مقارنة بالانتخابات الماضية التي حصل (كول) فيها على سبعة مقاعد فقط) وبهذه الحالة فان الحزب الاشتراكي الديمقراطي S.P.D لن يأتلف مع الحزب المسيحي الديمقراطي C.D.U الذي أعلن (كول) رغبته في الانسحاب من رئاسته, مما جعل بعض الصحف المحلية تطلع علينا بعناوين على شاكلة (حكومة حمراء ــ خضراء) وهذه تسمية ليست دقيقة لأن حزب (شرويدر) ميوله اشتراكية وليست شيوعية وفاز عن طريق تأييد الناخبين من المدن الالمانية الشرقية وهم من حسم هذه الانتخابات حيث كانت نسبة مشاركتهم في صناديق الاقتراع اعلى من سكان ما كان يسمى بألمانيا الغربية. وعن اسباب تخوف الاوساط الصناعية ورجال الاعمال من التوجهات الاقتصادية لحكومة (شرويدر) قال ان ذلك يعزى الى انهم يمثلون اليمين ويؤيدون الحزب المسيحي طوال 17 عاما وذلك لأن تشريعاته صبت دائما في مصلحة الاغنياء من ملاك الشركات ذوي رؤوس الاموال الضخمة, فهم قلقون الآن من زيادة الضرائب عليهم ما سيسبب قلة دخولهم مع محاولة حكومة (شرويدر) لحل مشاكل البطالة والتوسع في خدمات الصحة والتعليم حيث ستحاول طرق جوانب لم تطرقها الحكومة السابقة من ناحية الميزانية الجديدة وتشجيع مشاريع التنمية في القسم الشرقي من ألمانيا الذي مثل السبب الرئيسي في البطالة حيث اضيف الى ألمانيا الغربية ليكونا معا المانيا الاتحادية مشكلا عبئا اقتصاديا حاولت الدولة منذ 89 ــ 1990 عمل نوع من الدمج البطئ بحيث كانت وجهة نظر حكومة (كول) التنمية الذاتية البسيطة دون المساس بأغنياء الجزء الغربي او التسبب بعبء مالي على الحكومة, فمشكلة البطالة اولى واهم مشكلة ستواجه الحكومة الجديدة ومن المتوقع ان تزيد الضرائب على الاغنياء وستوجه جزءاً من الاستثمارات للشرق بدلا عن الاستثمارات التقليدية في غرب المانيا كاجرائين تحاول بهما حل مشكلة البطالة, ولآن الدول الاوروبية من دول العالم الاول المتقدمة فلا مجال لأي حكومة جديدة ان تلغي اصلاحات حكومة سابقة وذلك لأن الدول في الاصل دول مؤسسية يعمل كل حزب للمصلحة العامة للدولة ولهذا لن يلغي (شرويدر) اصلاحات (كول) . وعن نظرة دول اوروبا الشرقية وروسيا لنتائج هذه الانتخابات يقول د. (وسام) ان روسيا نفسها تسير الآن في اتجاه الخصخصة وفي اتجاه التحول الرأسمالي في محاولة للانضمام للنادي العربي وحتى حزبي الاشتراكي الديمقراطي والمسيحي الديمقراطي غير مختلفين في البرامج الاقتصادية والسياسية استراتيجيا لكن الاختلافات في كيفية التطبيق, اما عن مواقف لندن وباريس وواشنطن من التغييرات الجديدة في ألمانيا فستكون ثابتة حيث لن تتغير السياسة العامة ولن تتغير سياسة هذه الدول مع الحزب الجديد ولن تنظر على ان حزب يساري او اشتراكي, فمنذ عام 1979 سيطر اليمين والمحافظون على السلطة تقريبا في اوروبا وفي بريطانيا يوجد عمال كما يوجد محافظون وفي المانيا كذلك وفي امريكا عام 1980 كان رونالد ريجان ماعدا فرنسا التي كان وضعها شاذا قليلا اذ كان 1981 عام تولى الاشتراكي ميتران بينما كانت بقية الحكومة يمينية فاليمين واليسار الأوروبي اختلافاتهما تنحصر في كيفية التطبيق وليس في التوجهات, اماعن سياسة المانيا تجاه عملية السلام بالشرق الاوسط فالمانيا منذ 1979 ــ كامب ديفيد ــ كانت تشجع عملية السلام ومشاريعه مما سيجعل حكومة شرويدر تتمسك بمرجعية مدريد وأوسلو لوضع تسوية شاملة مما سيمثل ابرز اتجاهاتها الخارجية الداعمة لتوجهاتها الداخلية المتمثلة في التوسع في برامج التعليم والصحة مما سيقضي على التخوف الذي قد ينشأ من عودة الاشتراكية او النظام الشيوعي الى أوروبا. ويضيف د. (جمال حجر) مدرس تاريخ العرب الحديث بجامعة الامارات ان المانيا ستقودها حكومة اليسار والوسط فالحكومة ستعكس حتما برنامجها الانتخابي مع الوضع في الاعتبار المصلحة العامة لدولة المؤسسات وهو ما دفع (شرويدر) الى التأكيد على اهمية المحور الفرنسي الالماني الذي تحول وضعه في ظل الوحدة الاوروبية من العداء التاريخي في الحربين العالميتين الاولى والثانية الى تزعم الوحدة الاوروبية في تطور غير مسبوق لتضع كل من الدولتين حدا للشقاق التقليدي بينهما, فالاشتراكية الجديدة اصلاحية ليست معاكسة للاتجاه الرأسمالي او للوحدة الاوروبية بكل ما تتطلبه من تحديات فاوروبا قالت انها ستسير في البرنامج الاتحادي حتى النهاية ومن ثم لن يسير اي برنامج داخلي لاي دولة اوروبية عكس التيار بالذات المانيا سواء كانت ألمانيا ــ كول او المانيا ــ شرويدر لان اول ما هدفت له الوحدة الاوروبية امتصاص الطاقات الالمانية حتى لا تكون طاقات عدائية محولة لهما للمصلحة العليا الاوروبية فاوروبا اصبحت مع التجربة التاريخية ــ رضينا ام ابينا ــ كتلة واحدة فالخطر الذي قد يتبادر لاذهان البعض من الاشتراكية ليس له ما يبرره. فرؤوس الاشتراكية الاوروبية انتحروا والتطبيق الاشتراكي نفسه تحول من وجهة نظر سياسية الى اصلاح اجتماعي واذابة الفوارق الطبقية وألا تترك للمجتمع مهمة حمل اعباء طبقات تعاني وتعوق التنمية اما سياسيا فشرويدر مصر على توحيد المانيا ومحو الفوارق بين سكانها ليحقق وحدة سياسية واقتصادية تذيب المانيا فيما بينها وتذيبها من ناحية اخرى في بقية اوروبا الخاضعة لبرلمان اوروبي موحد يظهر سياسات خارجية موحدة ومحددة ومن هنا لايتوقع من (شرويدر) ان يحيد عن تأييد فكرة السلام في الشرق الاوسط باعتباره برنامج اختارته المنطقة مع الوضع في الاعتبار ان شرويدر قد لايؤيد عملية السلام عن قناعة كاملة منه او خوف كامل لكن وفقا لمصالحه لان السلام مؤيد من الاتجاه الاوروربي برمته هذا عن توجهاته الخارجية, اما ابرز التوجهات والسياسات الداخلية فمن المتوقع ان تتبلور من خلال التنمية الصناعية والتكنولوجيا حيث ان المانيا ليست بالدولة التي تنتج سلعا حربية ثقيلة (كالدبابات او الصواريخ) لكنها تنتج معدات تكنولوجيا مما سيسهم في جعل شرويدر يهتم بتنمية صادرات المانيا في هذا الاتجاه, فالبرامج الحزبية المعلنة لن تصدق الا عند وضعها موضع التطبيق وحتى ذلك الوقت ستظل الرأسمالية الغربية وزعماؤها (امريكا فرنسا انجلترا), تراقب بحذر اي نمو لاتجاه يساري وبرغم ان كل دولة من الدول الثلاث بها اتجاه اشتراكي الا انها ستراقب تطورات حكومة (شرويدر) من طرف خفي. وعن اسباب تخوف رجال الاعمال والرأسمالية الالمانية من الاتجاه الاقتصادي لحكومة (شرويدر) وهل سيتم الغاء الاصلاحات الاقتصادية التي تبناها (هلموت كول) ورؤية حكومة (شرويدر) لحل مشكلة البطالة في المانيا باعتبارها تحديا يواجه الحكومة الجديدة يرى د. (خليفة محمد علي حسنين) عضو هيئة التدريس بقسم الاقتصاد بكلية العلوم الادارية والاقتصادية بجامعة الامارات ان الحكومة الجديدة حكومة اشتراكية والمعروف ان اتجاهها العام هو زيادة الانفاق الحكومي وزيادة الضرائب حتى يقوى نظام الضمان الاجتماعي مما سيعجل بحل مشكلة البطالة ويزيد من تدخل الدولة لجني العديد من الاصلاحات الاقتصادية حيث تتمثل خطة (شرويدر) في العمل على خلق وتنسيق تحالف عام مابين اصحاب الاعمال (الصناعيين) والحكومة والعمال بحيث يقوم الصناعيون بقدر الامكان بتوظيف العمال بحيث لايدخلون في اضرابات وهو ما رفضه اتحاد نقابات العمال الالمان حتى من قبل ان يفوز (شرويدر) في الانتخابات مما جعل سياساته الاقتصادية غير واضحة تكتنفها مشاكل كبيرة مما سيصعب من عملية اتخاذ اي قرار لحل المشكل الاقتصادي - من ناحية السياسة الداخلية - اما من ناحية السياسة الاقتصادية الالمانية - خارجيا - فلن تخالف المانيا (اليورو) الداعم للتعاون الاقتصادي والتجاري مع الدول العربية. ويضيف د. (معاوية العوض) المدرس بقسم الاقتصاد بجامعة الامارات ان رجال الاعمال الالمان كانوا متخوفين من تصريحات (شرويدر) التي اطلقها قبل الانتخابات لكن اليوم بعد ان وضحت رؤاه المستقبلية بعض الشيء فقد زال تخوفهم من الانسحاب من (الناتو) ومن النكوص عن سياسات كول بصدد الالمان او بصدد العلاقات الروسية الالمانية من جهة والفرنسية الالمانية من جهة اخرى بل ورأوا ان (شرويدر) لن يسعى الى الابقاء على تلك العلاقات فقط بل وسيسعى الى تعميقها وتعميق علاقة المانيا بكل اوروبا وليس الدولتان فقط, اما من ناحية البطالة فحزب الخضر - الشريك المؤتلف في الحكم - له وجهة نظر مرفوضة من (شرويدر) وحزبه تتمثل في الاعتماد على تقليص العلاقات مع الخارج وتقليص مصروفات الناتو والمصاريف العسكرية. ويرى د. (معاوية العوض) ان مستقبل العلاقات - الروسية - الالمانية - سيكون بخير فعلاقة (كول) كانت أصلا ممتازة مع روسيا وسائر الدول الاشتراكية سيما تشيكوسلوفاكيا السابقة والاستثمارات التي تمت في سلوفاكيا معظمها ألمانية, فألمانيا أكثر الدول دعما للدول الشيوعية في قارة أوروبا ولا يوجد سبب واحد يحمل (شرويدر) على تغيير هذه العلاقات بل بالعكس سيسعى إلى تعميقها وتحسينها, أما من ناحية العلاقة مع فرنسا وحتى لو فشل الاتحاد الأوروبي فالفرنسيون والألمان لديهم شراكة واتفاقات غير مكتوبة بين البلدين سيحرص شرويدر كل الحرص عليها وعلى استقطاب دول أخرى في نفس الأطر, وما يؤكد ذلك اعراب فرنسا وبريطانيا عن سرورهما بنتائج الانتخابات الألمانية فقد قال توني بلير (لابد ان يأتي وقت التغيير لنرى ألمانيا جديدة). وعن رؤيته حول ائتلاف اليسار والوسط لقيادة ألمانيا فيرى د. العوض انه لابد من ائتلاف مع الخضر الذين كان لهم مواقف مع الناتو غيروها الآن متخلين عن الأمور صعبة التحقيق التي كانوا ينادون بها مثل دعوة حزب الخضر لانسحاب ألمانيا من (الناتو) . ويضيف ان ألمانيا أصلا لم يكن لها دور في عملية السلام إلا من خلال الاتحاد الأوروبي الذي لم يكن له دور هو أيضا أما من الناحية الاقتصادية فالعلاقات مع الدول العربية لن تتغير سواء للأحسن أو الأسوأ بل ستستمر وفقا للمصالح الألمانية. العين - مكتب البيان