بعد ان بات واضحا تراجع فوز التحالف المسيحي الاجتماعي بالاغلبية المطلقة وانهزام اليمين المتطرف وبروز الحزب الاشتراكي الديمقراطي كقوة رئيسية في الانتخابات الاخيرة تكون المانيا قد دخلت مرحلة جديدة مع عودة الاشتراكيين الى الحكم بعد ان ظل يمين الوسط بزعامة هيلموت كول مهيمنا على الحياة السياسية طيلة ستة عشر عاما . هذه العودة للاشتراكيين الديمقراطيين بزعامة جيرهارد شرويدر التي جاءت متجاوزة لكل التوقعات التي ابانت عنها استطلاعات الرأي ستخفف لا محالة من المصاعب التي طرحت حول تشكيل الحكومة المقبلة خلال الحملة الانتخابية ذلك ان حصول حزب شرودر على 298 مقعدا ستمكنه من تشكيل اغلبية مريحة بالتحالف مع حزب الخضر. وهو الاتجاه المرجح حتى الآن حسب المراقبين ووفقا لما اكدته التصريحات الصادرة عن شرويدر نفسه التي ذهب فيها الى استبعاد اي تخالف له مع الشيوعيين الجدد. وسواء تحقق ذلك ام لا فان الحكومة المقبلة هي حكومة اشتراكية بالاستناد الى الاغلبية النسبية التي حصل عليها حزب شرويدر فهل يعني ذلك ظهور مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها في الحياة السياسية لالمانيا؟ وماهي المعطيات التي تنبئنا عن طبيعة السياسة العامة في العهد الاشتراكي وعن كنه هذه السياسة ومحدداتها؟ ان هذه التساؤلات وغيرها تطرح عادة خلال وعقب كل جولة انتخابية تشهدها بلد من البلدان وهي تكتسي اهمية بالغة خاصة عندما يتعلق الامر بالمانيا التي اقترن فيها صعود النازية بالديمقراطية واذا كان اليمين المتطرف قد عرف انهزاما بينا الا ان بعض المخاوف اخذت في البروز مع عودة الاشتراكيين سيما ان المسألة الاجتماعية تصدرت واجهة الحملة الانتخابية للحزب الاشتراكي والحقيقة ان طرح مثل هذه المخاوف ليس لها مايبررها خاصة في ظل الثوابت والمتغيرات التي تشهدها البلدان وتطبع نظمها السياسية. والتي تشكل في مجملها محددات اساسية للعبة السياسية في البلدان الغربية اليوم. هناك طبيعة النظم السياسية فهي نظم ترتكز على وجود مؤسسات ثابتة ودائمة لها استمراريتها في الزمان والمكان وهو مايجعل من تعاقب الاشخاص والاحزاب عليها امرا لا يغير في وظيفتها سيما انها مؤسسات تخضع لقواعد قانونية وتنظيمية يصعب تجاوزها وتعمل وفقا لاعتبارات تاريخية واقتصادية وسياسية وجغرافية. فعلى المستوى الاقتصادي تشكل قوة الاقتصاد الالماني هاجس تلتقي عنده وتتوحد حياله مختلف الرؤى اذ ان الرغبة في التدبير الوطني للاقتصاد الالماني هي نقطة تلتقي عندها مختلف القوى السياسية مع فارق في الاولويات بين اليمين واليسار حيث يرى اليمين بان قوة الاقتصاد الالماني تكمن في قدرته على التأثير على المستوى الدولي وهو الهاجس ذاته بالنسبة لليسار مع اعطاء الاولية للبعد الاجتماعي وانطلاقا من ان قوة المانيا تكمن في الرفاهية والعدالة لشعبها وليس في التوفر على بضع شركات استثمار على المستوى الدولي وهو ما اوضحه شرودر خلال حملته الانتخابية. ــ على المستوى السياسي: تتضاءل حدود الاختلاف بين اليمين واليسار في المانيا شأنها شأن البلدان الاوروبية الاخرى حيث جل الاحزاب الاشتراكية هي احزاب ديمقراطية. بل ان الاحزاب الشيوعية ذاتها في بلدان اوروبا الغربية كان لوجودها طابعا مختلفا اذ كرس قطيعة مع النموذج الشرقي الذي ساد الاتحاد السوفييتي السابق ودول اوروبا الشرقية مستندا بذلك الى خلفيات مرجعية اطرتها المنطلقات الفلسفية التي راجت في الغرب وصبغت بطابعها جل التوجهات الماركسية التي عرفتها اوروبا الغربية. وهو تأكد من خلال اقرار هذه الاحزاب باحترام الخيار الديمقراطي والعمل في اطاره واصبح هذا الاحترام محددا اساسيا لولوج ميدان الممارسة السياسية. اضافة الى ذلك فالتحولات التي عرفها العالم عقب انتهاء الحرب الباردة كان من ابرز معالمها تحول الاحزاب الشيوعية الى احزاب ديمقراطية في البلدان الشيوعية حيث غدت هذه الاحزاب ديمقراطية متجاوزة بذلك الايديولوجيا الانقلابية التي ظلت تبشر بها, وبالتالي فان طبيعة الممارسة السياسية والحزبية تقلص من اوجه الاختلافات بين اليمين واليسار والشواهد كثيرة في اغلب بلدان الاتحاد الاوروبي حيث توجد الاحزاب اليسارية في سدة السلطة دون ان يعني ذلك تبدلا في الخيارات السياسية والاقتصادية والمانيا لن تشذ عن هذا الحال ويكفي التذكير في هذا الاطار في ان تصويت الناخب الالماني لم يكن لصالح برنامج جيرهارد شرودر بل ضد بقاء هيلموت كول في السلطة. على المستويين الجغرافي والتاريخي فان موقع المانيا في قلب اوروبا يملي عليها انتهاج سياسة تقوم على احترام الالتزامات الدولية التي على ضوئها قامت المانيا الحديثة , المانيا مابعد الحرب العالمية الثانية وهي التزامات تدخل في اطار ترتيبات دولية للامن الاوروبي وترتبط ببلورتها لمشروع الاتحاد الاوروبي منذ انطلاقاته المبكرة حيث كان لالمانيا دورا رياديا في الدفع بهذا المشروع مع حليفتها فرنسا وهو دور يستند الى اعتبارات تمثلت في الصراع التاريخي بين البلدين الجارين وبذلك كان توجها يرمي الى احتواء التوتر التاريخي وغدى امرا واقعا يزداد يوما بعد يوم. هذه هي المحددات الاساسية للسياسة في المانيا بشقيها الداخلي والخارجي وعلى ضوئها يتحرك مختلف الفاعلين السياسيين على تعدد مشاربهم الايديولوجية وهو مايعني ان اي تبدلات او تحولات تبقى محكومة بهذه المحددات مما يجعل الاختلاف اختلاف حول ترتيب وصياغة الاولويات في اطار احترام هذه المعطيات وليس انقلابا عسكريا او ديمقراطيات بدون مضمون كما هو سائد اليوم في كثير من بلدان العالم المتخلف. بهذا يبقى التهويل من امر التحولات المرتقبة للحكومة الالمانية الجديدة مسألة لا تقيم وزنا لهذه الاعتبارات والمحددات الموضوعية ولا تستحضر ايضا واقع الحال في كثير من بلدان الاتحاد الاوروبي التي تعرف هيمنة الاحزاب الاشتراكية دون ان يطرأ على سياستها تغير جوهري يذكر. كاتب يمني مقيم بالمغرب