ايا ما كان الفائز في الانتخابات الالمانية, وأيا ما كان ائتلاف الحكومة الجديدة, فعلى المستشار الجديد شرويدر وتحالفه مع الخضر أو مع خصمه (الحزب الديمقراطي المسيحي) أن يقر ويعترف بأن وقت التحديات (المعجزة) قد بدأ .. البطالة, الضرائب, المعاشات, مشاكل تنتظر الحلول, وهناك برنامج اضطراري في الايام المائة الاولى للحكومة الجديدة, أيا ما كان تشكيلها عليها الاضطلاع به. بعد ان فرزت صناديق الاقتراع بورقتها (الاولى والثانية) الخاصة بالدولة والخاصة بالمقاطعات, تأتي لحظة الحقيقة, ربما طويلة وثقيلة ومؤلمة ايضا, فهي لا تتعلق بالسؤال المثير: ترى من يكون المستشار المقبل؟ بقدر ما تتعلق بالسؤال الاكثر جدية: ماذا ينبغي ان يفعله المستشار الآن؟ خاصة وان اختبارات الاهلية تمحو سريعا آثار المعركة الانتخابية, بدءاً من ضرورة رفع سعر البنزين إلى خمسة ماركات وحتى ما يتردد عن رفع قيمة الضرائب على الدخول المرتفعة, وقد أصاب محلل سياسي ألماني بارز حين قال: إن المعركة الانتخابية السابقة كانت أكثر المعارك الانتخابية التي شهدها انعداما في التميز والكذب, المعنى نفسه أكده (فولفجانج شويبله) ملمحا إلى المستشار السابق (هيلموت كول) وبرنامجه أثناء احدى الحملات الانتخابية, فما كان من الاخير ساعتها الا ان حاول فرملته بالاشارة إلى ان برنامجه تضمن مثلا مطالبة بضرائب على الطاقة على امتداد اوروبا (الاتحاد الاوروبي) وان كانت اشارة كول تفضح اكثر ما تدعم برنامجه ودوره الاساسي كصانع لسياسة خارجية المانية توحيدية لأوروبا. وكما تقول صحيفة (هاندلزبلات) الالمانية متعددة الاحزاب دون استثناء (إنها اعدت برامج قصيرة الاجل للايام المائة الاولى توحي بأحلام وردية في كل تفصيلة من تفصيلات التغييرات التي تقدمها وتنوي تنفيذها, وبينما كانت الانتخابات البرلمانية الاخيرة في القرن العشرين الدراماتيكي, كما لاحظ من قبل هيلموت كول, نقطة حاسمة في بداية قرن جديد, لم يكن من الملاحظ خلال (مبارزات المرشحين) رؤية بعيدة المدى أو مراجعة عميقة للاحداث العالمية والتغييرات الطارئة على الاوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم. وعلى الرغم من ان الاقتصاد العالمي يقترب من حافة ازمة اقتصادية بنيوية عالمية, ناتجة ــ باختصار شديد ــ عن تآكل الاسواق مع انتشار الفقر وتضخم الديون في الجنوب المستهلك, ثم ظهور منافسين اقوياء (في الانتاج) من داخل حزب الجنوب الفقير, المسمى العالم الثالث .. فان الحكومة الالمانية (السابقة) احتفت بالقفزة الاقتصادية الهزيلة في المانيا, ولم يتوان منافسها جيرهارد شرويدر ــ الذي نجح في الاطاحة بها اخيرا ــ من الادعاء بانتساب هذه القفزة لرؤيته وسياساته على مستوى المقاطعات التي يتفوق فيها حزبه على الاتحاد الديمقراطي المسيحي, واستطاع خلالها تحقيق بعض النجاحات. وتظل جميع خطط الاصلاح التي تطمح إلى قفزة اقتصادية معلقة بالاصلاح في مجالات الضرائب, المعاشات, الصحة أو النظام القضائي, لذلك كان الخبراء, بما فيهم خبراء الاحزاب المتخصصين, في حالة اقرب إلى الدهشة من اطروحات المتنافسين في المعركة الانتخابية, وكان الناخبون ــ أيضا ــ غير منزعجين مما تحويه بعض تلك الاطروحات من تغييرات حادة قد تمس مصالحهم بالسلب, وكذلك (جماعات المصالح) لم تفزعهم بعض (الانقلابات الموعودة) والتي قد تسبب لهم اضرارا بالغة .. وهكذا تشكل في (المانيا ــ الانتخابية) تحالف ضخم بين الصمت والكلام المعسول, انتهى باختفاء (الاصوات) في صناديق الاقتراع, وجاء وقت الاجابة عن سؤال: ماذا سيفعل الحزب الاشتراكي الديمقراطي وائتلافه الحكومي؟ طوال الفترة السابقة كان رقم 4 ملايين عاطل يظل كل شهر تقريبا كشبح شرير فوق رؤوس الجميع. وفي الشهور الاخيرة انخفض الرقم في (نورنبرج) قليلا وخرج (يرتهارد ياجودا) مدير مؤسسة العمل الاتحادي من (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) يؤكد بكلمات مختلفة الايقاع حدوث (تحول في المسار) . ومن المتوقع في الشهور المقبلة ان يصبح الرقم 3 ملايين, والفضل لأماكن العمل الجديدة في الغرب (مقاطعات ألمانيا الاتحادية سابقا) وإجراءات خلق فرص العمل في الشرق (مقاطعات ألمانية الشرقية سابقا) ولكن صقيع الشتاء الحالي سيواجه الحكومة الجديدة بزيادة في البطالة لاشك, فترمومتر البطالة أشبه بترمومتر يقيس درجة حرارة (مصاب بالحمى) ــ حاليا 10.6% ــ ينظر بتفاؤل للمستقبل, الصادرات ترتفع في آسيا, وروسيا وأمريكا اللاتينية رغم الازمة, ومعدل النمو سيصل هذا العام الى 2.7% والمكاسب تتراكم بصورة مشجعة, حتى في البورصات الهابطة. وإذا كان السياسيون في ألمانيا على كافة انتماءاتهم يخشون بقوة من (جيش العاطلين) , ويلعب (بدل البطالة) الذي يحرص عليه الجميع دورا في الاحتفاظ بالاحوال السياسية هادئة وخفض التوتر الاجتماعي, فإن الشعب الألماني في الوقت نفسه لا ينسى ابدا ارقام العاطلين عن العمل, وتتصدر البطالة دائما قمة استطلاعات الرأي كأهم وأكثر واجبات السياسي إلحاحا. وهي في الوقت نفسه القاسم المشترك المؤكد في كل المشاكل المطروحة للتعامل معها اية حكومة قادمة, ومن يستطيع خلق فرص عمل جديدة سيمتلك لاشك مفتاح المستقبل, ويتربع لسنوات على عرش السلطة. ولا يخلو اي برنامج اصلاحي من تأثير مستوى معدلات البطالة, الامر الذي يقتضي (حلا عقلانيا) لخفض أعداد العاطلين. تكلفة البطالة تضرب بعمق معظم الموازنات العامة في الاتحاد الفيدرالي وفي المقاطعات, من خلال ضعف المتحصل من ضرائب الاجور أو ضعف اعانات المقاطعات لمؤسسة العمل الاتحادي, في قطاع تأمين المعاشات ــ مثلا ــ بسبب اعباء التقاعد المبكر, الذي يعتبر قطاعا من البطالة غير المباشرة, وكذلك في قطاع المعونة الاجتماعية للاسرة التي ليس لديها عائل ــ وحتى ميزانية الصحة تعاني من نقص أقساط تكلفة الرعاية للعاطلين. وتتولى الحكومة الاتحادية والمقاطعات ــ خلافا للعاطلين المباشرين ــ اعانة العاملين في قطاعات الترسانة البحرية والتعدين وهي قطاعات ما تلبث ان تخرج عاطلين, فضلا عن انها لا تقدم ميزة المعاش للعاملين بها, من هنا ينبغي على اصحاب الاعمال وباعة قوة العمل ان يشاركوا في تمويل التأمينات الاجتماعية وتكاليف البطالة. والدولة التي تحصل ما يزيد على نصف العائد القومي من خلال الضرائب ورسوم الضمان الاجتماعية, يمكن ان تنخفض حصتها اذا ما تقلصت البطالة ــ وإذا ما حدث ذلك ــ اي قللت الدولة من حصتها بالتنازل عنها لأصحاب العمل ــ لانخفضت البطالة تلقائيا, لأن الشركات وأصحاب المشروعات الانتاجية وغيرها سيوجهون مزيدا من اموالهم في الاستثمار, ومن ناحية اخرى ستزيد القدرة الشرائية لدى العمال, وهي دورة حتمية للاقتصاد الرأسمالي, ذي البعد الاجتماعي الواضح. وهناك خير حقيقي يرصده بعض المحللين الألمان, من ان نقص فرص العمل الحاد يمكن ان يكون احد الاسباب الرئيسية من تحول الوحدة الى انفصال, ان لم يكن رسميا فواقعيا, فالبطالة في المقاطعات الشرقية لألمانيا والتي تبلغ ضعف مثيلتها في المقاطعات الغربية تقوى الشعور لدى ألمان ألمانيا الشرقية ــ سابقا انهم فقط الخاسرون من الوحدة. عنصر البطالة مؤثر ايضا في مجال السياسة الالمانية الاوروبية. فتوسيع الاتحاد الاوروبي تجاه الشرق يمكن ان يتم بسهولة اكبر, اذا لم يخش الالمان من خسارة فرص العمل من خلال منافسة (ظروف العمل الارخص) في الدول التي يحتمل انضمامها للاتحاد الاوروبي, هذا الامر قد يفسر مقولة وزير الخارجية البريطانية عن ان صعود الاشتراكي (شرويدر) يبشر بتكوين محور تحالف ألماني ــ بريطاني الى جانب المحور الاصيل الالماني الفرنسي, بما يعني ان ينتهج المستشار الالماني الجديد سياسة اكثر تمهلا في عملية الوحدة الاوروبية وفقا للنهج البريطاني, من منطلق تحيزه لمستوى معيشة معقول للعامل والمواطن الالماني, الذي قد يتأثر اقتصاده بانضمام (اسواق عمل) ارخص في الداخلين الجدد الى الاتحاد وبما يعني مباشرة تزايد نسبة البطالة في ألمانيا. البطالة عنصر حاكم ايضا في تقييم سياسات البيئة لدى المواطن الالماني وبقدر تعاطيها مع البطالة وتأثيرها بالايجاب او السلب برفع اعداد العاطلين او خفضهم تلقى التأييد اوالرفض منه.. وهي قد لقيت درجة من الرفض او التخلي عنها بالفترة الاخيرة بسبب مايمكن ان تؤدي اليه من تقلص في فرص العمل وحتى طرح البيئيين القائل بأن فرض (ضريبة البيئة) على انتاج الطاقة مثلا من شأنه ان يقلل من التكاليف الجانبية المخصومة من الاجور, كالانفاق على الصحة ومعالجة الامراض الناجمة عن التلوث البيئى, وخلافه بما يعني وعلى مسافة من الزمن لم يكن مقنعا للكثيرين. ومن الشائع ايضا ان البطالة تغذي كراهية الاجانب حتى في المقاطعات التي لايعيش فيها تقريبا اي اجانب مثل منطقة (ساكس انهالت) او ميكليس بورج ـ فوربومرن) وتقوي معنويا خطاب الاحزاب اليمينية المتشددة. من هنا يصبح التحدي الاول لحكومة شرويدر هو مواجهة البطالة والتغلب عليها والمشكلة الحقيقية ان تصدر حلول للبطالة تحول في فترة الانتخابات الى مايشبه المعركة الايديولوجية بين (الكنزيين) القدامى المتحمسين لأثارة الطلب على البضائع اي الاستهلاك ومزيد من الاستهلاك لصنع درجة أعلى من الرواج, وبين الليبراليين الجدد المطالبين بمزيد من (المعروض) اي مزيد من الجودة والوفرة ليزيد الاستهلاك تلقائيا ايضا فيحدث الانتعاش على هؤلاء وهؤلاء وهم في الغالب اطراف مؤثرة في اي تحالف لحكومة (شرويدر) ان يتخلوا عن مواقفهم التكتلية المتعارضة فكل منهما يخفي فشله الذريع, عند النظر الى كل من آسيا وروسيا حيث طبقت نظرية زيادة انفاق الدولة لزمن طويل. وأي مزيج من الاجراءات يمكن تطبيقه مالم يتعارض مع بعضه البعض, وخفض ميزانية الدولة من خلال خفض ما تتلقاه من ضرائب لن يكون في النهاية برنامجا سريع الاثر نحو توفير فرص عمل ورغم ذلك لابد من اتخاذ هذا الاجراء للاستفادة مبكرا من عنصر الوقت, في برنامج المائة يوم الاولى للحكومة خاصة وان الحكومة والمعارضة في ألمانيا لم تكن اقرب الى الاتفاق حول هذه النقطة مثلما هو الامر حاليا, من خلال المعركة الانتخابية ومايتلوها سريعا, وهو ماقد يفسر الكلام عن احتمال تحالف بين اشتراكية شرويدر وحزبه, وديموقراطية كول المسيحية وأي خليفة له وتحالفه مع الديمقراطية الاجتماعية يبقى الفرق فقط في توجه الاشتراكيين نحو رفع الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة. والنموذج الأمثل لكل رافعي شعار (اصلاح الضرائب) هو سياسية الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الخصوص في عهد رونالد ريجان, الذي جعل الحد الأدنى للضرائب في 1984 نحو 15% وحدها الأقصى 33%, وجعل الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة تصل إلى 70%, ومنذ ذلك التاريخ تسارع معدل النمو الاقتصادي في أمريكا, وانخفضت البطالة بشكل ملحوظ. وإن كانت تلك المعجزة لا ترجع فقط إلى إصلاح الضرائب, فبالتزامن معها ارتفع دين الدولة بعنف إلى أكثر من 3 مليارات دولار, لأن ريجان لم يوائم النفقات مع اجراءات خفض الضرائب, بحدها الأدنى والأقصى على الدخول المتوسطة, على العكس ذلك بدأ في مشروعات عالية التكلفة للدولة مثل برنامج (حرب النجوم) .. وفي نفس الوقت, وعلى عكست قناعاته المعلنة ـ كجمهوري ــ مول الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان سياسة ديمقراطية اجتماعية تقليدية , وبرنامج خلق فرص العمل. وقد نجح صانعوا سياسة ريجان تلك في سوق العمل الأمريكي, لسبب آخر متعلق بتلك السوق, هو ان قوائم الأجور في سوق العمل منخفضة إلى حد بعيد, وقوى العمل على درجة كبيرة من المرونة بخلال مثليتها في ألمانيا. لذلك ليس خفض الضرائب في ألمانيا وحده ضمانة كافية لتحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع, وخلق فرص عمل كافية, ومن المطلوب الجمع بين قوائم مرنة, وتنظيم مرن لأوقات العمل إلى جانب تقليص البطالة غير المباشرة, أي خفض الدعم من خلال التأمينات على المتقاعدين مبكرا, حتى يقل التأثير السلبي لخفض الضرائب على سوق العمل. وما حدث أثناء المعركة الانتخابية أن السياسيين رافعي شعار اصلاح الضرائب راحوا يراهنون كبهلونات السيرك على أرقام خفض الضرائب التي يخططون لها, أحزاب التحالف الديمقراطي المسيحي ضربوا رقم 30 مليار مارك, بينما كان تحالف شرويدر الاشتراكي الديمقراطي أكثر تعقلا وتوقف عند رقم 10 مليارات مارك. وفي الحقيقة من سيدفع هذه المليارات هو المواطن دافع الضرائب , ليس فقط عبر زيادة حصته من الدخل الثابت, ولكن أيضا من خلال الضرائب على المكاسب المتزايدة عبر نحو اقتصادي مرتفع. هذا (التمويل الزائر) كما أسماه بعض المتفائلين ليس إلا (أملا) لأن رفع معدلات النمو الاقتصادي عن طريق خفض الضرائب ليس إلا نوعا من (الحدس) الذي قد يخيب أو يصيب. ما حدث في ألمانيا إذن من خلال الانتخابات الأخيرة لا يمكن تسميته (بالانقلاب) , فالطرفان الكاسب والخاسر في الانتخابات أمامه تحد واضح, يدفع بصانع القرار إلى النظر للداخل, وإلى حل المشكلة الأصيلة, التي تمخضت عن سياسة كول, طيلة الأعوام الـ 16 الماضية من ناحية, وعن مصنع الاقتصاد الألماني في سياق الاقتصاد العالمي الرأسمالي ككل من ناحية أخرى. فقد ظل كول طوال فترة حكمه يؤجل التعاطي الحاسم لاعادة هيكلة الاقتصاد الألماني, بحيث يصبح أقدر على التصدي للبطالة, ولم يبدأ في المهمة إلا متأخرا في ابريل 1996, ولم ينجح في تنفيذ مشروعه الخاص بالاصلاح الضريبي بسبب اعتراض الحزب الاشتراكي الديمقراطي عليه, وكان ما يشغل كول بالأساس هو مهمته التاريخية الأوروبية التي كان يريد استكمالها بتنفيذ مشروع العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) والاشتراك في اجراءات توسيع حلف شمال الأطلسي.