في اليوم الثامن من بدء المهلة الدستورية استراح الاستحقاق الرئاسي, فاسترخت الارقام والتكهنات, واتخذ الاهتمام العام منحى مختلفا يتسم بطابع اعلامي حينا, ومالي حينا آخر, ومحوره الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء في القصر الجمهوري امس برئاسة رئيس الجمهورية الياس الهراوي . وبرز العنوان الاساسي في المحور الاعلامي البحث في منح تراخيص لإذاعات جديدة, وتوزيع القنوات على الاذاعات العشرين المرخص لها, اضافة الى قنوات مستقلة للاعلام الديني. اما عنوان المحور المالي فيتعلق بالموازنة, وماذا اذا كان مشروعها سيقر في العهد الحالي ام انه يؤجل الى العهد الرئاسي المقبل؟ ومن المعلومات المتوافرة ان الهراوي افتتح جلسة مجلس الوزراء التي لم تستغرق وقتا طويلا, بطرح سؤال عن سبب عدم انجاز الموازنة ؟ مشددا على ضرورة اقفالها قبل 24 من الشهر الحالي. رئيس الحكومة رفيق الحريري رد عليه بالقول انه لا يمكن وضع الموازنة قبل تشكيل حكومة جديدة, وأيده في هذا الموقف وزير الداخلية ميشال المر الذي قال اثر الجلسة انه اتفق على ان تترك الموازنة للحكومة المقبلة, وأعلن الوزير عن قرار للحكومة خلال الجلسة بإقرار البث الفضائي للاخبار والترخيص لأربع اذاعات جديدة. وكانت (البيان) قد سألت رئيس لجنة المال والموازنة النيابية خليل الهراوي رأيه في الموازنة, فاعتبر انه لا مانع من ان يتحمل العهد الجديد والحكومة الجديدة مشروع موازنة العام 1999, لأن العهد والحكومة المقبلان لهما سياستهما المالية, ولأن الموازنة تشكل مؤشرا لهذه السياسة المالية والاقتصادية. واستبعد النائب الهراوي ان تدشن الحكومة الجديدة عملها المقبل بإصدار الموازنة بمرسوم. اما على صعيد الاستحقاق الرئاسي فإنه وللمرة الاولى, ترتدي المشاورات اللبنانية ــ السورية حول الاستحقاق الرئاسي اللبناني (البزة العسكرية) وباتت تصريحات أهل السياسة من كبار وصغار مجرد زفير طويل وسط عاصفة هوجاء. فرغم الايحاءات التي أثارتها زيارة وفد القيادة العسكرية للقوات السورية في لبنان الى قصر بعبدا, وتناول طعام الغداء الى مائدة الرئيس الياس الهراوي امس الاول, ظل الحديث المركز امس لسبب لا علاقة له مباشرة بالزيارة والغداء, وهذه من الامور التقليدية, انما يرتبط بحرص الرئيس الهراوي على دعوة قائد الجيش العماد اميل لحود الى المأدبة المشتركة. ويقول احد السياسيين القدامى, وهو من المقربين من رئيس الجمهورية انه اذا كانت ولائم القصر الجمهوري تحولت عند العشاء الى طابع مدني تتم فيه, وحتى ساعة متأخرة من الليل الى مشاورات لتحديد الوزراء في الحكومة الاولى التي ستولد بعد انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية, الا ان ولائم الظهر مستمرة يوميا وهي تقتصر على كبار الضباط العسكريين في الجيش وقوى الامن الداخلي وأمن الدولة والامن العام. ويوضح ذلك السياسي ان الهراوي يتبع تكتيكا لا يتعلق بالانتخابات الرئاسية نفسها, خاصة وأنه لم يحدد بعد ما اذا كان يحبذ التمديد لولايته مرة ثانية أو (الذهاب الى منزله للراحة فور انتهاء ولايته الدستورية كما كرر مرارا) , بقدر ما يرتبط باستراتيجية (هراوية) ترفض ان تمسك عصا بناء الجمهورية اللبنانية من الوسط, بل من رأسها وذلك لما بذلت من خلالها من جهود اعادت للوطن بريق الحضور التدريجي والمتواصل. لكن مطلعين يكشفون ان زيارة الوفد العسكري السوري الى القصر كانت عادية وشبه دورية, وان المميز فيها حرص رئيس الجمهورية على مشاركة قائد الجيش فيها, من دون ان يعطي هؤلاء اي تبريرات عملية مقنعة لذلك. وعلم ان الوفد السوري لم ينقل اي (أمر رئاسي) الى رئيس الجمهورية, ولا تحدد موعد القمة بين الرئيسين الهراوي وحافظ الاسد, لكن تحديد هذه القمة مرجح الاسبوع المقبل وفي حدود العاشر من اكتوبر الجاري. وقبل هذا الموعد لا يتوقع ان يطرأ اي جديد بدليل ان الهراوي اعلن بوضوح ان فتح الدورة الاستثنائية لن يطرح في مجلس الوزراء من دون ان يحدد موقفا من هذه المسألة. وفي رأي اوساط مراقبة ان ذلك يعني ان البت النهائي بأمر الاستحقاق الرئاسي يمكن ان يحمل تأجيلا لاعتبارات عدة أبرزها: 1 ــ ان الوقت لم يفت بعد, والمهلة الدستورية للاستحقاق لا تزال في بدايتها. 2 ــ ان موعد القمة يحدده الرئيسان حافظ الأسد والياس الهراوي فإن كان موضوع الاستحقاق هو محور اللقاء فهذا يتطلب تحضيرا من الطرفين, والقيادة السورية قد ترتئي تكريم الرئيس الهراوي. 3 ــ ان سوريا ستكون منشغلة بالتحضير للاحتفال بذكرى حرب اليوم السادس من اكتوبر الجاري, كما انها ستكون في متابعة لما قد تتوصل إليه اجتماعات وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت التي تصل اسرائيل في اليوم نفسه لدفع المسار الاسرائيلي الفلسطيني. 4 ــ ان قمة امريكية ــ اسرائيلية ــ فلسطينية ستعقد يوم الخامس من هذا الشهر في واشنطن, وهذا يتطلب متابعة, فيما التحرش التركي مستمر, وربما لتمرير الاتفاق الاسرائيلي ــ الفلسطيني, عن طريق إلهاء سوريا وإشغالها. 5 ــ ان العرف في لبنان يقضي في الظروف الطبيعية بعدم استباق المواعيد, وبالتالي عدم جواز انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل أكثر من شهر على انتهاء ولاية الرئيس الموجود. وما يزيد من حيرة الاستحقاق الرئاسي هو المواقف التي يعلنها كبار السياسيين الذين يفترض ان يكونوا مطلعين على الأقل على الحرف (كاف) من (كلمة السر) . ومن هؤلاء رئيس مجلس النواب الذي يضع الاستحقاق في اطار كمن يمارس (التبصير) أو كقارئ في فنجان الرئاسة المقبلة. ووفق ذلك فإن القناعة الراسخة تبقى لدى جميع العاملين في الحقل السياسي والدائرين في فلك الاستحقاق بأن الحسم سيكون وليد القمة المرتقبة بين الرئيسين الهراوي والأسد, وبالتالي فإن كل شيء معلق إلى حين تصاعد الدخان الأبيض من القمة المحسوم انعقادها وفق تأكيد رئيس المجلس النيابي نبيه بري للرئيس الهراوي والذي كان قد أبلغه بذلك بعد اجتماع طويل عقده مع الأسد مؤخرا. وبري الذي لا يستطيع ان يبرر الأسباب الموجبة لتأخير انعقاد هذه القمة يعبر عن اعتقاده بأن ذلك قد يكون عائدا لانشغال القيادة السورية في هذه الفترة بالتطورات الاقليمية, وخصوصا ما يتعلق على المسار الاسرائيلي ــ الفلسطيني, وقد يكون عائدا أيضا, لانشغال القيادة السورية بأمور داخلية وشؤون حزبية في سوريا. وكذلك لا يستطيع بري تأكيد انعقاد (القمة الموسعة التي حكي عن انعقادها في بعض الأوساط, لكنه يجزم ألا دورة استثنائية للمجلس النيابي ما لم يطرح مشروع التعديل الدستوري للمادة 49, من قبل رئيس الجمهورية, ويفهم من كلام رئيس المجلس ان هذا التعديل أو عدمه سيكون بعد وقوف الاسد على موقف الهراوي. ويضع بري روزنامة للتعديل الدستوري, في الانتخاب مفترضا الآلية الآتية: ــ يقترح رسم الجمهورية تعديل الدستور (المادة 49) في 10 اكتوبر الجاري. ــ يعقد مجلس الوزراء جلسة لهذه الغاية في 15 و 16 اكتوبر الجاري ويقر المشروع بأغلبية الثلثين أو أكثر ثم يحيله إلى مجلس النواب. ــ في حال وصول المشروع إلى المجلس النيابي في 17 اكتوبر يحيله رئيس المجلس فور وروده إلى لجنة الادارة والعدل النيابية والعدل النيابية, لدراسته واقراره خلال جلسة أو جلستين. ــ لو فرضنا ان الادارة والعدل أقرت المشروع في 19 اكتوبر يحال المشروع إلى الهيئة العامة, فيدعو رئيس المجلس إلى جلسة عامة تشريعية للتعديل الدستوري في اليوم التالي. ــ تعقد جلسة التعديل النيابية في عشرين أكتوبر مثلا, ويمكن ان تستمر يومين, وتصدق المشروع بأكثرية الثلثين, ويحيله رئيس المجلس إلى رئيس الجمهورية لاصداره. ــ في الامكان اصداره في اليوم ذاته إذا ما أحيل من المجلس إلى رئاسة الجمهورية في آخر يوم من المهلة الدستورية وفي اليوم ذاته, تعقد جلسة لانتخاب رئيس الجمهورية. بيروت ــ وليد زهر الدين