ربما بسبب ثقل الماضي الذي مازال يجثم على حاضر المانيا, فان انتقالات السياسة تتم فيها بهدوء شديدة ومن ناحية اخرى فلا تزال المانيا محكومة بمعادلات دولية من الخارج, وتطورات اوضاعها الصناعية والاقتصادية, التي تستلزم عدم تأرجح اوضاعها السياسية تأرجحا يؤزم اوضاع الاقتصاد المتواصل النمو. المؤسسات الضابطة وتتحكم مراكز الضغط الصناعية والعمالية في الحركة السياسية الالمانية الى حد بعيد وتعتبر تلك المراكز بمثابة مؤسسات شبه رسمية موازية تصل ما بين المؤسسات الحكومية, ومؤسسات القطاع الخاص, وتسهم بقسط كبير في تحضير وتجهيز الخيارات التي توضع منها السياسات العامة. اهم تلك المراكز هي الغرفة التجارية والصناعية, والاتحادات المهنية والعمالية, وهي مراكز عميقة الرسوخ في بنية المجتمع, ويرجع تاريخ بعضها الى القرن التاسع عشر, واوائل القرن العشرين, وقليل منها, ما قام بعد الحرب العالمية الثانية, وواكب ازدهار الممارسات الديمقراطية, التي تناوب على قيادتها الحزبان الديمقراطي المسيحي, والاشتراكي الديمقراطي. وقد عملت تلك المراكز على امتصاص صدامات الحزبين, وصدامات الطبقة الوسطى مع الحكومات المختلفة, وصدامات الطبقتين البرجوازية والعمالية مع بعضهما البعض, واسهمت بذلك في توطيد جو من الاستقرار السياسي, يسّر الى حد بعيد عملية الاتفاق على السياسات العامة, وحصر نواحي الخلاف في مجالات التطبيق. ادى ازدهار الوضع الاقتصادي بالاضافة الى عمل المؤسسات الضابطة الى مزيد من الاستقرار الاجتماعي, وانتعاش الممارسات الديمقراطية السليمة, وبدّد كل المخاوف من ان ترتد المانيا الى جو الصراع الايديولوجي الحاد الذي ساد فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية, وادى الى اعتلاء هتلر الى منصب الرئاسة, والغائه لجو الحريات العام.. واذا كانت الدول الغربية وفي مقدمتها امريكا قد ظلت تراقب اوضاع الممارسات الديمقراطية الالمانية خوفا من ان تتراجع الى حالة الصراع, فانها قد اصبحت بعد ذلك تنتقد تلك الممارسات بأنها مستقرة وهادئة بأكثر مما يلزم الحال. استمرت التحولات السياسية من الجمهورية الاولى, الى الثانية, الى الثالثة, تتم بنفس هذا النمط الطبيعي الهادئ, وانسابت معظم تلك التحولات من داخل تلك المؤسسات شبه الرسمية, ولم تتجاوزها ابدا, ولم تكن تلك المؤسسات هي الاخرى جامدة, بل ظلت في حالة تطور وتحول ومواءمة دائمة مع متطلبات التغيير. وقد اقتربت تلك المؤسسات بانماط الممارسات الديمقراطية الالمانية من النمط الديمقراطي التوافقي المعروف باسم Corporafism الذي يسود في بعض الاقطار الاوروبية الصغيرة كالنمسا والسويد, حيث يقل الصراع والتنافس الى حد بعيد بين جماعات المصالح والضغط. فبدلا من ان تحاول كل جماعة الاستئثار باكبر نصيب ممكن من المصالح, غير مبالية بمصالح الجماعات الاخرى, ومصالح المجتمع ككل, فان ممثلى تلك الجماعات يجتمعون على صعيد واحد, مع الحكومة, ويتفق الجميع على سياسات موحدة تحقق مصالح الجميع بشكل مقبول للكل. قادت تلك المراكز والجماعات الى تقوية الوسط, وهمشت اطراف التشدد والمغالاة, فاندفع الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تولى السلطة بعد الحرب, وتحمس لفترة لسياسات السوق الحر الرأسمالي الامريكي, اندفع بعد ذلك الى الوسط متبنيا مفاهيم واطروحات اشتراكية اساسية, وركز اداءه على تحقيق اكبر قدر ممكن من شروط ومطالب رفاهية الشعب. اما الحزب الاشتراكي الديمقراطي, فقد تخلى عن كثير من مثالياته الاشتراكية المطلقة, واندفع هو الاخر نحو الوسط مقرا ومسلما بكثير من مفاهيم السوق الرأسمالي الحر, الامر الذي اعطى الحزبين فرصة اكبر للتفاهم الموضوعي والتلاقي الفكري على صعيد وضع السياسات واهمها سياسة لا مركزية صنع القرار, حيث تفرغت الحكومة الفيدرالية للقضايا التي لا يعهد بها عادة لمراكز وجماعات المصالح والمؤسسات شبه الرسمية المختلفة. اما الجماعات الراديكالية التي نمت على يسار الوسط كحزب الخضر, او على اليمين مثل دعاة السوق الحر المطالبين بالغاء دولة الرفاهية, فقد ظلت محدودة الشعبية ولم يؤثر نموها التدريجي, لا على المزاج السياسي العام, ولا على البنية المؤسسية الحزبية الرئيسية. تبلور حزب الخضر من جماعات راديكالية متنوعة نشطت في اوساط الطلاب في الستينات, ونضجت في حمى مظاهرات 1968, وتمفصلت سياسات الحزب حول محورين اساسيين, اولهما: محور حماية البيئة من الاخطار الصناعية وثانيهما: محور السلام, ومناهضة حلف ناتو, ومعارضة نشر الصواريخ البالستية في المانيا. وفي 1979 افلح الحزب في ارسال اول نوابه الى برلمانات الولايات, وفي 1983 افلح في ارسال اول نوابه الى البرلمان القومي, فاصبح بذلك اول حزب ينشأ بعد الحرب العالمية الثانية, ويستطيع تمثيل نفسه في البرلمان القومي. بدا نجاح حزب الخضر وكأنه خصم على شعبية الحزب الاشتراكي الديمقراطي, الا ان نجاح الخضر سرعان ما بدأ يضمحل لصالح الاشتراكي الديمقراطي مجددا, وهنا طرأ سؤال التعاون بين الحزبين طالما ان برامجهما متشابهة نوعا ما وشعبيتهما مشتركة الى حد ما, وازاء ذلك اختلف قياديو حزب الخضر الى فريقين: حيث رفض اصوليو الحزب اي تعاون مع اي من الاحزاب القائمة, هذا بينما قبل الواقعيون بانشاء نوع من التحالف المراحل مع الاشتراكيين الديمقراطيين. ونجح هؤلاء مؤقتا في عقد ذلك التحالف, ونالوا بموجبه منصب وزارة شؤون البيئة, قبل ان تأتي كارثة تشيرنوبل لتعصف بالتحالف, وتعلي من شأن الاصوليين من جديد, وتزيد من نسبة شعبيتهم, لتصل الى 12% من جملة الاصوات, عادت شعبية الخضر للتراجع بعد ذلك بسبب اندفاعهم في سياسات التشدد ضد حلف الناتو وشؤون الدفاع بشكل عام, وضاعت عليهم بالتالي فرصة تحقيق فوز انتخابي بالتحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين في انتخابات 1986 وجاء اعتراضهم على اسراع حكومة كول بتوحيد المانيا, ليضعف شعبيتهم بنحو اخر, فالخضر يشاركون الشعب الالماني مشاعره القومية التي تصل الى حد العنصرية والشوفونية وهم - اي الخضر - يعتقدون انهم مواطنون (عالميون) في المقام الاول و(ألمان) في المقام الثاني, ونسبة لصغر اعمار قادتهم ومناصريهم فانهم لم يشاركوا الشعب الالماني , بجيله القديم خاصة الاحساس القومي بوحدة الوطن الالماني وقد جلب ذلك الشعور السلبي عليهم بعض المتاعب والانتقادات, وافقدهم كثيرا من اصوات الناخبين ولكن سرعان ما عاد الحزب الى صوابه واطاح بجناحه الاصولي الراديكالي واقترب اكثر واكثر من الوسط ومن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بوجه خاص. وهكذا اصبح طبيعيا ان يتجه الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعد ان اكتسح الانتخابات الاخيرة بنسبة 41% من الاصوات الى حزب الخضر, ليرجح كفته ويعطيه الاغلبية المريحة بنسبة اصواته التي بلغت 6.7% وبذلك يصبح للحزبين معا 334 من 656 مقعدا هي جملة مقاعد البرلمان وقد صوت قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالاجماع لصالح قرار التحالف مع الخضر. وذكر المستشار الجديد المنتخب جيرهارد شرويدر ان قيادة الخضر مقدمة على توقيع اتفاق تحالفي طويل المدى لا تقل مدته عن أربع سنوات مع الاشتراكيين الديمقراطيين, كما ذكر بان التحالف ستوضع له اجندة وسياسات مشتركة تتسم بالاعتدال, وتتجنب غلواء الخضر وتطرقهم في شأن سياسات الطاقة والضرائب حيث يطالب الخضر برفع سعر جالون البنزين ليصل الى ما يعادل 12 دولارا, كعلاج لمشاكل التلوث البيئي, كما يطالبون بتقنين تدخين المارجوانا, كوسيلة لمنع تهريبها وسوء استخدامها. وفي التصريحات التي اولى بها جوسكا فيشر زعيم الخضر تأكيدا لمبدأ الاعتدال اذ أعلن ان نتيجة الانتخابات تمثل نجاحا مزدوجا للحزبين, وللمشترك بينهما من البرامج, التي يجب ان يقتصر عليها التفعيل والتركيز, مع تجنب موضوعات الخلاف. وهكذا اقترب خطاب فيشر كثيرا من اللهجة الاعتدالية العمومية الفضفاضة التي خاض بها شرويدر معمة الانتخابات. سينطلق الحزبان بهذا الخط الى تشكيل جيل سياسي قيادي جديد في ألمانيا ينسجم مع ثوابتها ولا يصطدم مع مؤسساتها والمصالح فيها. وفي هذا المنحى فلم يكن غريبا الا تسجل مؤشرات السوق اي تراجع نتيجة لانتصار الخط الجديد, وذلك ربما لان انتصار يسار الوسط كان متوقعا, نظرا لتواصل افادات استطلاعات الرأي العام بذلك, وربما تماشيا مع الموروث من الثقافة السياسية الالمانية, التي تضبط الاداء السياسي في حيز الوسط, وما حوله بعيدا عن اطراف ودوائر الجموح. لا يعني هذا ان قادة السوق هم على اطمئنان تلقائي ثابت ازاء التحول السياسي الجديد. فقد وجهوا نداء قويا على لسان هانز هينكيل, رئيس تجمع الصناعيين, وهو اكبر أجهزة الضغط في المانيا, من ان تتجه الحكومة الجديدة الى الغاء السياسات الاصلاحية التي اصدرتها حكومة كول بصدد الاقتصاد, كما جددوا تحفظاتهم ضد متطلبات الخضر بالتضييق على صناعات الكيميائيات والسيارات, حيث يطالبون شركات صناعة السيارات بتزويدها باجهزة تقوم بالتخلص من الدخان المفسد لصحة البيئة, وهو أمر مكلف, سيؤثر على القدرة التنافسية لتلك الشركات في الاسواق العالمية. وعرض هانز بيتر رئيس الغرفة الصناعية والتجارية توقعات ورجاءات الاوساط التي يمثلها بالا تتجه الحكومة الى رفع الاجور, والا فان تلك الاوساط لا تتعاون مع الحكومة في التخفيف من حدة ازمة البطالة اذ هي احدى كبريات المشاكل التي سترثها الحكومة الجديدة عن حكومة كول وقد ردت قيادة الاشتراكي الديمقراطي ردا مبهما, يساعد على امكان التوصل الى ارضية مشتركة مع رجال الاعمال في هذا الخصوص. وفي مجال السياسة الخارجية ذكر شرويدر انه سيواصل انتهاج خط السياسة الخارجية الالمانية لهيلموت كول. ولذلك فلا ينتظر حدوث اي تغيير كبير في علاقات المانيا مع الولايات المتحدة, وفرنسا, وبريطانيا, وبقية دول العالم العربي بل ربما زاد الانسجام, لاسيما مع تولي الاشتراكيين المعتدلين لمقاليد الحكم في كل من فرنسا وبريطانيا, وتوافق طابع شخصية شرويدر مع طابع شخصية كلينتون. وهكذا فيبدو ان للثقافة السياسية الالمانية, والمؤسسات الموازية شبه الرسمية, ولرصيد التجربة الديمقراطية, قدرات ضابطة تكفل استمرار حدوث التحولات, من غير حدوث شروخ في النسيج السياسي الالماني. استاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي