رغم ان الكثيرين ذهبوا الى ان المستشار الالماني هيلموت كول دخل التاريخ من باب الوحدة الالمانية, فقد اخرجته هذه الوحدة من بابها الخلفي نظراً للتكلفة الباهظة التي تحملها الشعب الالماني جراء هذه الوحدة . وعلى مدى ثماني سنوات منذ عام 90 تفاقمت الآثار السلبية للاسراع بالوحدة الى ان كان قرار الالمان بالانتقال الى جيل جديد تحت قيادة الاشتراكي شرويدر. فما هي ابعاد هذا التغيير الذي اسفرت عنه انتخابات الأحد الماضي؟ وما هي تأثيراته الداخلية؟ وهل ينجح شرويدر في انجاز الآمال المعلقة عليه؟ وإلى أين يسير قطار الوحدة الاوروبية؟ وما هو تأثير نجاح شرويدر على انطلاقته؟ هل يبطىء منها ام يزيد من سرعتها؟ وماذا عن مستقبل المحور الفرنسي ــ الالماني؟ اسئلة عديدة يطرحها الانتصار الكبير الذي حققه شرويدر ونجاحه بسهولة في ازاحة كول الذي تربع على عرش المستشارية 16 سنة, محققاً بذلك سابقة تتمثل في كونها المرة الاولى التي يخسر فيها مستشار الماني الانتخابات منذ نشوء المانيا عام 1949 امام مرشح من المعارضة. وقد احتلت نتائج الانتخابات الالمانية هذه الاهمية التي اولاها لها الرأي العام الدولي من دلالتها بشأن مدى التغيير الذي يمكن ان ينتج عن أي تحول في السياسة الالمانية سواء الخارجية او الاقتصادية نظراً لما تحتله المانيا من مكانة في النظام الدولي, حيث تعد ثالث اكبر دولة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان واحدى اكبر دول الاتحاد الاوروبي المكون من 15 دولة, فضلاً عما سيؤكده انتقال الحكومة من بون الى برلين وافتتاح المصرف المركزي الاوروبي في فرانكفورت من مكانة متميزة تحتلها المانيا في الالفية الثالثة. ولعل نظرة متأنية على ما كانت عليه السياسات الالمانية والدور الذي لعبه كول على المستويات الداخلية والاقليمية والدولية تكشف صحة ما يذهب اليه البعض من التأكيد على ان نتائج الانتخابات بفوز شرويدر على كول انما تعد مؤشراً حقيقياً على ان المانيا غيرت اتجاهها. وفي محاولة تحديد أسباب سقوط كول يمكن القول دونما كثير اجتهاد, كما اشرنا سابقاً, الى ان تبعات الوحدة كانت العامل الأساسي الذي القى بثقله وراء هزيمته في الانتخابات, ذلك ان الوحدة اصبحت عبئاً ثقيلاً على كاهل الاقتصاد الالماني نظراً لتكلفتها الباهظة والتي كانت ضرورية لاعادة بناء البنية التحتية المتدهورة في المانيا الشرقية ما ساهم في اضعاف البلاد بأكملها. لقد كان من تبعات الوحدة ارتفاع نسبة البطالة الى اعلى معدل لها بعد الحرب العالمية الثانية, بل ان نسبتها في المانيا كانت من أعلى المستويات في أوروبا بأكملها اذ طالت أكثر من أربعة ملايين شخص, ورغم تعهد كول بخفض البطالة بمقدار النصف بحلول عام 2000 فإن عدد العاطلين تضاعف, واستنفدت الوحدة الأموال الحكومية الى درجة ان الالمان وجدوا انفسهم يدفعون مبالغ باهظة جداً للمساهمة في استحقاقات الرعاية الاجتماعية حيث ضخمت عملية التوحيد من حجم المانيا غير انها اضعفتها.. وحسب بعض الارقام فقد وصل ما يدفعه سكان غرب المانيا سنوياً نحو 500 مليون فرنك فرنسي منذ ثماني سنوات على شكل ضرائب لشرق المانيا, وقد دفع كول ضريبة الوحدة مرتين مرة على المستوى القومي بسبب السخط في غرب المانيا بالذات من التأثيرات السلبية للوحدة, ومرة أخرى على مستوى شرق المانيا التي لم تجد معها محاولات النهوض فظلت متخلفة, وهو ما انعكس في التراجع الواضح لحزب كول في المانيا الشرقية في الوقت الذي تقدم فيه حزب شرويدر هناك. لقد كانت نقطة قوة كول هي نقطة ضعفه في الوقت ذاته وان كان يمكن القول ان سوء تطبيق مفهوم الوحدة وعجلة كول في هذا الصدد كانت هي أساس اخفاقه, فلقد تجاهل كول تحذيرات خبراء سياسيين واقتصاديين من محاولة استيعاب دولة شمولية متهاوية هي المانيا الشرقية وراح يسرع بخطى الوحدة واعدا بالاسراع بازدهار الشرق الألماني وهو ما فشل في تحقيقه. على الجانب الآخر فقد استثمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي (حزب شرويدر) الذي كان يتزعمه اوسكار لافونتيهن اوائل التسعينات هذا الامر حيث كان قد حذر من التأثيرات السلبية لتوحيد ألمانيا بهذا الشكل السريع رغم اقراره بأهميتها التاريخية, وازاء تحقق مخاوف الحزب وجد شرويدر ارضا خصبة يؤكد من خلالها على صحة تخوفاته. ازاء كل هذا كانت الحقائق تؤكد ضرورة ان يدرك كول ان الساحة لم تعد مهيأة له غير انه لم يصب باليأس وراح يتسلح بخبرته الطويلة في مجال خوض الانتخابات رافضا الاقرار بأنه هزم حتى على مستوى الحقائق رغم ان كل استطلاعات الرأي قبل فترة غير قصيرة من الانتخابات كانت تؤكد تقدم شرويدر, وقد بلغت ثقة كول أو مغالطته للواقع بمعنى أصح ان راح في اليوم الذي أجريت فيه الانتخابات (الأحد الماضي) يؤكد بنبرة لايتسرب اليها الشك أنه الفائز في الانتخابات ولكن لم تكن تمر ساعات حتى كانت النتائج الأولية تشير الى تقدم شرويدر ولتؤكد خطأ كول في انه لم يستطع ان يدرك الوقت المناسب للرحيل. ولكن .. ماذا يمكن أن يحقق شرويدر؟ وهل يمكن أن يتجاوز ما سقط فيه كول؟ لقد صعد شرويدر انطلاقا من وعود بتجاوز سقطات كول وهو ما يسميه خيار الطريق الثالث ممثلاً بالأساس في مداعبة آمال الألمان بتخفيض نسبة البطالة التي تصل الى 11% واتباع سياسة تمثل خليطا من اقتصاد السوق ومزايا الضمان الاجتماعي واجراء اصلاحات ضريبية ومن هنا تسود مخاوف من ان تلغى حكومة شرويدر الاصلاحات الاقتصادية التي بدأها كول, غير انه يمكن القول ان يد شرويدر ليست حرة تماما في انتهاج سياسة اقتصادية خاصة به .. فأيا كان الوضع الذي ترك عليه كول اقتصاد البلاد فهو يمثل تركة لابد أن يرثها شرويدر, وازاء ما قدمناه من بعض الجوانب السلبية والتي تأتي على رأسها البطالة, فإن شرويدر يكون بذلك قد ورث تركة مثقلة بالمشاكل قد تقيد حركته وتستغرق سنوات من حكمه في تجاوزها, فضلا عن ذلك فإن المخاوف من توجهات الحزب الاشتراكية قد بدأت تظهر حيث بدأ رجال الصناعة يظهرون تخوفهم من السياسات الاشتراكية التي يمكن ان تؤثر على مصالحهم, فضلا عن تخوفهم من ان يؤثر تحالف الحزب مع حزب الخضر المهتم بقضايا البيئة على الجوانب الخاصة بهذا المجال وهو ما قد يتسبب في خسائر كبيرة لهم, كما بدأ البعض يطرح التخوف من تنفيذ الحزب خططه الاقتصادية المتعلقة بزيادة الضرائب والأعباء المالية بالنسبة للتأمينات على المؤسسات الصناعية, وهو ما قد يؤدي وفقا لهذا البعض إلى ابعاد المستثمرين العالميين من المانيا وتحويل الانتعاش الاقتصادي الى كساد على حد اعتقاد أحد كبار رجال الأعمال الألمان, وهو ما قد يسفر عن مزيد من البطالة. أما على صعيد السياسة الخارجية خاصة في المحيط الأوروبي فرغم تأكيد شرويدر على وجود استمرارية في السياسة الخارجية لالمانيا الا ان هذه الاستمرارية لن تكون في كافة المجالات ولاشك ان شرويدر سيطبع هذه السياسة بطابعه الخاص, وسوف يتيح الدور الذي لعبه كول في توجهات المانيا الخارجية ابراز مدى الاختلاف الذي ينتج عن خروجه وتولي مستشار جديد ادارة دفة هذه التوجهات, وقد يفسر لنا تأكيد شرويدر على التزام المانيا الاستمرار في بناء أوروبا والدخول في العملة الموحدة لليورو في الموعد المحدد يناير 1999 جانبا من ابعاد القلق الذي تنتاب اطرافاً عديدة من حدوث تغير ولو محدود في سياسات المانيا الخارجية خاصة تجاه قضية الوحدة الأوروبية, وعلى هذا فإن هذه التأكيدات لا تعد ــ كما نرى ــ سوى نوع من التطمينات لامتصاص القلق في عدد من العواصم الاوروبية ذات الدور النشط وعلى رأسها باريس. وقد يلخص تصريح لشرويدر اثر فوزه مجمل موقفه من الوحدة الاوروبية والتي من المؤكد أنه لن يتحول عنها بالكامل وانما قد يبطىء من اندفاع المانيا باتجاهها, او على الاقل لن تكون على المستوى الذي كانت عليه ايام كول, ففي رد على سؤال للصحفيين بهذا الخصوص حرص شرويدر على القول (ليس من المناهضة لاوروبا ان تدافع عن مصالحك) ورغم ما في هذه العبارة من صحة الا انها قد تشير الى وجود قدر ولو محدود من الرغبة في الانكفاء او البعد عن قطار الوحدة بدرجة او باخرى, ويعزز ذلك رده على سؤال بشأن القومية بقوله ان (القومية ليس لها فرصة في المانيا, هذه ليست سوى مجرد ملاحظات اولية تثير التساؤلات حول موقف شرويدر من الوحدة ومدى التزامه بها وهي تعبر في خانة التأكيد على بعده عن هذه الوحدة, ويعزز من ضبابية موقف شرويدر في هذا الصدد ما ذكره البعض من قول لديستان يشير فيه الى ان شرويدر لم يعط اي توضيح لموقفه حول مستقبل المؤسسات الاوروبية. ومن هنا تتصاعد مخاوف انصار الوحدة في اوروبا من ان يكون سقوط كول اسدالا للستار على تأييد المانيا للوحدة الاوروبية وابطاء للخطوات الاوروبية المتسارعة نحو وحدة سياسية واقتصادية شاملة بتأثير من المانيا. ويشير البعض الى ان مايزيد المخاوف على مستقبل الوحدة الاوروبية ان فترة حكم شرويدر ستكون عرضة للشد والتوتر بين تيارين احدهما يميل الى الحفاظ على التوجهات الالمانية تجاه الوحدة ومواصلة ما بدأه كول والآخر يعمل على التوفيق بين مصالح الولايات الالمانية الستة عشر, وانه حتى في حال التوفيق بين هذي الاتجاهين فإن شرويدر لن يجد امامه سوى اتباع انصاف الحلول ما يعني تمييع الموقف الالماني من قضية الوحدة. اذا اضفنا الى ذلك احتمالات تحالف شرويدر مع حزب الخضر, وهو الاحتمال الاقوى قد يفرض قيدا على السياسة الخارجية الالمانية, حيث انه في هذه الحالة قد يتم تعيين وزير الخارجية من الخضر بتولي زعيم الحزب يوشكا فيشر هذه الوزارة باعتبار ان ذلك تقليد اتبع خلال حكم كول وشجبت وبرانت بمنح الخارجية لعضو في الشريك الاصغر, وقد تطغى سياسات الاهتمام بالبيئة على قضايا السياسة الخارجية الالمانية ما يعني وجود توترات عديدة خاصة اقليمية في المحيط الاوروبي. يضاف الى ما سبق ان شرويدر يتطلع كما يبدو من توجهاته وتصريحاته الى دور الماني وقد يفتح ذلك الباب لصراع مكتوم مع فرنسا التي تطمح الى قيادة المجموعة الاوروبية, وهو ماقد يسفر عن قدر من التصدع في علاقات باريس ــ بون (برلين) اللذين مثلا على الدوام القاعدة الصلبة للوحدة الاوروبية, وقد يفسر هذا التخوف دعوة الرئيس الفرنسي شيراك على الفور لشرويدر لزيارة فرنسا فيما يبدو لاستجلاء المواقف ومحاولة ارساء اساس صلب للتعاون يتجاوز اي حساسيات او سوء فهم يمكن ان ينشأ, وسعى رئيس الوزراء الفرنسي جوسبان ايضا الى اكتساب شرويدر بتأكيده ان فوز هذا الاخير يدعم الثقة في قدرة الاتحاد الاوروبي على المضي قدما من خلال تدعيم وتعزيز تلاحم الشعب الاوروبي حول التحديث والتضامن, وهو مايستهدف في النهاية الحفاظ على المحور الالماني الفرنسي الذي يعد العمود الفقري لعملية بناء الوحدة الاوروبية. فضلا عما سبق فإن فوز شرويدر يمثل تحولاً ذا مغزى بالنسبة لسيطرة الاشتراكية في اوروبا حيث يؤدي الى تزايد الحكومات الاشتراكية في الاتحاد الاوروبي لتصبح هي الحاكمة في كل من فرنسا ــ المانيا ــ بريطانيا ويلقي هذا العامل بتأثيره على بريطانيا حيث يتيح لها لعب دور اكبر خاصة بعد ان ساهم بلير في اخراج البلاد من عزلتها بعد 18 عاما من حكم المحافظين, وفي ظل اتجاهات بريطانيا المتحفظة بشأن الوحدة الاوروبية, وهو ما يعبر عنه عدم انضمامها للعملة الموحدة في يناير 1999 فقد يساهم ذلك في التأثير بالسلب ايضا على الوحدة الاوروبية. هذه مجرد قراءة اولية تعتمد افكارا نظرية تنطلق من تصريحات ومواقف الاطراف المختلفة قبل انطلاقها في ساحة الواقع المجال الحقيقي لاختبارها.. ويبقى ان الواقع هو المحك الحقيقي لتأكيد صحتها من عدمه.