لم يحمل صعود يسار اوروبي جديد في المانيا نوعا من المفاجآة بقدر ما حمل نوعا من تحقيق الامل او الطموح سواء على المستوى الشعبي الداخلي بألمانيا, او على المستوى السياسي لدول الاتحاد الاوروبي , فالسنوات الاخيرة حملت بين طياتها مؤشرات سياسية مفادها ان معظم مواطني المانيا الشرقية سابقا ينمو لديهم حنين خفي للشيوعية, بسبب الخوف من فقدان وظائفهم لتحل محلها عمالة من اوروبا الشرقية, وانهم فقدوا الثقة في المستشار الالماني هيلموت كول, فهو من وجهة نظرهم لم يف بوعوده التي قطعها على نفسه بعد وحدة الالمانيتين عام 90, كما دلت الحقائق ان الناخبين في المانيا الشرقية (سابقا) يجنحون للتوجهات المتطرفة, وهم يشكلون واحدة من كفتى الميزان السياسي التي تلعب دورا ترجيحيا في انجاح حزب ضد آخر, حيث انهم يشكلون حوالي 20% من اجمالي عدد الناخبين, وذلك بخلاف اشقائهم الغربيين, الذين يتمسكون بالعادات الجرمانية القديمة في ولائهم لصلات القرابة وجذورهم الحزبية, ولقد احتلت المناطق الشرقية مؤخرا اهتمامات صناع السياسة بصورة كبيرة, وثبت جدوى هذا الاهتمام الان, عندما صعد اليسار لتولي مقاليد السلطة في المانيا وفاز الاشتراكي الديمقراطي شرويدر تحت عبارات التحديث والعدالة الاشتراكية, فقد تحلى بنغمة الديمقراطية الاشتراكية, والتي يعلم مسبقا ان احلام الشعوب الاوروبية تتأرجح بين مبادئ هذه النغمة وبين المعطيات السلبية للنظام الرأسمالي الكامل التطبيق والنظام الشيوعي القديم, لذا كانت مفردات العدالة والتحديث والديمقراطية الاشتراكية, هي الشعارات التي توجه بها شرويدر الى الشعب الالماني, وقد سبقت الانتخابات تحركات واسعة في اوساط العمال والمدرسين وصغار الموظفين, حيث تم التركيز على هؤلاء باعتبارهم المستويات ذات الدخول المنخفضة, وعلى الجانب الآخر من المناقشة احتبست انفاس الجميع قبل ساعات من فتح صناديق الانتخابات الالمانية, عقب الخطاب التاريخي الذي القاه (فولفجانج شاوبيل) الرجل الثاني في الحزب الديمقراطي المسيحي ــ الخاسر ـ والذي كاد المراقبون السياسيون يصدقون ان الحزب سيفوز في الانتخابات, وان المستشار الالماني هيلموت كول سيحكم اربع سنوات اخرى, خاصة وان (فولفجانج شاوبيل) اكد على مطالب اجتماعية هامة مطروحة, وقدم وعودا تضمنت: رصيد 30 مليار مارك لتخفيف اعباء الضرائب على المواطنين, في الوقت الذي لا يملك فيه الحزب الاشتراكي الديمقراطي سنتا واحدا, ووفاء الحزب الديمقراطي المسيحي بوعوده في اعادة بناء المانيا الشرقية القديمة واحتلال ذلك المرتبة الاولى في جدول الاهميات, الترحيب بقدوم اللاجئين في المانيا بشرط اندماجهم في المجتمع الالماني, محاربة استخدام الاطفال في الشذوذ الجنسي خاصة على شبكات الانترنت في اوروبا. لكن رغم هذه الاطروحات والوعود البراقة التي حظيت بالتأييد والتصفيق الشعبي لم تؤد الى نتائج حقيقية في الانتخابات وخسر الحزب الديمقراطي المسيحي, لان شعارات شرويدر كانت تمس الجانب الاكثر اهمية في حياة المواطنين الالمانيين, وهي جوانب الاصلاح الاقتصادي, والتي لوح بانه سيسعى لتحقيقها على نمط مغاير لما انتهجه كول, خاصة بعد ان ثبت فشل كول داخليا خلال السنوات الاخيرة سواء في خفض نسبة التضخم او معالجة تزايد البطالة او التخفيف من اعباء الديون الالمانية الخارجية. اكتساح للاشتراكية الديمقراطية وهكذا وبعد 150 عاما من التواجد الشيوعي في اوروبا, وتواري هذا الوجه الشيوعي مع بدايات هذا العقد, بدأت مرحلة جديدة لشبح يساري اوروبي من نوع اخر حديث, اسمه (الاشتراكية الديمقراطية) , فبعد فوز شرويدر اصبحت الان ثلاث دول اوروبية كبرى هي المانيا, فرنسا, بريطانيا, تحكمها الاشتراكية الديمقراطية الحديثة, وليبلغ عدد دول الاتحاد الاوروبي التي تحكمها الاشتراكية الديمقراطية عشر دول, هولندا رئيس حكومتها (فيم كوك) من حزب العمال, بريطانيا توني بلير من حزب العمال, فرنسا رئيس الوزراء (ليونيل جوسبان) من الحزب الاشتراكي, البرتغال (انطونيو جوترس) من الحزب الاشتراكي, السويد (جواران بيرسون) من الاشتراكي الديمقراطي, ايطاليا (رومانو برودى) يساري في الائتلاف الزيتوني, فنلندا (بافول بونين) ديمقراطي اشتراكي, الدنمارك (باول نايروب راسموسن) اشتراكي ديمقراطي, المانيا (شرويدر (اشتراكي ديمقراطي) , اليونان (كوسطاس سميتث) اشتراكي, وبهذا يتأكد هيمنة التوجه اليساري على اوروبا, التي كافحت الشيوعية القديمة اعواما طويلة, لكن الحكومات الاوروبية ذات الوجه الجديد تعبر عن الحداثة, وتؤكد استيعابها الدرس القديم وتعلمها من اخطاء الماضي, فهى ترى ان الرأسمالية ايضا لها وجه مقبول, ويجب انتقاء افضل ما يمكن من هذا النظام للتوافق مع مبادئ الاشتراكية, وهي فلسفة جديدة يؤكد اصحابها انها ستقودهم للنجاح في الاهداف الاقتصادية لتحقق العدالة الاشتراكية, دون تضارب مع الرأسمالية, ودون ارتداد لليسارية بشكلها القديم. والنجاح الذي حققه خيرارد شرويدر سوف لا يؤدي فقط لمنحه لقب المستشار الالماني, ولا يقود فقط الى تحول سياسي واقتصادي في المانيا كما هو المتوقع, لكن يعتبر ايضا تحولا حقيقيا ستكون له تأثيرات داخل الاتحاد الاوروبي بصورة اجمالية, ولقد اتفقت معظم البعثات الدبلوماسية الاوروبية على رأي واحد ـ وهو امر لا يحدث كثيرا ـ وتوافقت وجهات النظر على ان المانيا ـ شرويدر ستتغير بدون شك, وجهها.. سلوكها السياسي داخل اوروبا وخارجها, وخرجت اصوات من اللجنة الاوروبية من العاصمة البلجيكية بروكسل تؤكد انه على الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي الاستعداد من الان للدخول في مرحلة استكشافية سياسية جديدة في ظل سياسة المستشار الالماني الجديد, خاصة وان المانيا ستتولى رئاسة الاتحاد الاوروبي بعد النمسا في مطلع العام المقبل, وستتسلم مع مهامها الرئاسية تركة مثقلة مع بداية تطبيق العملة الموحدة, وسيتطلب هذا من المستشار شرويدر قرارات حاسمة, لانهاء العديد من القضايا والقرارات المعلقة مثل اعادة النظر في توزيع الدعم الاوروبي داخليا في المجال الزراعي, رصد مساعدات للمناطق الاقتصادية الفقيرة في اوروبا خاصة للدول الاحدى عشر المنضمة لوحدة النقد الاوروبي, واعادة النظر في توزيع انصبة مساهمات الدول الاوروبية في الاتحاد, في ظل التوجه لتوسيع عضوية الاتحاد الاوروبي. طلاق فرنسي ام اكمال مثلث لقد بدا المستشار شرويدر منذ الوهلة الاولى لتسلمه المنصب, انه يحمل للاتحاد الاوروبي توجهات جديدة, وقد تمثل التوجه الالماني الجديد نحو الاتحاد الاوروبي في التصريحات الاولية التي اطلقها شرويدر عندما قال ان التوجه الثنائي المزدوج للادارة السياسية الفرنسية ـ الالمانية الذي استمر مدة 40 عاما في تشغيل حركة السياسة الاوروبية, يجب ان يتم اعادة بناؤه, لانهاء مرحلة الثنائية, والدخول في مرحلة مثلث العلاقات السياسية الجديد, ليكون احد اضلاعه المملكة المتحدة, وانه سيفتح مجالا اكبر لبريطانيا العظمى كواحدة من اكبر قادة اوروبا. وقد جاءت تصريحاته تعبيرا عن علاقة الوفاق السياسي بينه وبين البريطاني توني بلير, وقد دفعت هذه التصريحات الجريئة للمستشار الالماني الجديد, لان يكون توني بلير اول رئيس حكومة اوروبية يعلن عن ترحيب حار لفوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الانتخابات, وهو الترحيب الذي وصفته بعض الدوائر السياسية الاوروبية بالمبالغة, وتم تشبيهه بالطفل الذي عثر على شيء فقده منذ زمن, ولقد عزز (بلير) التوجه الذي اعلنه شرويدر, بتأكيده ان المستشار الالماني الجديد هو من الاجيال المعاصرة لساسة جدد, وان ارتباطه بعامود الادارة الفرنسي ـ الالماني لن يكون كسلفه هيلموت كول, وفي هذا توجه اوروبي جديد ومطلوب للمرحلة المقبلة. ولعل من اهم الاسباب التي دفعت بريطانيا للتهليل المبكر, هو الاستجابة السريعة من قبل المستشار الالماني الجديد لما طالب به بلير, عندما قال الوقت قد حان لان تجلس بريطانيا في مكان اساسي وبارز, حول مائدة المفاوضات الاوروبية, لتأخذ وضعها بجانب فرنسا, ويبدو شرويدر استمع للدرس البريطاني جيدا, حيث جاءت مبادرته الاولى بزيارة بريطانيا للقاء العمالى بلير كدولة اوروبية اولى بعد زيارته لضلعه الثاني القديم فرنسا للقاء الاشتراكي جوسبان, وذلك على صعيد اول للتحركات الخارجية. واذا كانت التوجهات الاولية لشرويدر تبدو على هذا النحو التوجه الى بريطانيا, فهذا يعني بالتأكيد ان شرويدر لن يكون كسلفه كول, في علاقته مع فرنسا, حيث كان كول تربطه علاقات وطيدة برئيس فرنسا الراحل فرانسوا ميترا, ورئيس اللجنة الاوروبية السابق الفرنسي جاك ديلور, هذا الثلاثي الذي وضع الخطوط العريضة الاساسية لوحدة النقد الاوروبي, ونجحوا في تمرير هذه الخطة والحصول على الموافقة عليها من معظم البرلمانات الاوروبية رغم وجود العديد من المعوقات الاقتصادية الحقيقية التي وقفت وتقف حتى الان حائلا دون تحقيق حلم وحدة النقد والاقتصاد المتكامل, كما كان الثنائي الفرنسي ـ الالماني, شيراك وكول يخططان لخلق قوى امنية مشتركة, فقد وضعا الخطوط الاساسية لاتفاقية الدفاع الامني المشترك داخل الاتحاد الاوروبي لتأكيد ثقلهما داخل اوروبا, وقد اثارت هذه الاتفاقية القلق لدى بقية الدول الاعضاء بالاتحاد الاوروبي, وكذلك لدى امريكا ودول حلف شمال الاطلسي, التي هددت فرنسا دائما بخروجها من عضويته, فقد سبق وان انسحبت فرنسا من الحلف عسكريا عام 1966 احتجاجا على هيمنة الجنرالات الامريكان على الحلف وهيمنة الادارة الامريكية على القرارات العسكرية للحلف, ومن هنا حاولت فرنسا والمانيا تكوين الدفاع الامني المشترك, وهو مشروع خطير لو تم تنفيذه بصورة فعلية, وسيحدد موازين للقوى الاوروبية داخل اوروبا اولا وداخل العالم ككل, وقد يغير من النظام الجديد للقوى العالمية الواحدة المتمثلة في امريكا. وهكذا كانت فرنسا وبريطانيا على مدار 40 عاما عامود الادارة للسياسة الاوروبية, وقد اهلهما لهذا ما تمتعا به من قوة ونفوذ اقتصادي, مما دفع بقية الدول الاوروبية خاصة دول الاتحاد الاوروبي الى انتهاج سياسة مهادنة مع البلدين للاعتماد عليهما في عمل موازنات اقتصادية والحصول منهما على مساعدات تحد من المشاكل المتوقعة جراء التزامات هذه الدول تجاه الاتحاد الاوروبي, وحتى بعد ان تعرضت فرنسا والمانيا لصعوبات اقتصادية, نجح هيلموت كول في ابقاء هذه القوة الثنائية مهيمنة كما هي, لما انتهجه من سياسة حاسمة وقوية فرضت وجود المانيا وضلعها الثاني فرنسا رغم كل شيء, ورغم الخلافات التي ظهرت بين البلدين ــ فرنسا والمانيا ـ في قمة امستردام في منتصف العام الماضي حول بنود استقرار التوازن النقدي, وحول المطلب الفرنسي بتكليف الاتحاد الاوروبي مزيدا من الموازنة للتوسع في البند الاجتماعي وعلاج مشكلة البطالة, فقد نجح كول وشيراك في تجاوز حدة هذه الخلافات, والتوفيق بين مطالب البلدين, ولقد فشلت كثيرا بريطانيا ـ الحليف القوي لامريكا ـ في ايجاد دور لها داخل ضلعي القوى الالمانية الفرنسية منذ البداية, او ممارسة ضغوطها على دول الاتحاد الاوروبي لكسب البعض في صفها لمجابهة التكتل الثنائي, كما ان نوايا بريطانيا التي تطل رأس امريكا من خلفها قد ساهمت كثيرا في انفضاض معظم دول الاتحاد الاوروبي عنها وعن الوقوف بجانبها, وقد دفع هذا الفشل ببريطانيا الى انتهاج سياسة عناد اوروبي ومحاولة للتملص من اهم التزاماتها من الاتحاد الاوروبي, فرفضت بريطانيا منذ البداية رفع الرقابة عن حدودها مع دول الجوار الاوروبي تحت زعم الخوف من نزوح لاجئين غير شرعيين عبر حدودها وحدوث عمليات ضخمة لتهريب المخدرات, ورفضت التوقيع على اتفاق وحدة النقد الاوروبي تحت مزاعم وجود معوقات داخلية تمنعها من الدخول في وحدة النقد على الاقل في الوقت الحالي, كما عارضت الكثير من البنود في اتفاقية امستردام والتي كانت بمثابة بروسترويكا اصلاح لمعاهدة ماستريخت, خاصة فيما يتعلق بالبنود حول الاجانب واللاجئين, وتزايدت سياسة العناد والغضب البريطاني بعد ان فرض الاتحاد الاوروبي في عام 96 حظرا على اللحوم البريطانية لانتشار مرض الجنون بها, مما كبد بريطانيا والاتحاد الاوروبي اكثر من 60 مليار فرانك, فقد كانت بريطانيا العظمى في حصار دائم وكماشة صنع طرفي القوى بها فرنسا والمانيا, لم تنجح في التملص او الفكاك من هذه الضغوط منذ تطبيق اتفاق ماستريخت للوحدة الاوروبية. غير ان سياسة شرويدر التي بدت بوادرها الاولى مغايرة لما سار عليه كول من زواج ثنائي لا يقبل الطلاق او وجود شريك ثالث قد بدأ يتغير, وبدأ المستشار الالماني يلوح صراحة بامكانية انضمام بريطانيا الى ضلعي القوى ليكتمل المثلث, وقد اعلن بلهجة الناصح لزملائه في الاتحاد الاوروبي قائلا (لا يجب الدخول في تجربة التصدي لمحاولات بريطانيا الانخراط في الجسد الاوروبي) مشيرا الى ان المانيا ستأخذ بيد بريطانيا للاندماج التام في الوحدة الاوروبية, وعلى دول الاتحاد الاوروبي الا تقف في طريق المانيا, وهو اتجاه بلا شك قد يثير الارتياح لدى معظم الدول الاوروبية العضوة بالاتحاد, والتي كانت تتحفظ على السياسة البريطانية النافرة عن القطيع الاوروبية وتأسف له, فدول الاتحاد تعتبر دخول بريطانيا لاتفاق وحدة النقد واحداً من اهم الاسباب التي ستكفل لوحدة النقد عوامل النجاح, وان كان هذا التوجه الالماني الجديد في المقابل سوف يثير الهواجس والمخاوف الفرنسية من حدوث طلاق بينها وبين المانيا, والتي تعول عليها فرنسا اهمية كبرى داخل الموقع الاوروبي, ويؤكد هذا ما اثارته وسائل الاعلام الفرنسية حول تصريحات شرويدر, ومحاولاته تقريب بريطانيا اليه, فقد تبنت وسائل الاعلام الفرنسية حملة مفادها ان المستشار الالماني الجديد لا يتحمس لقاعدة العلاقات الفرنسية الالمانية, ولا يجدها ضرورية تماما, وان محاولاته قد تفصم عرى الصداقة بين المانيا وفرنسا, وامام هذا التصور الفرنسي وجد شرويدر نفسه مطالبا بأن يدافع عن نفسه في أول وأخطر اتهام وجه له عقب ساعات من توليه منصب المستشارية, فصرح بأن درجة حرارة احساسه تجاه الفرنسيين افضل بكثير مما صوره الاعلام الفرنسي وان عامود الادارة الالماني الفرنسي له جذور تاريخية قديمة, مؤكدا في نفس الوقت على اهمية وجود علاقة قوية بين بون ولندن. وترددت الانباء عن حدوث اتصالات تليفونية بين شرويدر وبلير حول نقاط الحوار التي سيتم الحديث حولها في بلاك بول اثناء زيارة المستشار الالماني لبريطانيا والتي تجرى الان, واهم هذه النقاط هو وضع وموقف بريطانيا بالنسبة للعملة الاوروبية الاورو. ولكن هل بالفعل بقدوم الاشتراكي الديمقراطي شرويدر, وموقفه السياسي من العمالي توني بلير سوف يغير من موقف بريطانيا تجاه الاتحاد الاوروبي في المقام الاول, ويغير من نسبة ولائها لامريكا في المقام الاهم..؟ قد تبدو الاجابة صعبة على وجه الدقة, ولكن يمكن التصور بان بريطانيا ستفكر جديا في اعادة وجهة نظرها, وربما ستحصل على ضمانات سياسية واقتصادية جديدة بعد تولي المستشار الالماني الجديد الحكم في بلاده, اي تحصل من بون على ثمن انخراطها في جسد الوحدة الاوروبية, خاصة وان شرويدر اكد على ضرورة نجاح اتفاق وحدة النقد والذي لن يتحقق بالفعل الا بوجود بريطانيا, وان هناك نوعا من التحدي لانجاح الوحدة, ففشل اتفاق وحدة النقد سيعتى كارثة لدول الاتحاد الاوروبي, واذا ما دخلت بريطانيا في صفقة للمقايضة للاندماج التام في الوحدة الاوروبية, فانها بلا شك سوف توازن بين مكاسبها من امريكا جراء ولائها التام للولايات المتحدة الامريكية, وبين مكاسبها من المانيا او دول الاتحاد الاوروبي حال تنازلها عن العناد والتمرد عن الجسد الاوروبي, والارجح بالطبع سيكون كفة المصالح الخالصة لبريطانيا. وفي الوقت الذي يحظى فيه شرويدر بقبول وترحيب من توني بلير نجد ايضا وجود موقف مناقض تماما ايضا داخل بريطانيا, والذي يمثله السفير البريطاني السابق في بون (السير كريستوفر مالابى) والذي وصف المستشار الالماني الجديد في تصريحات صحفية بانه (شخصية وصولية يفتقر الى الرؤية السياسية الثاقبة التي كان يمتلكها سلفه كول, الرجل الذي كان على قدر كبير من المسؤولية, والذي ساهم في وضع البنية الاساسية للوحدة الاوروبية, وواكب هذه التصريحات المتناقضة للسفير البريطاني السابق, تصريحات اخرى اطلقها خبراء في الاتحاد الاوروبي ببروكسل, وهي موجهة بالدرجة الاولى لبريطانيا وان كان بصورة غير مباشرة, مفادها انتهاء الوضعية القديمة لالمانيا وقوتها المالية التي تمثلت في المساهمات الكبرى لاوروبا, وان التوجه الالماني لبريطانيا لن يفيد بريطانيا كثيرا في ظل الظروف الالمانية الحالية, وبعد رحيل العملاق السياسي كول, وانه على شرويدر معرفة ان المانيا لم يعد لديها الضمادة الجاهزة لتخفيف الجروح الاوروبية, وعليه الالتزام بالواقعية. والان بعد ان ترك مرشد الملاحة السياسية الاوروبية الحديثة (هيلموت كول) السفن الالمانية تبحر وحدها, وتسلم شرويدر عجلة القيادة, فهل سيقود السفينة الالمانية في بحار اوروبا؟ ام سيبقى في انهار المانيا, ويؤكد المخاوف الاوروبية من اعادة عقدة التفوق الالمانية للساحة ويتحدى الجميع؟ ايا كانت الاجابة, فان الشيء المؤكد هو انه ستبقى المكاسب الالمانية, لكنها ستكتسب لونا اخر, وتوجها مؤقتا نحو يسار الوسط, لكن من المتوقع انه سرعان ما سيعود هذا التوجه ويخفض رأسه لرؤوس الاموال والاقتصاد الحر, ويبحر في بحار اوروبا شأنه شأن غيره ممن يجلس على كرسي الحكم, ويضطر لضرورة السير في الخطة القاسية للاصلاحات الاقتصادية التي اعلنها خلفه (كول) , كما ان شرويدر اكثر من غيره سيكون اول مكتشف لثقل الارث الذي تركه له كول, وعليه ان يوجه تلك التركة, بما لديه من قبل اقل في الكفاءة, ورغبة في التحديث, وسعيا في تدعيم اضلاع القوى الاوروبية. كاتبة صحفية مقيمة بهولندا