عند منتصف ليل السبت توقف التلفزيون السوداني عن ارساله العادي ليعلن باسم الحكومة التعبئية العامة حماية للتراب السوداني الذي يتعرض لغزوات من المتمردين بدعم من الجيشين اليوغندي, والاريتري , واعتبر الفريق البشير في خطاب متلفز ان الانضمام لقوات الدفاع الشعبي هو واجب الساعة لان المعركة الدائرة حاليا هي معركة فاصلة ضد حركة التمرد وماوصفهم باعوانها اليوغنديين والاريتريين, واصدر وزير التعليم العالي نداء تضمن تعليق الدراسة لمدة شهر في كل المعاهد والجامعات الحكومية والاهلية لتمكين الطلاب من المشاركة في المعارك العسكرية بحسبانهم قوة رادعة لدحر الغزاة. ووجه الاتحاد العام للطلاب السودانيين الموالي للحكومة هو الاخر نداء الى متطوعي الدفاع الشعبي يدعوهم فيه الى الانخراط في صفوف القوات التي تتوجه الى مناطق العمليات. وقال البشير في احتفال اقيم في الخرطوم: ان المعارك في شرق الاقليم الاستوائي في جنوب البلاد قد بدأت في الرابع عشر من الشهر الماضي وان اعداء البلاد ارادوها معركة فاصلة ونهائية ونحن ننتظر ذلك, لكن الجيش الشعبي بقيادة العقيد قرنق اعلن انه استولى على مواقع الجنوب وانه تمكن من قطع الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة جوبا عاصمة الاقليم بمدينة توريت المقر السابق لقيادة د. جون قرنق, ونفى مازعمته الحكومة من قتال اشترك فيه جنود يوغنديون واريتريون, ولم يتأخر رد الفعل على استنفار الحكومة للطلاب فسرعان ما اندلعت التظاهرات الطلابية في جامعات ومعاهد العاصمة السودانية ولكنها تظاهرات معادية لاغلاق الجامعات والمعاهد, ورافضة للانخراط في التعبئة وداعية لاسقاط حكم الجبهة ولاستمرار الحرب, وعلى الفور حشدت الحكومة شرطة مكافحة الشغب متصدية للمظاهرات مستخدمة الهراوات والقنابل المسيلة للدموع. هكذا ارتدت الدعوة للتعبئة في الاتجاه المعاكس للحكومة والرافض لسياساتها وبدلا من ان تستوعب الحكومة الدرس وتتفهم الموقف الرافض للحرب والداعي لتنحيها عن السلطة امعنت في مواجهة الطلاب بالضرب والمطاردة والملاحقة كما دفعت بالمجموعة الموالية لها للاشتباك مع طلاب جامعة ام درمان الاهلية تحت دعاوى ان رفض غالبية الطلاب للانخراط في ركب التعبئة معناه الجبن والخوف من الحرب! لكن العالم قد تبلغ الرسالة وهي ان الحكومة وحدها هي الراغبة في استمرار الحرب, وان الطلبة يرفضون ان يكونوا محرقة لتلك الحرب, فلا اعمارهم تؤهلهم لخوض غمارها ولا لهم تجارب او خبرات في القتال تسمح بأن يساقوا للموت عنوة وفي حرب هم انفسهم غير مقتنعين بها بل هي من صنع حكومة مرفوضة منهم وفوق هذا وذاك انها حكومة معزولة من شعبها بدليل الرفض القاطع الذي ووجهت به نداءاتها للتعبئة من كل قطاعات الشعب. ويبدو ان هناك احتمالا اخر اراه هو الارجح, وهو ان الحكومة تعلم تمام العلم ان نداءاتها للتعبئة لن تجد اية استجابة تذكر بل انها ستواجه بالرفض لذا فهي قصدت من وراء تلك الدعوة ايجاد مبرر لاعادة اغلاق الجامعات والمعاهد العليا خشية من استمرار اندلاع التظاهرات لانها تتوقع هزائم جديدة في ميادين القتال, ولهذا رأت ان تتحوط لاحتمال اندلاع انتفاضة شعبية بان تغلق الجامعات بدعوى التعبئة لمواجهة القتال الذي استعر في الجنوب على وجه الخصوص, وتمهيدا لمواجهة الهزيمة واعلانها صعدت من الدعاوى بانها تقاتل قوات يوغندية واريترية بجانب قوات قرنق. وهذا الافتراض مرده الى تجارب الحكومة في الاعوام السابقة, تلك التجارب التي من أبرزها الجريمة التي ارتكبت العام الماضي بحق اكثر من مائتي طالب في معسكر العيلفون حيث حصدهم الموت برصاص أمن النظام وبالغرق في النهر عندما رفضوا الانسياق قسرا لميادين القتال, وكذلك لما أخذت الحكومة تطارد الشباب في الشوارع وتداهم دور الرياضة ومناسبات الافراح لتخطفهم الى مراكز التجنيد. كل ذلك بمثابة تجارب كافية لجعل الحكومة لا تتوقع اية استجابة من الطلاب لتلبية دعوتها للتعبئة, مما يؤكد ان الهدف هو تعطيل الدراسة في الجامعات خوفا من الانتفاضة الشعبية ضد النظام, وتوقعا لاحتمالات هزائم نكراء في الحرب تخشى الحكومة من ردة فعلها. ونعود الى ادعاءات الحكومة من ان جنودا من اريتريا يقاتلون في الاقليم الاستوائي في أقصى جنوب السودان مع قوات قرنق وهو ادعاء جديد, لأن هذا الاقليم لا تربطه أي حدود مع دولة اريتريا. وكانت الادعاءات السابقة تتهم الشقيقة اريتريا بأن جنودها يقاتلون مع قوات المعارضة في شرق السودان حيث الحدود المشتركة بين البلدين, اما كيف تسنى لدولة اريتريا ان تحشد قواتها وتنقلها الى الاستوائية عبر يوغندا فهذه فرية كبرى على ما يبدو, لأن حركة قرنق ليست بحاجة الى قوات تقاتل معها في أحراش الجنوب, كما ان اريتريا في ظروفها الحالية وهي أشبه بحالة حرب مع اثيوبيا ليس بوسعها ان ترسل جندا منها لكي يقاتلوا في أرض بعيدة عن أرضهم وفي حرب ليست هي حرب اريتريا بأي حال من الاحوال, وفي هذه الظروف الحرجة بكل المقاييس. اذن انها مجرد فرية القصد منها الكيد لاريتريا وتضخيم المعاذير التي ستساق لتبربر الهزائم المتلاحقة للنظام في السودان. اما اتهام يوغندا بأن قواتها تقاتل جنبا الى جنب مع حركة قرنق فقد زادت ترويجه الحكومة بالزعم بأنها قتلت أثناء المعارك الاخيرة 45 جنديا يوغنديا واريتريا وعناصر من الجيش الشعبي لتحرير السودان, وقد دعا الاجتماع الوزاري الذي ترأسه علي عثمان جميع السودانيين القادرين على حمل السلاح الى تقديم انفسهم فورا الى القيادة العامة للمساهمة في الدفاع عن الوطن وناشد قوات الدفاع الشعبي والمتقاعدين من الضباط والجنود وقدامى المحاربين والاحتياطي الدفاعي والعاملين في اجهزة الدولة والقطاعات الخاصة الى المساهمة في الاستنفار الشامل. وفي الجانب الآخر فان يوغندا لم تكتف بنفي ما اسمته بالادعاءات السودانية انما اتهمت حكومة الخرطوم بدعم مخطط لاعمال ارهابية في كمبالا, ونقلت صحيفة (نيوز فيجن) اليوغندية عن وزير الدولة للأمن اليوغندي. اتهامه للسودان بالضلوع في دعم النشاطات الارهابية, وان الانفجارات التي كانت مدبرة ومخطط لتنفيذها في وقت متزامن مع تفجيرات سفارتي امريكا في نيروبي ودار السلام كانت من المفترض ان تكون الاكثر دمارا وتخريبا في البلاد لكنهم اكتشفوها في الوقت المناسب وزعم ان المتهمين حصلوا على دعم مالي وتدريب وتسهيلات اخرى من الخرطوم واسامة بن لادن وانهم سيقدمون الى المحاكمة قريبا. فيما ذكر مدير الشرطة امكانية ترحيلهم الى امريكا اذا طلبت واشنطن ذلك) . وهناك ايضا اتهامات اخرى ترددت في منطقة البحيرات بأن الحكومة السودانية بعثت بالفي جندي الى القتال بجانب قوات كابيلا ما قد يفسح المجال لجعل السودان طرفا في الحرب الدائرة هناك, وينعكس ذلك سلبا على موقف الحكومة اذ يفتح الباب لتدخلات من الاطراف المضادة لمناصرة قوات جون قرنق. وايا كان الامر فان ما يدعو للحيرة والتأمل هو ان طرفي القتال ــ الحكومة من جهة, والحركة الشعبية من الجهة الاخرى ــ حتى كتابة هذه السطور لم تصدر عنهما بيانات عسكرية محددة تعكس الانتصارات أو الهزائم. صحيح ان حركة قرنق قد أصدرت في المبتدأ بيانات أكدت فيها على استيلائها على ليريا وحاميات حولها, وان الحكومة صدرت عنها بيانات عن مقتل اكثر من الف جندي من الحركة وغنمت بعض الدبابات والمعدات الى آخره لكنها لم تشر الى استيلائها على مناطق معينة او استردادها لمواقع سلبت منها. مما جعل بعض المراقبين ينظرون الى الضجة المثارة في الخرطوم والولولة في الاعلام وكأن النظام يتوقع سقوط جوبا التي بسقوطها يكون سقوطه بات وشيكا, أو أنه يعاني في داخله تصدعات وصراعات يحاول صرف الانظار عنها حتى تتم تصفيتها وسط هذا الدخان الكثيف علما بأن الاجتماع الوزاري الاخير لم يترأسه البشير وان ما يشبه الاوامر صدرت من المؤتمر الوطني للرئيس لتنفيذ خطوات معينة! صحفي سوداني مقيم في بريطانيا*